شعيب حليفي: سجلات الشوق

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

يتأطر نص “المدارج” بجزأيه ضمن الأشكال السردية الباحثة عن بناء شهادة وسط السرود المغربية، شهادة تنطلق من وعي خاص بمبحثي الجماليات والعشق الصوفي، فتتنازع النص الروائي حالتان من التجريب في موضوع ممتد لقضايا واحدة ، تمت مقاربتهما في (مدارج الليلة الموعودة) و(مدارج الليلة البيضاء)، وهو اشتغال اتخذ نفس المسار.. وإن كان الجزء الثاني قد اتخذ من الجزء الأول مرجعا حاضرا وبشكل صريح، مثلما كان الجزء الأول يتضمن الجزء الثاني كمرجع قادم له.

إنها تجربة تحتضن يقينها الوحيد واحتمالاتها الشتى، كما تمتلك مرجعيتها وخطابها وطريقة تصريف صوتها وأيضا صيغ إنصاتها وتأملها للعلامات والمستويات، مما يعطي يجعل الصور في نسق يغذي التخييل ويبلور أفق الكتابة.
في المدارج، هناك التصادي العنيف للأشياء والكلمات والمرجعيات حيث انفتاح الحكاية من نقطة مضيئة وضيقة إلى تيه موسع بحثا عن الإدراك الذي يتجاوز به الراوي، قواعد الواقع اللامدرك.
من ثمة، كانت الذات هي المدخل الأثير للمدارج وخطابها عبر التمرد على اليقين الوحيد والمشتت في أشياء وعناصر كثيرة داخل الحياة.
في المدارج أيضا يفتح الروائي، منذ البداية بابا وهميا عامرا بالتخييل، يورط فيه الحكاية والقارئ عبر تعبيرات توظف نظاما حكائيا، سرودا وأوصافا، تشريحية، عمودية، ملغمة بأسئلة وظيفية متنوعة تضيء أنواع الخطابات المتجاورة بين الديني والصوفي والأدبي والأسطوري والشخصي… بقصد خلق معرفة معينة ومعنى فلسفيا حول الوجود والحياة وباقي المصائر.
وقد تغيا الراوي، وخلفه المؤلف، تأثيث المدارج بمجموعة من العناصر التي شكلت محركا للحكاية ولبناء الأخيلة والمرايا الجامعة لمتناقضات ضرورية.

*السرد الاستكشافي:
هو السرد الاستكشافي المتدرج عبر المقامات والمستويات في إطار المدارج وعلاقتها بما هو روحي للوصول إلى الجسداني.
إن الراوي في المدارج هو في بحث جذري عن الحقائق داخل الأوهام، حينا، وعن الأوهام داخل اليقينيات، شأن بحثه عن الجمال، حينا آخر، ويعزز هذا البحث، الحكي بضمير المتكلم وقدرته على تحرير السرد من سلطة الغياب إلى تأكيد سلطة التذويت، من خلال مبدأ التمثل الذي يبني المدارج بشكل قوي من أجل تثبيت رؤية للعالم تمر عبر الذات. وبالتالي فإن السرد الاستكشافي هو صيغة للتعرف على الذات متخذا صيغة الانسياب واستدراج المتلقي عبر أفعال حكائية :
“سارت بي أياما دون أن تتوقف وكنت خلالها أنام بعين واحدة كالذئب. انتبهت، فكانت أصوات الرعاة ونباح الكلاب وغثاء الخرفان قد انقطعت نهائيا، مددت يدي إلى الشواري الموجودة على ظهر مطيتي، وأكلت بعض حبات الزيتون المر، كان له وقع المنبه على جسدي، جلت ببصري في الآفاق، فرأيت الجبال الجرداء وبعض النباتات الغريبة التي تقاوم الريح في قلق وجودي ظاهر” (ص77ج 2).
يتحول السرد إلى عمليات حفرية عن خطابات فيها الاستيهامي والعجائبي، والتماثلي، وهنا تبرز قوة الأداة السردية في يد الراوي الذي يرسم في لحظة واحدة واقعا أولا وواقعا ثانيا، وذلك رهان من أجل تعديد الصورة وتعجيبها لغاية السيطرة عليها.
ويعتبر الجسد في المدارج تيمة دينامية لتحفيز السرد وتأكيد الحكي، كونه منبع الغواية والامتداد:
“أظن، كل مرة تعلق بي جسد عذري أنني أخدع. الجسد العذري هو مبتغاي الدائم، لكنني أظن أن منطلق الغواية كان الأم” (ص 13-ج 1)
وهو أيضا هنا، يشبه الكتابة التي يسعى عبرها ومن خلالها إلى التطهر، كذلك الجسد العذري البكر الذي يصبح ملاذا وعلامة على كينونة مفتقدة وهوية مشتركة.
وبين السرد والذات يتحقق الحكي عن الجسد والتعرف على العشق ونسائج العلاقات المتداخلة في الخيال والواقع بين وحدتي الشيخ والطفل من جهة، ثم بين علي ومريم من جهة ثانية، وما ينفرز عنهما من علاقات تؤسس لعنصر جديد هو المرآة والإدراك حيث يصبح التداخل تذاوتيا ويتحول الحلم من صيغة الالتباس إلى حلم في الآخر.
إن الراوي يشتغل بأدوات تحمل سمات وتعمل باقتصاد بحيث تعطي للوصف إمكانية التحول إلى صورة تساهم بدورها، في البناء إلى جانب اللغة التي لا تؤمن بالخطية أو بما هو ظاهري فتعمد إلى التموقع، احتماليا، حاملة لنواياها التي قد لا تتفق بالضرورة مع نوايا المتلقي، لكونها تعتمد طبقات اللاشعور وتبني خطاب التعدد.
كما إن الراوي يعطي للحوار فرصة مضاعفة الصوت وتجذير الأصوات الأخرى في وعي الحكاية، حتى أن بناء الحوارات في المدارج يسعى إلى الجمع بين الفكاهة السوداء والتعجيب في أفق البحث عن تلك المعرفة بالذات ومستتبعاتها.
” السلام عليكم يا ولدي “
رفعت بصري فرأيت شيخا هرما وكأنه قطعة صلصال.
-وعليكم السلام، لكنني لست ولدك.
أنسيت لغة بني جلدتك وأخلاقهم، إن من حق من يكبرك سنا أن يدعوك ولدي.
-من هم بنو جلدتي ؟ أي الحيوانات تقصد ؟
-أقصد البشر طبعا، ألست بشرا مثلي ؟
-أنا لست بشرا. هل أنت أعمى ؟
-لا. لست أعمى، ومن أي الفصائل الغريبة أنت ؟ إنك تتكلم لغتي على كل حال.
-وما هي لغتك أيها المخلوق الصلصالي الغريب ؟
-اللغة العربية الأصيلة، لغة أجدادي الذين صنعوا تاريخ البشرية جمعاء.
-إنني محتاج إلى النوم وأرى أنك محتاج إلى بعض الأكل حتى لا تستمر بعض عضلاتك في التآكل (ص97 ج2).
إن الراوي يعمد إلى تأسيس معرفة ملآى بالشك والافتراضات واللعب، تنتظم داخل التخييل الأدبي والفني في نص المدارج.

*المرجع:
تتمظهر السجلات المرجعية للأداة التأويلية باعتبار قيمة المرجع في المدارج وأهميته في تشكل النص واستدراج قضايا متقابلة ذات قدرة على خلق أنوية حكائية متوالدة.
ففضلا عن كون اللغة هي الأداة الحاملة لهذا المرجع فإن قدرتها تكمن في صهر لغات أخرى تحقق للتجربة حضورها مع أصوات السيرة والبيوغرافيا وأصوات استيهامية تقف على مرجع يحيل على المبدأ الصوفي والعنصر الجمالي، وهما معا (المبدأ أو العنصر) يقودان الخطاب إلى مستوى الترميز.
إن المرجع في المدارج تختزله، المقامات والحكايات في تشكلهما وتفاعلهما لإنتاج سياقات خطابية للإخبار والتأمل وصياغة مفاهيم وجودية وجمالية, خاصة بالذات : معرفتها وعلاقاتها. ويحتل مرجع المسار الرومانسي الحاضر بعنف باطني في شكلي العلاقة والاستيهام بعدا آخر يستولد مرجعيات ذاتية للمحنة والتيه، ومرجعيات متعلقة بالسرود الكلاسيكية تستدعي العجيب والمعرفي، وتغيب –بشكل أو بآخر- التاريخي والإيديولوجي، الذي طالما استحضرته وما زالت النصوص الروائية المغربية والعربية، وهو إشكال يفتح في المدارج سؤالا محرجا ويضع النص الفني أمام سلطة المصفاة التي حاولت إبداع نص فني متحرر من التاريخ والإيديولوجيا ومقيد بهذا الإقصاء.

يلتفت النص في بناء مرجعيته إلى المرآة، جماليا وتقنيا، لتغذية سؤال العلاقة بين الشخصيات أو الأقنعة لاستيضاح حافز البوح بالعشق وما يترتب عن ذلك من مشاعر تتراوح بين الاندفاع والاستيهام وبين التأمل والهمود، بالرجوع إلى الذاكرة وقدرتها على التخيل والاندماج ثم التواصل والإدراك في حضور الظل وسلطته على الذات والخطاب :
“إننا نتصرف في حياتنا وكأن النسخة لا شأن لها. هب أن هذا الظل اختفى، ألا يكون شرطا من شروط وجودي ؟ وما سر هذا الارتباط الغريب الذي يسري بينه وبيني ؟ هل يدافع فقط عن وجوده لا أظن ذلك ! (ص 143-ج2).
إن نص المدارج بهذه الصيغة وهو يرصد سؤال العلاقة، يتعدد في علاقات الأجيال ببعضها : الذكورة بالأنوثة، الروح بالجسد، الذات والآخر، الماضي والحاضر، ثم الواقعي والحلمي… وهي أسئلة تختزل الأسئلة الجوهرية في مباحث الفلسفة.
هذا التركيب اللغوي الحواري في المدارج يصور المشاعر في تشكلها وانحلالها لتدمير المرجعيات واليقينيات ووجهات النظر وينضد الحوارات الكثيفة من الليلة الموعودة إلى الليلة البيضاء وما تخلقه من صدى الإحباط وآثار الأخيلة المثقلة بالتطلعات الروحانية.
كاتب وأستاذ جامعي من المغرب

[email protected]

*موليم العروسي : مدارج الليلة الموعودة، الدار البيضاء، 1993.
*موليم العروسي : مدارج الليلة البيضاء، الدار البيضاء، 1994.

نشر في 3/02/2007 1:40:00

‫0 تعليق

اترك تعليقاً