رشيدة عدناوي: عراء لذيذ كالــــثمالة

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!


تجلس إلى مكتب بزاوية تغشاها العتمة الكثيفة، نقط تلاش تتقاطع وبصيص ضوء خافت يرسم غيوما من حبيبات ترقص على هامتها، وهي تقاوم رغبتها في التطهر مما يكتنف لواعجها من مكنونات… كم تود لفظها واعتصار لوثتها حتى الخلاص لكنه القلم الأرعن… بين السبابة و الإبهام شفير سواد يقاوم لعابه المنساب على البياض الفاضح. هو بين أناملها كتلة من لهب حارقة…

يلتاع القلم… يلتاع حد العطش، فلا تنثال أمطاره الملتفعة بالسواد، لإطفاء غلته و شغف ذاته…
وكلما تكلس اليراع وتجمد كحفرية، تترك المكتب… تترك رائحة العرعار تنبعث من خشبه التبغي… تترك نبتة [الكاكتوس] تتطلع إلى جنونها بأعين من عماء، لتعزف على وتر آخر أكثر غواية… تلبس بعض الهلاهيل وتمشي حافية إلا من عراء لذيذ كالثمالة ودغدغة لاذعة ككلام زوجها كل صبيحة. تروح… تغدو… تعجن بقدميها تربة الحديقة الندية تماما كما اعتادت أن تفعل في طفولتها بعيدا عن عيون أمها العمشاء. لم تكن تدري وهي تقترف هذه الغواية اللذيذة، لماذا تحضرها دوما صورة أشخاص يخوضون في الأرض بأقدام عارية؟ أقدامهم الدامية تمتزج بذرات الزجاج المعجون تحت مين أجساد رقصها جذبات كرماح ارض-جوية متكررة بنشوة العود على البدء… البدء على العود حد الإرغاء و الإزباد… بينا أكف [سادي] واذرع [ماشوس] يرقصون وترقص… يرقصون و يرقصون… وترقص وترقص ويرقصون…
لحظة يقفز إلى مخيلتها [القجنة] برأسه الأصلع المفلطح و وجهه الكلثوم، يمسك بكلتا يديه ساطورا. يرفع القجنة ساطوره في الهواء فترتجف الأجساد تطهيرا أو تلذذا لمنظر النجيع الأرجواني الفائر على مجاري الرأس باتجاه مهاوي الأذنين والقفا… و يعاود رجته على الأرض القاحلة و شْتْفـْفـْــفْ… تلك التي يرددها على ما جاور قدميه من أنقاع و أتربة… يرقص القجنة متلذذا دفق الدماء وهي تنصهر على صفيح جسده الحامي… يعاود القجنة رجته وْتْفـْفـْــفْ… وبين أحضان الإمتاع و عيون المؤانسة… يلعق ما استجلبه بمجرفة أصابعه الأربعة من أعلى الهام إلى تجاويف اللسان. و أخيرا يفحم القجنة حلقة المتفرجين، وكاميرات السياح المتلصصة على عاهات الجنوب، بصب سطل ماء على رأسه و جسده النصف عار في هذا الجو الحار ب[سوق عام] فلا يبدو على رأسه أي أثر من آثار الجراح التي حفرتها هي بذاكرتها الموشومة بلا نسيان…
هي لا تكتب إلا ليلا. فهو مرفأ أحلامها و استيهاماتها… بينها و بين الليل يتجاسر سحر الظلال… تتحلزن متعة الألوان الأصلية… بالليل تتجرد الأشياء عن نرجسيتها… تنسلخ الكلمات عن رطانتها المصطنعة، لتوقظ جذوة الطفولة الملتبسة في مكان ما من كيانها منبعثة من رماد ساعة الضياء الكاسح.
نهارها نهار الآخرين، تتنازعها الواجبات تجاه الأشياء و الناس:الجراب الذي غادر القدم الصغيرة، ليستقر في دفء محفظة كتب و دفاتر… ملحمة القميص الذي فارقته أزراره المشاكسة، بعد رحلة متاهية حول زمن الغسالة الكهربائية… ثورة الشعر اللطيف الذي تضامن مع أبناء جلدته، ليفضل السجن بين خيوط كتان أدرد. واجب يرتفع وآخر ينكس… و تستمد لعبة [البولينغ] شرعيتها من لعنة التذكر المتأخر وتباطؤ القذفة المسقطة لكل البيادق… إيه…
مرة يستهويها أن تفتح بوابتها، لتخرج من حديقتها إلى الشارع الهادىء بقلب المدينة العلجاء [فرانس فيل]. تسير قليلا حيث الظل يراقص الظل عند الجدار، والسكون يلجم السكون، والسماء فوقها تلعق السماء… وحدها الرغبة في استكمال إلهامها تسوقها إلى منتهاها…
و حدث و يحدث أن تمر سيارة الأمن بالمنطقة، وهي تحاول دخول فيلتها، بعد عودتها الليلية… هي تمسك خيطا سحريا تود الإنسلال منه إلى عذرية الورقة، ورجال الأمن يمسكون بجسدها الطري ويصدونها عن مقصدها… عبثا حاولت أن تفسر لهم بأنه بيتها، والنائم كعادته بداخله زوجها… رجها أحدهم بقوة و اقتادها نحو
السيارة الزرقاء، و هي تصرخ غير مصدقة:

  • ” على الأقل اسألوه… اسألوا زوجي…”.
  • ” لن نزعج السكان هنا، من أجل متشردة” أجابها رجل الأمن بحدة.
    رفعت رأسها باتجاه النافذة، فلم تدر لماذا كان وجه زوجها هناك مدثرا
بالستارة…

القجنة: أحد مجاديب الهادي بنعيسى كان معروفا بمنطقة ورزازات برقصته الدامية…
يقدمها كل سنة بمناسبة عيد المولد النبوي الشريف فيما كان يصطلح عليه بسوق عام.
رشـــــــــيــــدة عــدنـــــــاوي / مــــــــــــــــاي 2005

نشر في 5/02/2007 6:40:00

‫0 تعليق