أحمد رضــــا: الامكان الفريد. تأويل أنطولوجي

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!


(يمكن تحديد التأويلية، ليس بوصفها بحثاً في النوايا النفسية المتخفية تحت سطح النص، بل بالاحرى بوصفها تفسيرا للوجـــود -في – العالم معروضاً في النص.
ما يجب تأويله في النص هو العالم المقترح الذي يمكن أن أسكنه وفيه يمكنني أن أشترع امكاناتي الخاصة.)
بول ريكور[1]
بماذا تصنع القدرة على الوجود؟ هل تصنع بالاعتراض على الوجود الانساني المحض؟ أم بأحالة الخطاب الى جسد شروط الوجود في العالم؟ أو بالبحث عن الوجود ومعرفة كينونته؟

كتبت قصيدة – الساعة الخامسة والعشرون – بهدف الاستحواذ على الوجود.. وتظهر ككتلة من التوتر والفزع والرعب.. انها تنتمي الى ذاتٍ انغمر في التساؤلات الوجودية ويبحث عن الشئ في اللاشئ وعن المجهولِ في العدم.. والقصيدة هذه كينونة مفتوحة, تظهر نفسها وكانها تحضى بالتمرد و اليأس الحقيقي الذي يستاصلها ويجعلها يائسة من ذاتها.. نص مزود بالمفاهيم الانطولوجية وبالشعرية تجاه الحياة النهليستية والتي يسلك فيها الانسان طريقه بفردانيته و وحدانيته. وشعور الانسان – بأنه ليس في بيته – يعمم اجوائه.. ويتفحص كافة الامكانات ومن ضمنها الامكان الاخير, أي اخر انشودة للتناهي.

للوهلة الأولى يتبين ان النص قد استُخدِمَت فيه لغة شفافة وصريحة, وهذا ما يساعد القارئ على الفهم السريع من الجانب الفكري.. أما من حيث الجمالية اللغوية، فانه يفتقر الى الاداء الشعري الممتاز في تكوين الصور, أي ان الدوال لها وجهة واحدة, وليست لها صفة تعددية المعاني, فكل دال يتوجه مباشرة نحو مدلوله.. الواضح ان الرموز هنا غير فعالة في اغلب الاحوال. وان صورها ايضا ضرب من المألوف كوحدات مستقلة, لكنها في القصيدة ككل, يظهر شئ اخر:

في مجمل الصور تتشكل افاق جديدة المعالم, بحيث ينشغل القارئ انشغالا فلسفيا داخل مكوناتها.. تلتقي من جديد الاستعارات فتتحول الى انشاء صور اخرى تشترك في خلق معنى جديد للبنية النصية التي تحتاج الى قراءة مختلفة عن الاولى, ويتغير هذا المعنى كلما يتكرر الالتقاء مابين النص والمتلقي. وبهذا يتضح ان السردية المباشرة تكشف عن الدلاليات المتناهية وتكسب الفهم بمجرد القراءة السطحية الاولى. أعتقد ان قراءة من هذا النوع ستكون قراءة قاتلة بدلا من ان تنعش النص وتصبح مساهمة في تحريك الدوال واداة لتفعيلها.

لكن شأنها شأن أي نص ابداعي اخر, فبقراءات عدة يزول الاعتقاد السطحي الأولي ويصبح جزاَ من الوهمِ.. لان المتلقي سيكتشف ان هناك ابعادا اخرى لبنائه الجماليُ الشعري. وأظن ان اسلوب التلاعب هذا, في طريقة الكتابة, هو استدلالي، بغرض تجديد الدوال المكتشفة من خلال القراءة الأوليةً, ويمنع القاري من تهميش النص بأعتبار انه قدتوصل الى الفهم, لان “سر النص يكمن في عدمه”[2]. ولعدم فتح متاهات وانزلاقات دلالية, خاصة وان “محاولة الوصول الى دلالة نهائية ومنيعة ستؤدي الى فتح متاهات وانزلاقات دلالية لا حصر لها.”[3].

نعم يبدو ومن الوهلة الاولى بأن معاني الرموز في هذه القصيدة سهلة المنال..وبأن التشخيصات تدخل باب عموميات اللغة، ولا يحتاج القارئ الى ان ينهمك بالبحث عنها.. ولكن سرعان ما تزول هذه الرؤية, وتصبح اوهاماً من الماضي وذلك بالاصطدام بمجموعة من الرموز الفلسفية التي تفرض على القارئ بالاّ يكون وظيفته محدداً “في فعل القراءة البسيطة والاستهلاكية, بل عليه ان يكون فاعلا بنسجه مع النص علاقات مختلفة من بينها جدلية السؤال والجواب”[4] ومن خلال هذا التفاعل مع- القصيدة- يتم انتاج المعنى من جديد.

اذن فلنبدأ بأبسط الرموز واكثرها تعقيداً و التي اتت بها القصيدة في اول سطر لها, وهي “الحقيقة “..ولا احبذ أن ادخل في كل أبعادها, بل سوف أكتفي بالقدر الذي يساعدني على الفهم الذي احتاجه حصراً..

أيتها الحقيقة !

ما هي الحقيقة المطروحة في النص؟أهي مدلول متعالي وتواجهها الخدعة, كالثنائيات النقيضة التي أنتجتها الميتافيزيكيات الغربية ؟.. أم هي بالمعنى الذي ينظر اليها الوجوديون أي انها “تنتمي الى عينية الوجود البشري.”[5].؟.

بحثتُ في هذه القصيدة عن رمز أخذ بجدية أكثر مما اخذ به هذا الرمز , فلم أجده.. وبعدئذ لاحظت بأن (الحقيقة) تبحث عن التكامل الوجودي, ويتكامل الوجود بالكف عن المشاريع, وذلك يتحقق بالموت , والموت هو الامكان الاخير والفريد للانسان..وهو فرداني وذاتي “يواجه الفرد وحده الموت دون اناس اخرين….يجلب الانسان الموت معه الى العالم ويحمله داخل وجوده, ان الوجود والعدم وجهان مترابطان لحقيقةٍ واحدة ولا وجود لأحدهما بعيدا عن الأخر .ان وجود الانسان هو عدمه, ومن اول لحظات وجوده يحاول العدم ان يحتله والوجود تحت سلطة العدم يحاول التكامل عبثـــاً”[6]..اذن العالم هو موجود..والقصيدة تبحث في الموجودات, اما فيما يخص اشكالية الحقيقة تلك, فهي تختفي تحت سطح القصيدة..ولا يبدو في الظاهر بانها تبحث عن الموت..فالحقيقة هنا غائبة و مجهولة وذلك بحكم اعتباطية الصور والثغرات التي تكمن في التشتيت الصوري المعانق لها. ولغرض العثور على آلية لكشف تلك الحقيقة, استند الى اظهار بعض المنبهات.

انها تنادي الحقيقة, ولا تتحدث عن فحواها..والحقيقة هنا ليست مدلولاً وانما دالاً, وهناك عدة منبهات تدلنا الى كيفية الوصول الى مدلولاتها.

ان التفكّر الذاتي سيؤدي الى حقيقة ذاتية..اي عندما يختار شخصا فكرة ما, ويعتبرها بانفعال انها الحقيقة بعينها, سيكون هذا معياراً للحقيقة الذاتية, وبمعنى ادق ان الحقيقة الذاتية اختياري وارادوي.. انها ارادويةً من حيث التكوين او التصور, واختياري من حيث الايمان بها, ولا وجود لأي معيار آخر خارج الوعي, وهذا يعني بان الحقيقة الذاتية مرتبطة بالبنية القيمية للانسان الموجود .. هذا ما يراه كيركيكور (كيركجارد أو كيركغارد) الفيلسوف, ويدافع عن نظرته الاساسية بالقول:”عندما نبحث الحقيقة ذاتياً فاننا نتأمل بذاتية في علاقة الفرد, وعندما تكون كيفية هذه العلاقة في الحقيقة , يكون الفرد في الحقيقة حتى لو كان مرتبطاً بما هو ليس حقيقيا(…)الحقيقة الموضوعية مرتبطةً بـ _ ما قيل _ اما الحقيقة الذاتية مرتبطة بـ _ كيف قيل_.”[7].

ومن اهم الآثار التي تخلفها هذه النظرة , هو ذلك الطابع الاخلاقي لدى كيركيكور الذي اتى بفكرة_ انا موجود وحسب,وهذا العالم موجود من أجلي _ وبعدئذ تبرز مشكلة اصل الوجود والفترة الزمنية للبقاء فيه, حيث تنتهي بالفناء..والفناء هنا يأتي كجزء من تلك الحقيقة الذاتية، بل هو اكثر الممكنات يقيناً..فاذن بات الموت _ الامكان الفريد _ حقيقة مطلقة.

أما بالنسبة لـ “مارتين هايدجر”فهو لا يبتعد عن كيركيطور كثيراً في تنسيب الحقيقة, فانه يرى الحقيقة ذاتية ايضاً..فهو عادةً ما يلجأ الى ترجمة الكلمة اليونانية للحقيقة, والتي تعني الكشف وعدم الأخفاء..اي توجه الموجود نحو الكشف “تكمن في جوهر الحقيقة حركة الاتجاه الى العمل بوصفها امكانية متميزة للحقيقة حتى تكون هي نفسها موجودة وسط الموجود (…)الحقيقة هي كشف الموجود بصفته موجوداً, الحقيقة هي حقيقة الوجود.”[8] ..ولان الحقيقة تكمن في قلب الموجود وذاتها هي الوجود, فان الذات هي الحقيقة.. والحقيقة كموجود يجب ان يعرض نفسه, اما في هذه القصيدة الموجود الحقيقة مفقود..ومجهول, لأن معالمه غير واضحة, لذا من الممكن أن نثبت عدمه, والسؤال الذي يطرح نفسه هو: ما هو العدم المتشبث به؟. الذي له علاقة وشيجة بالذات ؟.

نقتبس قولا ذو أهمية بالغة بالنسبة لنا , وبغض النظر عّما يقصد به كاتبه “ان الحقيقة شئ ينتمي الى حياتنا اليومية منذ بدء الخليقة الاّ اننا نسيناها, واذا كنا قد نسينا هذه الحقيقة ,فقد كان من الضروؤي ان يكون هناك من يحفظها لنا.ولا يمكن ان يكون هذا سوى كائن لا نستطيع فهم كلماته”[9].والموت ينتمي الى حياتنا, ولكثرة انشغالاتنا بعبث الحياة, نسيناه, والكائن الذي ياتي من خارج وجودنا الحقيقي, يحفظ لنا هذه الحقيقة, يذكرنا به , ولانفهمه لسبب بسيط وهو اننا في حالة الالتقاء به نكون امواتا.. انها لشعرية خالصة بحق.

حسنا اذن ها قد توصلنا الى نقطة الالتقاء مع الحقيقة, _ لا بمعناها العام والذي يقول بانها ” حركة ذهاب واياب بين الذين يقولونها, (التناوب بين الذوات).”[10], بل بالمعنى الذاتي للكلمة.

“منك انت تعلمت, كيف اصبح غريبا.. بلاعنوان ولاوطن
ها اناذا.. أتيتك
اين انت”

بعدما تلقينا تلك الاشارات من الحقيقة, بات من الواضح ما المراد من هذه الصورة المشتتة, لتعضيد محاولاتنا هذه لتحلـيل ذلك الدال..نشير الى دلالة التــعـلم من الموت، والذي يزيد من الغـربة ويجعــل الانسان بلا مـأوى ومـــن ثم

نكرةً “لاوطن ولاعنوان”.

لاحظوا معي هذه الصورة الصريحة والكاشفة, قمتُ بترتيبها مرةًَ اخرى، لانها كانت مبعثرة في النص, لم اقتبس الكلمات، وانما حاولتُ ان أجد تلك الصور التي تناثرت على القصيدة و جمعتها لكي تلحق كل صورة بأختها المكملة لها:

ـــ من بعيد..ابعد من الوجود
بل ابعد من العدم
صوت يناديني..لا افهمه
ـــ اقترب الاف الخطوات من الانتهاء والعدم.
ـــ متى ستنتهي
ـــ ايها الضيف الآتي من وراء العصور والازمان.
ـــ طرق ..على بابي
لا اسأل من الطارق..من تكون
غمامة سوداء تغطي ناظري
داخل جلدي.. اختفي واضيع.

سبق وان قلنا بان الحقيقة هي الذات الانسانية, وبطبيعتها تتجه نحو الموت..فهنا تطرح هذه القصيدة ومن خلال القلق الوجودي “غياب الذات”، التي تكمن في الحقيقة.. ونظراً لطبيعة الموت من حيث انه اخر امكان لوجود الذات, ولن تتكرر الحياة بعده مجدداًَ, هذا الادراك او الشعور يفرض نوعا من النهليستية, وتخلو الحياة من الابديةِ بالنسبة له في ذاته,ومن هنا يدرك الانسان وجوده المؤقت في الحياة, وتبدأ نظرته التشاؤمية.ويشعر بأنه غريب و _ ليس في بيته _ . ” ان وجودنا قد القي به رمياً داخل هذا العالم, وهذا بالتحديد منبع شعورنا بالوحدة. وكون الانسان وحيدا في العالم فان عليه ان يواجه مصيره الذي يفرضه عليه وجوده ذاته وان يضع على كتفه مسؤولية فهم موقفه الوجودي الذي لا يمكن تحويله الى الغير.”[11]

اذن يمكن القول بان كافة الاشعاعات تتجه صوب _ الموت, العبث, القلق, الخوف والرعب من المجهول_ وبهذا تتضح معالم القصيدة اكثر من ذي قبل.

ان تلك التوترات التي مرت بها المفردات والصور، تفسح المجال لتبعثر صور الموت تحت ضغط مفرط, وذلك الضغط هو قلق الشاعر تجاه وجوده, تجاه تلك المسؤولية التي تقع على عاتقه, وهو وحيد, هذه الوحدة التي يعيش فيها ومعها المرء, يجره لتاويل وتفسير وجوده, ويصطدم بعبثه, وتجعل صورة الموت ارقى صور الحياة, لذا فمن الممكن عزل تلك الصور الخمس التي ميّزتها, لتصاغ من جديد وتخلق منها قصيدة جديدة, بعنوان “الموت” .

يستعين النص بالاسئلة, للحصول على اجوبة مقنعة لجدوى الوجودفي العالم, فان الانسان بطبعه كائن متساءل ولديه حب الاطلاع على الاشياء, ليقلل من آلامه, نجد ان هناك 25 سؤالا جوهريا, بحيث نستطيع ان نقف عند كل واحد منها, ولكن لكي لايتكرر التشابه بين المدلولات, سنكتفي ببعض الاسئلة ونرى ماهي قدرة المعاني الداخلة في طيات تلك الاسئلة.

في الفلسفات اللآيدياليستية, لايشكّل الموت اي تحول على الروح فهي تبقى ولن يطرأ عليها التغير اما الجسد فهو الذي يتغير, يشيخ ويموت ويدفن. اقتبس النص هذه القناعة من المثاليات ويطرحها هنا..ان الدلالات المؤاتية في العموم تناقض هذه الفكرة, لكن يمكننا القول بأن ذلك الاقتباس أتى لتزين النص ولاغراض جمالية محضة, من العموم لا نلمس شيئاً من هذا القبيل, كل ما تطرحه القصيدة هو تفاهة الحياة وعبثها, ووصف الموت بانه يشكل الحدود النهائية للوجود الانساني..وطبقا لما جاءت في الاسطورة بأن الانسان يرى و يعي ما يحدث بجانبه في موته, تقول القصيدة :

ـــ حارت الملآئكة في امرها(…)
لاتدري هل آن لها ان تغفو! ام ليس لها ان تنام

ان المعنى العام لهذه الصورة يتبين بالصور التي تأتي بعدها, وهو نفس الاعتقاد الميتافيزيكي بان الملائكة آتت لتنفيذ مهمة ألا وهي جلب الأمانة من شخص ما, أي روحه, والملآئكة تنتظر الميعاد المحدد لها, لذا فهن في قلق وحيرة :

ـــ يجتازني, اربعة .. كحزمة لهيب,
يحملون نعشاً!
ترى نعش من يكون(…)
شبح اراه على قبر مجهول
شبح من يكون!؟
هاهو ذا يفتح لي ذراعيه, يناديني.

وسؤال آخر تطرحه القصيدة هذه المرة, وهو أكثر جوهرية من عموم الاسئلة التي طرحت فيها.. وهو سؤال فلسفي محض ذو علاقة بوجودنا الفعلي خلال الفترة الزمنية في الحياة.. يشبّه النص الانسان بالقطيع, ويشبه العدم بالهاوية..والمسألة هنا حدث الموت, ويتسائل:

ــ لا احد منا يدرك,الى اية هاوية مميتة
تدفع بهذا القطيع المتهالك !؟

حسنا! و كما يقول _ عمانوئيل ليفيناس__”ان الموت رسول لذلك الحدث الذي فيه ليس للفاعل اية سلطة عليه، حدث بمجرد الترابط معه, يزال فاعلية الفاعل.”[12], فان النص من هنا وقبل البدء بالترابط استسلم من جانبه لحركة القافلة المجنونة المرعبة التي تسير نحو العدم. بدء بالتجريد ويلقى بسلطته الحياتية خارج ارادته وينتظر النهاية..فهو قد تخلى عن الحياة بالمعنى الاصح , و أفدى روحه للحقيقة التي عرفناها سابقا. ولكن هل ان هذا التسليم اعتباطي و عفوي؟ ام انه قد جاء بعد صراع مرير مع العدم؟ هل العدم مارد ضخم, ام هو طاعون:

ــ وباء الطاعون يأتي..
ببطء شديد يتلوى, زاحفاً على بطنه.. يكتسحنا؟

للاجابة على هذه الاسئلة, نربط هذه الصورة بصور اكثر استسلامية و مشحونة بالخوف والرعب من صورة العدم.. وهذه حالة طبيعية و تفكير سليم من شخص وجودي يتامل في كينونته, وينظر الى نفسه ككائن موجود في العالم الذي يراه غريباً عليه, ولايحس ابدا بالطمانينة تجاهه:

ــ من بعيد ..ابعد من الوجود
بل ابعد من العدم , صوت يناديني.
احاول كل جهدي ..ولكن عبثاً لا افهمه.
الطاعون العدم يقلب الدنيا رأساً على عقب
ماذا جرى, اي داء تحمله لي(..حتى..)اي بلاء تحمل في طياتها.
تحسبني مذعور منك
انا لا اعرف ما انت ومن تكون.
مارد, بكف ثقيلة, اعور عينه.
انا هزيل ..انا منهك من التعب

اذن فهذه الصور هي من اهم محاور القصيدة وابرزها, مليئة بالخوف والاضطراب, يقول كارل ياسبرز”الجديد في هذا العصر هو ان الانسان اصبح على وعي بالوجود ككل, وعلى وعي بذاته وحدوده. ولقد مر بتجربة الرعب في العالم, وتجربة الاحساس بعجزه. وطرح تساؤلات جذرية, وعندما اصبح امام الفراغ وجها لوجه كافح من اجل التحرر والخلاص.”[13] نستنتج بعد كل هذا بان هذه القصيدة هي هروب من (عالم) لا حول لنا فيه ولا قوة, نحن فيه منهزمون ومنهكون من التعب وعاجزون عن الأداء..

ـــ مستسلم انا.. بانتظار كف ثقيلة..
تنهال علي.. كالبرق, كالبلاء.. تحيلني حطاما, لحظة تشاء!!

ذهب هينري فرانكفورت واصفا اختلاف المزاج بين شعبي بلاد الرافدين و بلاد النيل على النحو التالي:

ان الشعور بعدم الامان وبضعف الانسان, وهو شعور يتغلغل في كل ظاهرة من ظواهر حضارة ما بين النهرين لم يكن له وجود في مصر.“[14].. مع انني لا اؤمن بمطلقية التعميمات, ولكنني ارى نفسي منجذبا الى هذا التحليل.. على اية حال, فأن البلاء او المارد ذو الكف الثقيل اوالموت, هو كما يبدو من القصيدة الغاية النهائية, والارضية خلت من اية فعالية اخرى.. بالاحرى ان هذه القصيدة لها صفة تحاورية, وابعادها محددة ضمن نطاق ما يراد ان ترمز اليها.

كلما نقرأ نصاً من جديد تكشفت لنا افاقا جديدة للقراة, اذ يتحقق العلاقة التفاعلية بين الطرفين النص, القارئ بحسب كادامير ” ان العلاقة بين النص والمتلقي، علاقة تفاعلية، هي مبادلة الاسئلة والاجوبة, ينتج المعنى بالسؤال والجواب المستمر, وليس بالبحث وراء قصدية المؤلف”.[15]تعطي القصيدة اسئلة مباشرة نحو موضوعها هي, اما السؤال الذي يطرح للخارج فهو نفس السؤال الانطولوجي لارسطو” ما الوجود؟”

يجرف هذا السؤال بنا الى الهوية الآنية , لذا سأستخلص جوابه من ذات القصيدة بتوجيه نفس السؤال اليها مرة اخرى..فقد لاحظنا بان روحية الاستسلام قد طافت من جسد النص, والقدرة على البقاء في الزمان او العالم باتت ضئيلة, لذا فان سلطة مفردات النص تتجه بنا صوب الموت, أليس هذا بعينه المنطق و التحليل الوجودي لدى سارتر وهايدكــــر, لقد”كان هايدكر يرى أن الوجود الاصيل صوب الموت هو الاساس الخفي لتاريخية الآنية. وفي راي ريكور ان هايدكر يخطئ حين يجرد الوجود عن بعده الاجتماعي.لقد اكتفى هايدكر من الزمانية ببعد واحد هو تصورها وجوداً – نحو- الموت. والحال ان الوجود الاصيل هو الوجود مع الاخرين وبهم ومن خلالهم(…) الزمن السردي في النص و وخارجه ايضا, هو زمن الوجود – مع – الآخرين .”[16]سواء كان الوجود فردياً (يلاقي الفرد مصيره بمفرده ) بانه هو الاصيل ام مع الاخرين , هو الاصيل, لا فرق بينهما بالنسبة لبحثنا لانه يلاقي نفس المصير وهو الهاوية ..يتحقق النص من مصير القطيع, ويدخل بهذا السياق في تحليل الوجود من خلال التحقق من مصير الفرد, ويقول:

ايها الضيف الآتي من وراء العصور والازمان
انك (…) لم تتغير.

أنه الضيف الذي لن يتغير ابداً..له الحضور المستمر في التأريخ وهو كما هو لن يتغير، هو بعينه _ الموت _ منذ القدم وهو ثقيل و بطئ و مارد بكف ٍ ثقـيل, يحصد انواع الانس, ونحن كسامعين له, نعرفه, نكاد نقول انه اقرب من ذواتنا مِنّا.

نحن نعرف ان العقل والقلب اذا اصابهما مكروه, فان الحياة هي قد اصابها مكروه, وان الموت قد يكون تم, بالسيطرة عليهما وايقافهما..فاذن ماهي تلك الحقيقة التي تدخل كالرعشة في القلب والعقل؟

ايتها الحقيقة.. كالرعشة.. ادخلي عقلي و قلبي

“رعش: رجف واخذته الرعدة او ارعده.”[17]و نحن نتخيل رعد الموت و ارتجاف العقل والقلب, باعتبارهما المركز الرئيس لتوليد الحياة, على الاقل هكذا عرفنا الموت.. واذ تحقق ذلك, فليس بذي بال بعدئذ الصلة بالوجود والاشياء.. لذا من الطبيعي ان تتبعثر الاشياء, ويختلط الزمن و يفقد ماضيه و حاضره ومستقبله، وتتقلب الاشياء رأساًُ على عقب.. بمجرد حدوثه يتوقف التاريخ وتصبح المدينة والناس والعالم لاشئ..انه الطاعون الآتي من وراء العصور والأزمان والضيف ذو الجثة اللزجة, انها الحقيقة .

بماذا تريد القصيدة ان تتفاعل معنا ؟. انها خارج الزمن, هل تريد ان تعطي لنا صورة الموت بعد ما جربتها؟, فزمن القصيدة هي الساعة الخامسة والعشرون اي بعد ساعة من الزمن . انها تروي لنا كل هذا الوغى بثانية واحدة, يعني كل هذا حدث في ثانية واحدة, يا ترى كم تساوي الساعة من الزمن الاصيل؟ أهي تحسب بالسنة الضوئية, أَم انها حلم عادي؟

انها الساعة الخامسة والعشرون وثانية واحدة فقط
يا ويلتي .. يا الهي..
وانا متوهم: ترى كم من الأزمنة قد مضت!؟

حسناً نحن توصلنا الى تجربة شخصية, اذا مضت ثانية واحدة على كل هذه الرواية, إذن نحن نحتسب الساعة ذهنياً على هذا المقياس:

قد كويتُ ثمانية وعشرون عاما من عمري

فالساعة تساوي 28 عاما من العمر, اي اندمجت حادثتي الميلاد والموت معاً.. بحيث اصبح المرء بانتظارهما علىالدوام,واستغرقت المدة العمر كله,وهو يرى الموت ” بوصفه الجذر الأصم للوجود البشري, والبرهان النهائي على عبث كل من الناس والكون, فكامي وسارتر يصران, مثل هايدكر تماماً, على الحاجة الى مواجهة الموت بوصفه حقيقة واقعة, لكن هذه الحقيقة هي التي تظهر الاشياء كلها في نهاية المطاف متساوية ولا اهمية لها.”[18]و في النص يبرز يأس مزمن يحدد العلاقات و صياح يدحض الكوجيتو الديكارتي – انا افكر, فإذن انا موجود – ويقول ( انا موجود, إذن انا انتظر الموت ):

يكتسحنا الطاعون
مشوهاً كل التقاويم و وجه التاريخ
(يضع هذا مكان ذاك
يتلاعب بمصائرهم و افكارهم ما بين كفيه)
يخلط ما بين الفصول
ومثل كلب مسعور ينهش جسد الحاضر
يحيل الشهر ثلاثة ايام او اربعة
الاسبوع: ثانيتان
اللحظة: قرنان
غدا هو البارحة
والآن هو الماضي.
يقلب الدنيا راساً على عقب

هذا هو منطق القصيدة..هذه الأحاسيس تدل على ان الشاعر يشعر بأن العالم يوجد من اجله, وتقول القصيدة : انا موجود والعالم موجود من اجلي وبسقوطي تسقط الاشياء والناس والكون .. واخيراً لابد من القول بان المقطع الثاني عشر اي الاخير, هو الجزء الممل و الزائد في النص, حيث رسمت لتسد الأبواب بوجه المغالطات اللاشعورية, ولكي يقول ها انني قد انتهيت, مثلما رمى بي للوجود, ها قد خرجتُ تواً.


ملاحظات جانبية:

1 ـــ كنتُ طالبا في القانون سنة 1990، عندما قرأت هذه القصيدة, وكتبتُ بحثاً باللغة الكردية, لكنه لم ينشر, في حينه و اكتفيت بقرائته فقط في ندوة داخل الكلية.. اما في هذه المرة فقد قرأتها باللغة العربية وكتبت عنها باللغة العربية و ذلك بهدف ايصالها الى الثقافة العربية التي منحتني الجزء الاكبر من معرفتي.

2 ــــفي يوم ما من عام 1978هاجمت قوات الامن في ( حيدرخانة ) في بغداد غرفة الشاعر بةهات قةرةداخي وضربوه بوحشية وذلك بعد يوم واحد من اطلاق سراحه من المعتقل, كتب الشاعر هذه القصيدة بعد تلك الحادثة…وكان من كوادر الحزب الشيوعي العراقي …

3 ـــــ اود الاشارة هنا بان للشاعر مجموعة شعرية باللغة الكوردية عنوانها _ الهذيان _ صدرت في عام 1984 و له العديد من الكتابات النقدية في مجالات الأدب والفكر والأعلام . وهو الآن اعلامي وصحفي حر , ويعمل مدرسا في قسم الصحافة في معهد السليمانية التقني . وهو من مواليد 1958 .


هوامـش
[1] ـ بول ريكور- الوجود والزمان والسرد- ترجمة سعيد الغانمي – المركز الثقافي العربي- دار البيضاء – 1999 – ص82
[2] امبرتو ايكو –التأويل بين السيميائيات والتفكيكية-ترجمة سعيد بنكراد –المركز الثقافي العربي-الدار البيضاء- -2000 – ص 43.
[3] ـالمصدر نفسه –ص 33.
[4] -ناظم عودة خضر- الأصول المعرفية لنظرية التلقي- دار الشروق للنشر والتوزيع- عمان,الاردن- 1997 – ص144 .
[5] جون ماكواري- الوجوديةت:د. امام عبدالفتاح امام سلسلة عالم المعرفةالكويت-1982ص 199_ ترجمه للكوردية: ئازاد برزنجي بالمقارنة مع الترجمة الفارسية.
[6] د. محمد كمال بوونء داهيَنان, الوجود والابداعدار سردم للطباعة والنشرالعراق سليمانية_ 2004 ص 157, 158 باللغة الكوردية.
[7] فريتيوف برانت ـــ كيركجارد ـــ ت ـــ مجاهد عبدامنعم مجاهد ــالمؤسسة العربية للدراسات والنشر ــ بيروت ــ 1981 ــ ص 105 .
ــ ثؤل ستراتيَرن ــ اشنايي با كيركيطور ــ على جواد زادة ــ الترجمة الكوردية ــ ئازاد بةرزنجى ــ دار سردم للطباعة والنشر ــ العراق, سليمانية 2003 ص66 .
[8] مارتين هايدطر ــ أصل العمل الفني ــ ترجمة د. أبوالعيد دودو ــ منشورات الجمل ــ كولونيا ــ 2003 ص 129, 157 .
[9] امبرتو ايكو ــ المصدر نفسه ص31 .
[10] جان ماري اوزياس ــ البنيوية ــ ترجمة: ميخائيل ابراهيم مخول ــ وزارة الثقافة والارشاد القومي , سوريا ــ ص 176.
[11] بول ريكورـــ مجلة مسارات ـــ عدد 1الرابع, السنة الاولىــ 2006 ــ عن مقال لـ”زيوس ليوناردوــ ت/ علي سعيد ــ ص46
[12] ــ رامين جيهانبَكلوــ مؤديَرنةكان ــ الحداثويون ــ ترجمه من الفارسية ــ ئازاد بةرزنجى ــ باللغة الكوردية ــ سليمانية ــ العراق ــ ص 144
[13]ــ جون ماكواري ــ الوجودية ــ المصدر نفسه ــ ص50 .
[14] المصدر نفسه ــ ص51.
[15] ــ عن ــ لة نوسةرةوة بؤ دةق, لةدةقةوة بؤ خويَندنةوة , من المؤلف الى النص ومن النص الى القراءة ــ عبدالله طاهر البرزنجي ــ مجلة طةلاويَذى نوآ, باللغة الكوردية ــ العدد 15 .
[16] ــ سعيد الغانمي ــ مقدمة الوجود و الزمان والسرد ــ ثول ريكورــ المصدر نفسه ص 29 .
[17] المنجد ــ الطبعة 22 ــ سنة 86 ــ ص 267
[18] ــ جون ماكواري ــ الوجودية ــ المصدر نفسه ــ ص287.


ملحــق:
الساعة الخامسة والعشرون1

قصيدة للشاعر الكوردي :
ترجمها الشاعر


به هات حسيب قه ره داخي
أيتها الحقيقة !
علمتيني كيف آتي اليك …
دخيلك اين انت !؟
ايتها الحقيقة !
منك انت تعلمت , كيف اصبح غريبا .. لاعنوان ولا وطن !
ها اناذا … اتيتك ..
فديتك روحي .. دخيلك اين انت !؟


حين يهبط الليل في مدينتي…
تمطر السماء قطرانا ,
فترى رايات الناس الخفاقة نهارا
تنحني .. وتنكسر ..
تارة يلفّ بها المارد الأعور ذيله
واخرى يدس بها مناخيره …
ثم يفتح عينه الأعور !
وباء الطاعون ياْتي …
ببطء شديد يتلوّى , زاحفا على بطنه … يكتسحنا !


كلّما هبط الليل
وحارت الملآئكة في امرها ….
مترددة .. ذاهبة .. عائدة ..
لاتدري , هل آن لها ان تغفو ! ام ليس لها ان تنام !؟
حينها .. يجتازني , اربعة .. كحزمة لهيب ,
يحملون نعشا !

  • ترى نعش من يكون !؟
    من بعيد .. ابعد من الوجود ..
    بل ابعد من العدم ,
    صوت يناديني ……
    لا أفهمه !
  • ترى صوت من يكون !؟
    شبح , أراه على قبر مجهول .. ينتحب
  • ترى من يكون !؟
    هاهو ذا يفتح لي ذراعيه , يناديني ..
    احاول كل جهدي .. ولكن عبثا لا افهمه !
    خطوة خطوتان …
    الف خطوة … انه لأبعد من البعيد ….
    لايمكن الوصول اليه ابدا ..!!
    ترى اهو كابوس ام حقيقة !؟
    لا أدري ..
    لو كان حلما .. كابوسا
    فلينزاح عن صدري ..
    والاّ .. فلأصل اليه ولو للحظة !!

الطاعون
بجثته اللزجة الثقيلة ,
يكتسحنا ..
يختم مداخل المدينة ومخارجها …
يضع قفلا حول عجلة التاْريخ !
ببطء شديد يكتسحنا
بطء تفيض معه القلوب زبدا !
نحو المدينة و قلبها هو آت … يتدافع ,
يقلب الدنيا رأسا على عقب ,
يضع ( هذا ) مكان ( ذاك )
يتلاعب بمصائرهم و افكارهم ما بين كفيه ,
يلهو بها مابين فخذيه !
مقهقها .. مستهزءا .. مستهترا ..


يكتسحنا الطاعون ,
مشوها كل التقاويم و وجه التأريخ .
يخلط مابين الفصول .
ومثل كلب مسعور ينهش جسد الحاضر .
يحيل الشهر ثلاثة أو اربعة ايام
الأسبوع : ثانيتان
اللحظة : قرنان !
غدا هو البارحة ..
والآن هو الماضي !!


هاقد هبط الليل ,
والسواد بدأ يهطل بغزارة ..
هاهي القافلة المنهكة المهزومة
على طرقات الضياع والتيهان ,
تواصل المسير !
وهاهي تقترب آلاف الخطوات من الأنتهاء والعدم !
لاأحد يدري ..
الى متى تضل هذه القافلة المجنونة المرعبة سائرة !؟
لاأحد يدري ..
بأية صورة , والى م ستنتهي هذه الملحمة المليئة بألأسرار والكوارث !؟
الرحلة مرعبة ..
لاأحد منّا يفهم , اين ولم وحتى م .. هي سائرة …؟
لاأحد منّا يدرك , الى ايّة هاوية مميتة ..
تدفع بهذا القطيع المتهالك …!؟
لاأحد يدري ,
متى ستنهي , وسط دخان كثيف , وجودها !!


انها الساعة الخامسة والعشرون تماما ….
من بعيد .. أراك ,
متجها صوب غرفتي ..
ماذا جرى ..؟ لم انت متشح بالسواد !
تجرّ خطواتك الثقيلة في صمت و سكون رهيب !
لا اسمع لها وقعا ولا رنين !
أي داء تحمله لي داخل اللفافة التي تتأبطها ..!؟
اعلنها …
ظلال اية كارثة تسحب خلفها , اطلالتك المشؤمة هذه ..؟
أي سؤال قاتل ..
أي جواب اخرق ..
أي بلآء … تحمل في طياتها ..!؟


اقرع الأجراس ..
أقرع !!
فأنا رجل غاضب منكسر
منذ ازمان وأنا ابحث عن سوح الوغى !!
أقرع الأجراس .. أقرع !
فلتزال الحدود مابين الصدى والرؤى ..
نحوك … أت
تنسحب .
نحوي تأتي ..
انسحب .
كلانا يختبىْ في زاوية متأهبا …
في غابة من الكلمات والشتائم , نتوه عن بعضنا ,
حالنا كحال البدر المنير و الكلاب !
كالنوم العميق … و صياح الفجر !
تأهب في مخبأك … تأهب !
أنا احسب انك خائف مني ,
وتحسبني مذعور منك ..
تأهب في مخبأك … تأهب !
صحيح انا لا اعرف ما انت ومن تكون !
لكنك لاتعرف ما انا ومن اكون …!


انها الساعة الخامسة والعشرون و ثانية واحدة فقط !!
ياويلتي … ياالهي ..
وانا متوهم : ترى كم من الأزمنة قد مضت !؟
ايها الضيف الآتي من وراء العصور و ألأزمان ..
كم انت ثقيل وكم انت بطىء !
قد كويت ثمانية وعشرون عاما من عمري وطويتها ..
لكنك لازلت كما كنت ..لم تتغير ,
مارد , بكف ثقيلة .. اعور عينه !!


صوبك اهجم .. لاتنسحب !
صوبي تهجم ..
صوب دنيا الأنكسار و الدخّان والدّماء انسحب !
رأسي يزداد هياجا و تثاقلا …
اتقياْ .. اترنح .. فأسقط جانبا …
رأسي يتدلى ..وقبل أن يتدحرج الى ماتحت قدميّ ,
اتشبث به بركبتيّ !
واخيرا اشعل سيجارتي ……….
ماهي الاّ برهة :

  • طبطب !! طبطب !!
    طرق .. على بابي .. مرعب !
    لاأسأل من الطارق , من تكون ..
    غمامة سوداء تغطي ناظري ّ ..
    داخل جلدي .. اختفي و اضيع .
    اتلوى .. تحت سياط الرعب .. واتكوّم !
    كلّما قرقر الباب العتيق مرّة ..
    كلّما تهشمّمت اضلعي .. مائة مرّة !!
  • أنا هزيل .. انا منهك من التعب !!
    مستسلم أنا .. بأنتظار كفّ ثقيلة ..
    تنهال عليّ .. كالبرق كالبلاء ..تحيلني حطاما , لحظة تشاء !!
    أو ربما قطعة موسى مستعملة ..
    تقطّعني ..اربا .. اربا !!

في هذا الزمن الخراب
وهذا البلد الخراب …
ايتها الحقيقة .. كالرعشة .. ادخلي عقلي وقلبي !
فمنذ ان تهت عنك وتهت عني ..
اصبحت شهيدا , لا عنوان لي و لا تراب ..!


ايتها الحقيقة .. دخيلك .. اين انت !؟
قد ادمى عقلي و قلبي , من طول البحث عنك !
ايتها الحقيقة .. دخيلك اين انت !؟
ليت غيابك ليس الاّ .. كابوسا ..
ليت .. هذه الليلة المتشحة بالسواد ,
ليست الاّ .. بحرا من انوارك ! .

**

1 كتبت مابين عامي 1978 و 1986 في بغداد والسليمانية

نشر في 11/02/2007 8:40:00

‫0 تعليق