د.محمد الداهي: جمالية السرد النسائي لرشيدة بنمسعود

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

إن قراءة كتاب الناقدة رشيدة بنمسعود جمالية السرد النسائي (
[1]) يقتضي وضعه في علاقته بكتابها السابق المرأة والكتابة([2])، الذي يعود إليه الفضل في إثارة انتباه النقاد العرب إلى الكتابة النسائية التي تضرب بجذورها في التراث العربي –الإسلامي ( مثال الشاعرة الخنساء)، وإعادة الاعتبار إليها بعد أن غالها النسيان لبواعث متعددة، وبيان ما تحفل به من سمات خاصة أملتها الظروف الاجتماعية التي عاشتها المرأة العربية، وهي تتوسل بمختلف الوسائل الممكنة لإثبات وجودها، والتعبير عن أهوائها وتطلعاتها ومواقفها.

ومن بين هذه الوسائل، إلى جانب مؤسسات المجتمع المدني والسياسي، الوسيلة الأدبية التي تتسع جغرافيتها السرية لاستيعاب مشاعر الأنثى وتصوراتها، والكشف عن مؤهلاتها اللغوية لإعادة بناء الواقع وفق رؤيتها الخاصة للعالم. إن تناول القضايا النسائية يعد من المواضيع الحرجة التي تفضي إلى الغلو والتعصب. ورغم ذلك قاربتها رشيدة بنمسعود بهدوء منهجي وعمق نضالي وموضوعية علمية. وهذا ما أكده د. سعيد يقطين ” وبعيدا عن التشنج واصطناع الحروب الوهمية والمغالاة، كما يحدث عادة في تناول القضايا الشائكة في ثقافتنا، والتي تحفز أكثر على السجال، وعلى رأسها قضية المرأة، تتوسل رشيدة بنمسعود بالهدوء المنهجي، والعمق النضالي، والموضوعية العلمية. وكل هذه السمات أعطت لمقاربتها طابع الجدية في الرؤية، والعمق في التناول”([3])

ولا يمكن أن نقدر جهد رشيدة بنمسعود، بوصفها رائدة في مقاربة الكتابة النسائية، إلا بوضعه في سياق ما عرفه النقد النسائي العربي من تراكمات تؤشر على اكتمال معالمه واتساع آفاقه. فبعد صدور كتابها المرأة والكتابة ظهرت كتب([4]) ونوقشت أطاريح([5]) تنصب أساسا على متن مكون من كتابات نسائية بهدف إبراز خصائصها البنائية والموضوعاتية، وبيان ما يميزها عن الكتابة الذكورية.

ورغم تمييز الناقدة رشيدة بنمسعود بين الكتابة النسائية والكتابة الذكورية، فهي لا تدعو إلى الفصل بينهما كما لو كانتا ظاهرتين مختلفتين في الوجود، وإنما تسعى إلى بيان الاختلاف بينهما داخل وحدة إبداعية مشتركة لمساءلة العالم، ومحاولة فهم أسراره، وفك ألغازه. وبين الفترة الفاصلة بين تاريخي إصدار الكتابين (1994-2006)، تزايد الاهتمام بالكتابة النسائية على مستوى النقد، والبحث والتأطير الجامعيين. وقد تزامن ذلك مع ارتفاع الأصوات النسائية المطالبة بحقوق المرأة، وتمتيعها بالتمييز الإيجابي لاستعادة ثقتها بنفسها، وضمان تمثيلتيها في المؤسسة البرلمانية، ومساهمتها في بناء المجتمع وتقدمه.

يأتي الكتاب الثاني ليتوج مجهود الناقدة رشيدة بنمسعود في ترسيخ الكتابة النسائية بوصفها أداة تسعف المرأة على التعبير عن همومها ومشاكلها، ومساءلة الوجود بأسئلة ناجمة عن وضعها الاعتباري داخل المجتمع. ويمكن أن يختزل المجهود النقدي لرشيدة بنمسعود في النقاط الآتية:

تأصيل النقد النسائي العربي أسوة بنظيره الغربي، وحفزه على بلورة لغة واصفة تمكنه من استكناه تضاريس الكتابة النسائية، وسبر أغوارها.

متابعة الكتابة النسائية التي مافتئت فروعها وشعابها تتنوع يوما بعد يوما، مشكلةً ظاهرة أدبية تستحق المساءلة والنقد المتواصلين، ومسهمةً في بروز أسماء نسائية جديدة وتألقها.

إبراز إسهامات المبدعات العربيات في تأسيس كتابة نسائية تحفل بسمات جمالية خاصة، وتأخذ موقعها المناسب شيئا فشيا داخل النسق الإبداعي العربي بصفة عامة.

كتبت الناقدة فصول الكتاب في فترات متباعدة، وهو ما أتاح لها إمكانات تجديد أدواتها وأسئلتها لتعميق النظر في الكتابة النسائية العربية، وتوسيع المتن ليشمل نصوصا سردية من مشرق العالم العربي ومغربه ( لبنان، فلسطين، الإمارات العربية المتحدة، الجزائر، المغرب). وما ظل متأصلا في طبعها ونحيزتها، رغم تغير الظروف والأحوال، هو إصرارها على تأصيل البحث في قضايا المرأة عموما، وخاصة ما يتعلق بالكتابة النسائية . وفي هذا الصدد، تضطر الناقدة ،في كل خطوة من خطواتها، إلى فتح نافذة لاستشراف بجرأة ما تتميز به الكتابة النسائية من خصوصيات. توسلت في كتابها الأول بأدوات منهجية مستلهمة من الشعرية وسميائية باريس لتأكيد الفرضية التي انطلقت منها وهي إثبات خصوصية الكتابة النسائية. واعتمدت في كتابها الثاني على مقاربة منهجية متكاملة ( سيميائية، وشعرية، وسردية) لبيان ما يحفل به السرد النسائي من أبعاد جمالية، واستجلاء كيف تؤثر الحساسية النسائية في إعادة بناء الواقع، وتشخيص اللغة.

يتكون الكتاب من تسعة فصول:

قاربت الناقدة عينتين من الروايات العربية( إحداهما الغد والغضب لخناثة بنونة وثانيتهما لونجة والغول لزهور ونيسي) مركزة على الموضوعة المركزية في كل عمل على حدة( موضوعة التحرر في رواية الغد والغضب، و موضوعة الثورة في رواية لونجة والغول).

سعت إلى مقاربة موضوعة الجسد في كليتها وشمولتيها ، ومن خلال تجلياتها المختلفة التي تتشخص أساسا في الجسد الفزيقي والجسد-الاستعارة.

قصدت من دراسة عينتين من القصة القصيرة في الإمارات العربية المتحدة( مجموعة ماء لمريم جمعة فرج، ومجموعة آثار على نافذة لفاطمة محمد) إبراز الدور التداولي للمناصات (Paratextes) في حفز القارئ على قراءة العمل الإبداعي وتوقع ما يتصمنه من وقائع وإيحاءات، و تحليل المحاور الدلالية (Axes sémantiques) المهيمنة التي تبين كيف تعاملت القاصتان مع الحساسية النسائية وشخصتاها فنيا وجماليا.

انصبت ، في تحليل رواية مذكرات امرأة غير واقعية لسحر خليفة، على دور العتبات في مخاطبة أفق انتظار القراء ، وبينت دور التأطير والتنضيد في دعم الأطروحة المركزية.

بعد أن فرغت من تحليل عتبات رواية عين المرآة لليانة بدر (العنوان، الإهداء ، الجملة الأولى) ، انكبت على تفكيك الموضوعة المركزية والعناصر البنائية البارزة ( المكان، والحكي المرآوي، والتهجين اللغوي..).

أُميط اللثام عن بعض الألاعيب السردية المتجلية في رواية ذاكرة الجسد لأحلام مستغانمي : على نحو اللعبتين التناصية المرآوية. وأُبرز دور دلالة أسماء الأعلام ووظائفها في إضاءة البرامج الحكائية .

بينت الناقدة القيمة التي يحظى بها المكان في قصص الكاتبة الفلسطينية ليانة بدر. فهو يمثل لبنة أساسية و يتسم بقيمة جمالية . ومن خلالهما ( أي اللبنة والقيمة) يمكن أن تُفهم مأساة الوجود الفلسطيني ، و تُستشف حساسية المرأة الفلسطينية المحبطة نفسيا بسبب اضطرارها إلى الترحال من مكان إلى آخر في انتظار أن يتحقق حلم العودة إلى البيت الكبير ( الوطن).

ركزت في مقاربتها لرواية عام الفيل لليلى أبو زيد على الموضوعات المركزية، وأكبت على فهم طبيعة العلاقة التي تجمع بين ” زهرة” وزوجها ” سي محمد” من خلال امتداداتها الوجودية والاجتماعية والإيديولوجية.

ركزت على الزمن في رواية نجوم أريحا لليانة بدر نظرا للمنزلة التي يحظى بها في قصصها ورواياتها. وبينت قيمته في خلخلة التسلسل الكرنولوجي( المفارقات الزمنيةAnachronies)، والتأشير على وقوع أزمات حاسمة وتحولات مفاجئة ( الكرنطوب Chronotope).

قصدت الناقدة، من دراسة مختلف مفردات المتن، استجلاء مكامن جمالية السرد النسائي. وهي، في مجملها، تتمثل فيما يلي:

  • جردت الناقدة الموضوعات المهيمنة مبينة الخلفيات والتوجهات العامة التي تتحكم فيها. وما يجمع بين عينات المتن هو حدة احتجاج الكاتبة العربية وثورتها، للفت انتباه مكونات المجتمع إلى وضعها الاعتباري، وحثه على إعادة الاعتبار إليها وإدماجها في الحياة الاجتماعية والسياسية.

يمكن، بعد تحقق تراكم في السرد النسائي، أن نستنتج النماذج الثقافية(Modèles culturels) التي تحتكم إليها المرأة في نقل أحاسيسها، والتعبير عن تطلعاتها، والتمرد على القوالب الذكورية(Stéréotypes masculins) التي تستخف بمنزلتها، وتنتقص من دورها الاجتماعي والسياسي.

تهتم الكاتبة العربية، على نحو كاتبات المعمور، بكتابة الجسد، وذلك لتحرير حواسها التي ظلت معطلة بسبب القمع الذكوري، ورد الاعتبار إلى جسدها الأنثوي لمعاودة النظر في التصورات التقليدية التي تنظر إلى الكتابة بالجسد من منظور أخلاقي ضيق.

تشخص الكاتبة العربية همومها الذاتية والاجتماعية بمميزات جمالية غير معتادة في الكتابة الذكورية، ومن ضمنها : اختيار موضوعات تلائم حساسيتها ورؤيتها إلى الوجود، والنزوع إلى ” تأنيث اللغة”، والبوح بأسرارها وتطلعاتها بعفوية وتلقائية، وتواتر المعجم الجسدي، واستعمال تراكيب ومفردات لغوية معينة…الخ.” إن كانت هذه السمات، وما يدور في فلكها، تؤكد الحق الطبيعي للمرأة في كتابة مختلفة، فهي لا تنزع عنها حقها كذلك في استلهام النماذج الفنية المشتركة للتعبير عن آمالها وآلامها. وهذا ما يمكن أن نلمس جوانب منه من خلال دراستنا للسرد النسائي العربي. فهو يحفل أيضا بالتقنيات السردية التي تتضمنها الكتابة الذكورية ( التناوب الحكائي، تداخل المستويات الحكائية، المفارقات الزمنية، اللاتشخيص L’anti-représentation، التهجين اللغوي، تعدد الأصوات، شعرنة اللغة” ص123

[1] – رشيدة بنمسعود، جمالية السرد النسائي، شركة النشر والتوزيع المدارس، الدار البيضاء، ط1، 2006. ( من تقديم الدكتور سعيد يقطين).
[2] -رشيدة بنمسعود، المرأة والكتابة، منشورات أفريقيا الشرق، الدار البيضاء، ط1، 1994( ط2، 2002).
[3] – سعيد يقطين، تقديم كتاب جمالية السرد النسائي، م.سا ص6.
[4] -نذكر على سبيل المثال:
-أمل التميمي: السيرة الذاتية النسائية في الأدب العربي المعاصر، المركز الثقافي العربي، ط1 ، 2005.

  • زهور كرام: السرد النسائي العربي مقاربة في المفهوم والخطاب، شركة النشر والتوزيع، المدارس، ط1، 2004.
    [5] -نذكر منها :السيرة الذاتية النسائية، تحليل نماذج” – أطروحة الدولة في الآداب – للطيفة لبصير، 2006، كلية الآداب-بنمسيك، الدارالبيضاء.

نشر في 15/02/2007 9:40:00

‫0 تعليق