محمد البوزيدي من يشعر بالشاعر ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!


إهداء :إلى العزيز محمد بلمو
1
يرسل الشاعر قصائده إلى الصحيفة كمن يتخلص من أوجاع مخاض في ليلة باردة ، حين تغادره في طريقها يقذف آلاما نفسية تحيط به من كل جانب ،فيحس براحة نفسية أنه قد بلغ الرسالة فهل ستصل للهدف ؟؟؟؟؟؟؟
أم ستبقى صرخات في أودية فارغة لا ترجع حتى صداها القوي الذي تخرج به من القريحة الجريحة .

في أعماقها يفجر المكبوتات المختلفة التي لا تجد سوى الورق متسعا لها بعد افتراق الأحبة عنه، بعدما طردوه من الوظيفة البئيسة جزاء له على الغياب المتكرر لإخلاصه لاجتماعات ولقاءات عديدة أدبية وتنظيمية …وأخرى….حينها عرف – في غفلة منه – أن الأمور والطقوس التي ضحى من أجلها لا يعتبرها الآخرون سوى وقت فراغ أو مطية لطموحات ومناصب شخصية ..
إنه يحب الحرف والورق حتى الثمالة.
طبعا قصائده هذه هي آخر ماتبقى له ، يحافظ على وجوده بواسطتها، أو كما يقول هي مرآته الحقيقية يشكي لها فراق الأحبة وغدرهم ، ومكر الزمان الذي جعله مدينا لأمي بشع بمتأخرات كراء بيت بئيس ، وللدكان المجاور له باحتياجاته من الخبز لأسبوعين ….
حين يقدر أن القصيدة قد تنشر في الملحق أو الصفحة الثقافية يذهب باكرا للكشك ، يشتري بلهفة العدد الذي يشهر المواضيع الثقافية في الصفحة الأولى لكن يجد رئيس التحرير قد منعها أو أجلها….أو…أو.. ، وأحيانا قد يعوض الصفحة بإعلانات تجارية عوضا عن حروف يدرك أنه ليس هناك من يقرأها سوى صاحبها ، قد يتفهم صاحبنا الأمر أحيانا لكنه غالبا ما يلعن الزمن الذي يبخس فيه العلم لهذه الدرجة بتفضيل إعلان تجاري عن مزايدة وسمسرة للأغنياء أو تهاني تافهة عن ازدياد أو زفاف على قصيدة علمية وإبداع متميز، يرجع لبيته خائبا، كان قد أعاد العدد مرات لصاحب الكشك ، لكن منذ أن كتب صاحبه على الواجهة ممنوع تصفح الجرائد لم يعد يقدر على ذلك خاصة أن أحدهم نهره مرارا قائلا :إن الكشك مشروع تجاري وليس مكتبة عامة ، لقد مل المسكين كما صرح بألم ركام المثقفين الذين يتصفحون الجرائد ويذهبون الى حال سبيلهم إن لم يجدوا ما بعثوا به قد نشر في العدد.
وحين يذهب للمنزل لتصفح العدد الذي أخلف الموعد، يكتشف أن صور أشخاص أهم من شخصيته التي كان يعتقد أنها تعلوهم قيمة ، يجد أن مكان القصائد والقصص المعتاد قد ملأ بأخبار مغنية للفيديو كليب التي قدمت لعالم الصحافة من عالم الدعارة ،أو مدمن مخدرات وقد أصبح نجم غناء أو لاعب كرة ……
يسهو لحظة ليتذكر مقولة أبيه ذات يوم : تأمل أسماء الكرة والغناء هل تجد لهم أثرا في ميادين العلم والطب والسياسة …بل لن تجد أصولهم سوى في أحياء الفقر والتهميش والجريمة التي ينمو فيها كل ما قد لا يخطر على البال.
لم يضيع وقتا في قراءة باقي مواضيع الجريدة، يلعن الزمن الغادر ـويقطعها إربا إربا ليمسح بها يديه عوضا عن الفوطة المتسخة التي لا يتوفر على ثمن شراء صابون لتنظيفها بعد أن لطخها منذ أيام حين تدفق منها حبر القلم………
2
ذات يوم ، تنشر القصيدة، طالما انتظر هذا اليوم، لقد أخبره بذلك أحد أصدقائه الذي التقاه صدفة بالشارع ، كاد أن ينسى أنه بعث بها أصلا، يذهب سريعا للكشك، لكن نسخ الجريدة نفذت..يبحث عن نفس العدد في كشك آخر ولا يجدها ، يذهب بعيدا عن حيه للتنقيب عنها ، يستغرب كيف أن الجريدة التي كانت قبل أيام سلعة غير مرغوب فيها وكاسدة أصبحت اليوم نادرة ….
لما لم يجد الجريدة في حيه ….حينها أحس بزهو خاص ، لقد اعتقد أن قصيدته واسمه الذي اعتلاها مع صورة قديمة له هي السبب ،أعد نفسه لتقبل التهاني والتشجيعات ، بحث عن مفردات للجواب ، كان كل شخص يمر أمامه يعتقد أنه سيهنئه ….
كانت لحظات خاصة بالنسبة لديه مثل فترة زهو طاووس أمام المتفرجين ، لقد صمم على كتابة قصيدة أخرى هذا اليوم ، وإذا استمر نفاذ الجريدة في حيه ، فقد يفكر رئيس التحرير في منحه تعويضا سخيا ولو باشتراك شهري جزاء له على شعبيته التي اكتشفها فجأة في حيه..حينها سيوفر ثمن الجريدة ليسدد بعض ديونه وأحلام أخرى ترك الزمن يحكم على واقعيتها في الوقت المناسب.
في أحد الأكشاك وجد نسخة وحيدة مازالت تنتظره كما. ……وحين اقترب مواطن لتصفح مجلة فرنسية هرول ليكون الفائز بالعدد المتبقي ، لقد تفاجأ المواطن الذي تراجع للوراء تاركا وفاسحا أمامه المجال..كانت حركة خاصة من ذلك الشخص أخجلته وتركته يسأل هل المواطن ذو قيم وأخلاق من الشاعر ؟
أدى ثمن الجريدة مما استلفه قبل أيام من أخيه الذي يشتغل عامل بناء ..بحث بسرعة فوجد القصيدة فعلا في الصفحة العاشرة ، كانت في أسفل قصة بعنوان :المتمرد والبؤس ..وحين أعاد مراجعتها اكتشف أخطاء كان قد نسيها سهوا لنفاذ حبر القلم….
التقى العديدين في حيه من معارفه دون أن يثيروا معه الموضوع أو يهنئونه كما توقع …استغرب كثيرا ..وظن أن في الأمر شيئا غير مفهوم …كان يبرز الجريدة أمامهم للإثارة لكن دون جدوى….
أخفى نسخته ، وسأل كشكا آخر عن نفس الجريدة ، أجابه أنها نفذت منذ الصباح الباكر ، وحين سأله عن السبب كان رده التلقائي هو أن عدد اليوم تضمن في الصفحة الأخيرة صورة كبيرة لفريق برشلونة وأن الصفحة الأولى تضمنت قسيمة اشتراك في قرعة للفوز بسيارة.وعرض سلفات بمناسبة اقتراب عيد الأضحى
3
في الطريق لبيته البئيس ، كان يتأمل الشاعر الزمن الآخر، أعاد حماسه الصباحي من جديد ،انهارت الأحلام التي زرعها آمالا مستقبلية ، حتى القصيدة التي قرر كتابتها تراجع عن الفكرة ، فقد فقد الإحساس الضروري ..وليوفر ثمن طابع البريد ليشتري به خبزا يقاوم صهد الحياة الرديء.
استلقى في زاوية غرفته التي لا تحتوي سوى على فراش بسيط وصور معلقة على الحائط لمحمود درويش وبلند الحيدري ونزار قباني ..وجهاز راديو قديم وورق… وانبرى يئن آلاما داخلية خاصة وهو يفكر في أمر غداءه المجهول أمره .
أخذته غفوة عابرة مدة ربع ساعة ،فجأة أيقظه صراخ و طرق قوي للباب ،نهض بتثاقل ، وحين فتحه كان صاحب المنزل ينهر في وجهه مطالبا إياه بأداء ديون الكراء التي تراكمت عليه لأشهر عديدة ،لم يتكلم قط ، فماذا يقول ؟
بينما كان الشخص الواقف أمامه يصرخ من جديد لتقديمه عبرة للآخرين الذين يجاورون بيته، كان يستعطفه..لكن بدون جدوى ..فكر في أن يسكته بوعد استثنائي بكتابة قصيدة تمدحه..ونشرها في الصحيفة الشعبية داخل الحي .حاول طرح الاقتراح لكن سأل نفسه :و إذا كتبتها فهل سيقرؤها هذا الأمي؟؟؟؟؟؟وهل سأرضي ذاتي وأتزلف من مهين لي ؟ وعل سأكتب نحت الضغط ؟؟؟؟إذن لماذا لا أكتب قصيدة عن نفسي لأقرأها بنفسي …..
ذهب صاحب المنزل بتدخل من الجيران دون كلمة وداع ، وحين رجع للأوراق كما اعتاد أن يفعل عند كل أزمة ذاتية بدأ بكتابة التاريخ اليومي ليكتشف فجأة أنه اليوم العالمي للشعر
كتب العنوان أولا على خلاف عادته في الكتابة حيث يكون في آخر القصيدة
من يشعر بالشاعر ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟ وتوقف القلم ….فالحبر انتهى …..فأين القلم ليتمم بقية القصيدة والحكاية ؟؟؟؟؟؟؟

نشر في 5/02/2007 4:40:00

‫0 تعليق