د. أحمد زنيبر: اللغة والخطاب في رواية “زريعة البلاد”

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

شكلت الكتابة القصصية والروائية، لدى الكاتب والباحث المغربي الحبيب الدائم ربي، مجالا خصيبا للتجريب اللغوي، من جهة، ومرتعا أدبيا للصنعة الفنية، من جهة ثانية. ولعل ما يمنحه عالم السرديات، من تقنيات جمالية وكشوفات لا نهائية، يشعر بانفتاحية الاختيار وتعددية أفق الانتظار. وبصدور رواية “زريعة البلاد” يؤكد الحبيب قناعته بهذا الجنس الأدبي ويواصل النبش، من خلاله، بما أوتي من زاد معرفي ولغوي، في عوالم وأسرار الحكي، سواء الافتراضي منه أو الواقعي.

فماذا عن هذا المنجز الإبداعي، كتجربة روائية جديدة؟ وماذا عن موضوعاتها وقضاياها؟ وكيف انبنت داخلها الحكاية، في ارتباطها بالشخوص والأحداث؟
يبتدئ الفصل الأول من الرواية المعنون بـ(خروب بلادي) بعبارة “يا خسارة” وينتهي بنفس العبارة، في فصلها الأخير المعنون بـ(الدنيا الغرارة)، مع فارق في الدافع والمقام. وبين الخسارتين مسار تجربة إنسانية تتجسد في شخصية محورية تدور حولها مجموعة من الوقائع والأحداث، تشكل في النهاية، عالما روائيا ممتعا لـ”زريعة البلاد”. إنها شخصية سالم السلومي، ابن البادية المغربية، الذي لم يسلم من ألسنة الناس منذ صار حديث مجالس، بعد التحاقه بالمدينة، إلى أن استسلم للموت وطواه التراب. شخصية إشكالية حيث سلوكها الملغز ومواصفاتها وألقابها المتعددة؛ بل وما حيك عنها من أخبار متضاربة بين الحقيقة والاغتياب، ومن حكايات أخر متعاقبة، بقدر ما تبعدنا عن هذه الشخصية (السلومي) جراء ما ألصق بسيرتها من صفات التغابي والتحايل والتسلط والتنكر وما إليه من فضاء الصفات الملغومة بالأسرار والريب، بقدر ما تقربنا منها عبر تزيينها بأجمل الصفات، حيث البدوية الخالصة والتشبث بالأرض والأصول وبالقيم النبيلة وغيرها، من العلامات، التي تجعل صاحبها محبوبا لدى أسرته ولدى أهالي بلدته، على حد سواء.
ولعل ورود المفاجآت وردود الأفعال، وكذا عرض المواقف والحالات، داخل المتن الحكائي، كان وراء بناء عالم واقعي وتخيلي، في ذات الآن، لهذه الشخصية المحورية، في انفعالها وتفاعلها بالسياق وبالآخر. يقول الكاتب: “تعود الحكاية، والله أعلم، إلى أربعينيات القرن الماضي حين عاد سالم السلومي، فجأة، مفلسا، عليلا وكالمخبول، من الحرب العالمية الكبرى. بعدما أشيع أنه قتل. عاد دون أن يصدق أحد عودته، ولا هو نفسه صدق. كان صدى القذائف يصك أذنيه ما يزال. لم تعد الحياة بعد الحرب تساوي لديه “روثة” ومات فيه الخوف. من ثم صار الشجعان والخوافون يهابونه على السواء. عاد معطوبا، وبلا غنائم. فالحرب لم تكن حربه، والخسائر كلها كانت من نصيبه.” (ص36) لتتناسل الحكايات، بعد ذلك، منها المغرضة ومنها المضحكة، على لسان السارد تارة، وعلى لسان بعض الشخصيات المشاركة في الحدث أو المصاحبة له، تارة أخرى.
وتبعا للمكانة الإنسانية والرمزية، التي حظي بها سالم السلومي، كشخصية فاعلة في صنع الحدث داخل الرواية، فقد شدت الأنظار إلى حياته وأثارها ذلك التحول المفاجئ، الذي عرفه خلال رحلته من البادية (بلدة الشعاب) إلى المدينة (البنورية) وما رافق ذلك من تغير مس تفكيره وسلوكه. وطالما أن “اللغو بالمجان” كما يقول الكاتب (ص19) فلم تسلم سيرة الرجل من دسائس ومؤامرات، حيا وميتا؛ الأمر الذي يجسم نوعية من البشر في طريقتها لاستقصاء الخبر وإشباع الفضول، وبالتالي نقل المعلومة وتصريف القول إثباتا أو نفيا، على سبيل النميمة أو الإشاعة، أو هما معا، كالحكاية/الخرافة المنسوجة عنه مع السلطان وأتباعه. يقول الكاتب: “وعاد السلومي وابنه من الرباط محملين بالذهب واللويز والمال الذي “يتحرق ما يتم”. ومنذ ذلك اليوم أصيح السلومي يصول ويجول ولا يأبه بشيء ما دام قد “عصر” الناس ديال الرباط، وبالأحرى “حلاليف الغابة” كما يحلو له الزعم في حق الأهالي من البلدة.” (ص17) أو الحكاية المضحكة عن العلبة السوداء (ص18-24) وغيرهما من الحكايات الملفقة من ألف.
وهكذا، عبر أجنحة الحكي الموزعة على فصول ومقاطع الرواية، يحملنا السارد/الكاتب نحو عوالم من المشاهد والوقائع والأخبار والحوارات، في ارتباطها المباشر وغير المباشر، أحيانا بالشخوص الرئيسية منها والهامشية، مما يشكل أفقا موضوعاتيا لعرض الأفكار والمواقف، وفق لغة تتغيا الاقتراب من الحدث والشخصية، في ذات الآن.
ولما كانت اللغة ، بصورة أو بأخرى، وعاء للحكي؛ فإن الكاتب أولاها عناية خاصة، حيث احتفاؤه بمعجم متنوع ومختلف في عرض الظواهر والقضايا. معجم يجمع بين العامي والفصيح من جهة، ومعجم يزاوج بين القديم والحديث، من جهة ثانية، ومعجم آخر يحيل إلى عالميْ البداوة والحضارة، من جهة ثالثة. يقول الكاتب: “وكما أراد الرواة فقد أتى، هو الأسد الغضنفر، ذلك الخريف كسيرا جاثيا، مروضا، خنوعا، إلى المدينة. ارتكن ارتكان علوش وديع يسلم عنقه للقصاب. كأنه ما كان أسدا يوما، وما كانت له صولة. اقتيد، كما زعموا، تحت سدل الديجور، في صمت مشوب بمهانة. لتشهد تخوم الشعاب الشرقية أفراحا أقامها الخصوم بالمناسبة… وفي الليل سكن الأزواج إلى زوجاتهم بزهو أصحاب الشلاغم المعصفرة. دردكوا بلا رقيب ولا محتسب، وحبكوا الحكايات المطرزة بالبطولات والأوهام.” (ص32-33).
لقد جاءت لغة “زريعة البلاد” ، كما أرادها الكاتب، فاضحة وجارحة، من ناحية، ومارقة وحارقة، من ناحية ثانية، في جرأتها ونقدها وفي بوحها ونفاذها إلى الأعماق. إنها لغة تغترف من عدة مشارب ثائرة على وضعيات وسلط جاثمة على الأنفاس، منها سلطة الكتابة واللغة ذاتها.
وبين هذا المعجم أو ذاك، تشكل، تبعا لذلك، خطاب الرواية، بما يشمله من حكايا مجزأة ومفصلة، بحسب المقال والمقام. ومن ثمة أيضا، هيمنت موضوعات دون أخرى، على إيقاع السرد في الرواية، كالموت والهجرة والجفاف والأخلاق والقيم والأعراف والحب والكراهية والسلطة والخيانة وغيرها، مما تخلل الحكاية الكبرى، بصورة تجعل القارئ مشدودا إلى طرائق الحكي، من ناحية، وإلى ما بين خطاب الكاتب وخطاب السارد من تماه وتداخل، من ناحية أخرى. يقول الكاتب/السارد: “كان من المفروض أن يغير السلومي سلخه ويبدأ شوطا جديدا من حياة الرفاه النسبي. أن يكتب تاريخا آخر غير تاريخ الشعاب الحرشاء الجوعانة. أن يغتال ذكرياته مع التراب والنبات والظمآن والحيوانات العجاف ويرتاح من عبء الذكرى: ذكرى الذين عبروا والذين هم على الطريق، لكنه لم يستطع إلى ذلك سبيلا. من هنا داهمه، مبكرا، سوس الموت.” (ص75).
إن ارتكاز الكاتب على ملفوظ اجتماعي يرتبط بالمكان والزمان وبتحولات الإنسان، داخل وخارج الحكاية، لدليل على ارتباط النص الروائي “زريعة البلاد” بسياقه الاجتماعي، قلقا واضطرابا، من حيث إن اللغة، في تصويرها لهذا الواقع، الحلو/المر، تقدم صورا تقريبية، سلبا وإيجابا، عن أنواع الصراع الحاصل بين الأفراد والجماعات وما ينشأ عن هذا الصراع، الخفي منه والمعلن، من غدر وأحقاد وتهديد وإهانات. يقول الكاتب: “وكلما حاز مهاجر “زريبة” من الصفيح في ضاحية المدينة كان حديث إعجاب حسود. يتسابق الأفراد إلى التبريك له للتجسس عليها وأخذ النصيب من الغنيمة قبل الآخرين.” (ص88). هذا دون أن يغفل الكاتب حدود الصراع/الحوار، بين الذات مع نفسها، تارة، ومع الآخر، حضورا وغيابا، تارة أخرى.
ومن هنا، كانت الرواية تعرية للواقع المغربي، في طابعيه البدوي والحضري معا، ورصدا تأمليا لظواهره وإفرازاتها، وبالتالي جهدا فنيا يمنح عالم الحكاية والأشياء معنى جديدا وقراءة منفتحة على الاحتمال، الممكن واللاممكن أيضا. يقول الكاتب: “بنات الشعاب كلهن، رغم العوز، موردات خدود. يأتي الجفاف ولا ينقطع الغرس، يحصد الموت الصغير والكبير، اليابس والأخضر وتظل البلدة ناغلة. وحدها أم التاقي كانت غريبة وما أنجبت غير ثلاثة بطون. أما نسوة بلدة الشعاب فولادات: زريعة البلاد. فقلما ترى هناك امرأة لا تجر وراءها “سرسوبا” من الأطفال وهي ما تزال بعد طفلة. وهذا يعجل باستنزاف صحة النسوة ويؤدي إلى شيخوختهن قبل الأوان. والرجال وإن كانوا بدورهم يضيعون نضارتهم وهم شباب إلا أن بعضهم يحافظ على صلابته حتى يدركه الموت.” (ص86).
وهكذا، تحيل الرواية، من خلال خطابها المرجعي المتشعب، في مقاطع كثيرة، إلى نمط مجتمعي تولد عن الفترة الممتدة من الأربعينيات من القرن الماضي إلى حدود السبعينيات، حيث الهجرة من القرية إلى المدينة بحثا عن الذات، ذهابا وإيابا، وطمعا في الارتقاء، ماديا ومعنويا؛ غير أن رياح الأيام وقساوة الحياة جرت أحيانا، بعكس ما تشتهيه سفن المطامح والرغبات. ومن ثمة، يعرج الكاتب على بعض المعيقات والإكراهات، التي ثبطت العزائم وأرهقت تفكير أصحابها، مثل شخصية(العيدي) الابن الأكبر للسلومي، الذي “سيختفي في ظروف محيرة” (ص89) ثم يظهر ليختفي من جديد، مثل ثعلب الراحل محمد زفزاف! وكذلك الأمر، بالنسبة لشخصية (التاقي) المتعلم، الذي سيتوقف عنده السارد مليا، وصفا وسلوكا، في فصول مختلفة من الرواية، إذ يقدمه في وضعيات متباينة. فتارة، هو ذلك الابن العاق، الذي يأكل لحم أبيه ميتا حيث سوء النية والنفاق والشماتة “والرعونة التي أبان عنها وهو يشخص ما سمي باللحظات الأخيرة في حياة والده” (ص3)، وتارة أخرى، هو ذاك الطفل الذي انفصل عن الدراسة وكافح بلا هوادة، تارة أخرى. يقول الكاتب :”حلم السلومي صار على مرمى حجر. والتاقي يحارب في واجهات عديدة. كان يبيت في الملجأ الخيري كيتيم.. وانتهى بأن أصبح…مدرسا بالبنورية. ليوطد صلة والده سالم بالمدينة تدريجيا، سيما بعد أن اشتغل العيدي مياوما وتزوجت زهوة هناك بعتال.” (ص39).
وفي سياق تمرير الخطاب الروائي وتبرير مقاصده وتوجهاته، لم يفت الكاتب التوقف عند جملة من الحالات المرضية المتعلقة ببعض الشخصيات الفاعلة، في تأثيث المشهد الروائي وتدعيمه بسلوكها ومواقفها الغريبة، أحيانا، وهو ما يضمن للمتن الحكائي مسحته الواقعية والإنسانية على السواء، منها الحديث عن “المهدي علواش” و”شهبون الحافة” و”ميلود النفناف” و”حماد الضب” وغيرهم ممن يمثلون رجال القرية ويعكسون هامشيتهم ومعاناتهم مع الحياة، إضافة إلى الحديث عن شخصية المرأة، مثل “أم الخير” شاربة الحشيش و”الزاهية” العشابة و”السالكة” زوجة التاقي و”سليمة” زوجة السلومي وغيرهن، مع التنويه إلى ما في تلك الألقاب المذكورة، من إحالات مرجعية لها صلة بالوضع الاجتماعي والنفسي والذهني لأصحابها.
وهكذا، يمضي الكاتب، عبر وسيط اللغة، في سرد الحكاية/الحكايات، المتداخلة منها والمتباعدة، عن أهل البلدة، رجالا ونساء وأطفالا، وعن موت السلومي وجنازته الغريبة وعن الضغائن الدفينة والحروب الباردة، التي كانت تعشش صدور الفضوليين من الحاقدين والناقمين وهم يتنافسون في قلب الأخبار وفضح الأسرار، عن مسار السلومي بالقرية والمدينة، وعن الإهمال الذي لاقاه من أهله وذويه قبيل موته. يقول الكاتب: “تقول حكاية مدسوسة أن سالم السلومي –بغيت ليه الضر- عاش بمجرد حلوله من البنورية كآبة قاتلة، جراء الإهمال والفقصة. فقد بصره، وأكل السل رئتيه. إذ صار يسمع لهما، في ليالي الزمهرير زفير حاد مما أفقد التاقي –الله يفلسه- أعصابه ذات ليلة، فحذره من إيقاظ الحفيدة الصغيرة النائمة –الله يعطيها مصيبة-..” (ص40).
كما لم يفت الكاتب الحبيب الدائم ربي، وهو يراقب “زريعة البلاد” من خلال استعراض الحكايات والأخبار، التي ارتبطت بشخصية السلومي، قبل وحين وبعد وفاته، في عرض جل الانكسارات، التي تعرض لها هذا الرجل وحددت مساره الإنساني باعتباره، حسب أهله من الإخوة والأبناء والحفدة والأصهار، تاريخا متعرجا عسير الهضم. يقول الكاتب: “كان أمامهم خياران في غاية النذالة: إما إعدام ميت وإما إحياؤه من عدم. لذلك نهجوا السبيلين معا: إعدام حقائق التاريخ والملح، ونقش أكاذيب على رخام الادعاء، وتصوير محافل امتطى فيها السلومي أمجادا من خيال.” (ص43).
لكن، أين هي الحقيقة؟ حقيقة الحكاية من كل ذلك؟ هل شخصية السلومي بالبشاعة والجبن والنذالة، التي قدمها “حكاؤون لهم أخيلة مريضة تجتمع كلها في بؤس الأخلاق” (ص61)، أم هي شخصية لا تختلف عن طبائع البشر، لها ما لها وعليها ما عليها؟ أم هي الحقيقة الغائبة، كما عبر عنها الكاتب نفسه، ذات فصل من الرواية؟…
أمام هذا الانفصام الحكائي والمفارقة الدلالية، في “زريعة البلاد” ارتأى الكاتب/السارد وهو يقدم الحكايات الملفقة والجارحة في حق السلومي وأبنائه إلا أن يأتي بما يدحض تلك الادعاءات المشبوهة والمدسوسة ويفند تلك الإشارات اللاواقعية واللاتاريخية أيضا. ولأن الحكايات المغرضة اعتبرت، حسب السياق، أحادية الرؤية والجانب، كان لا بد من إسماع صوت من يعنيهم الأمر. وتبعا لهذا التصور، أدرج الكاتب فصولا معاكسة للطروحات المقدمة نحو: “بيان حقيقة من آل السلومي” (ص36) و”حديث ما جرى” (ص71) و”العيش في الحافة” (ص97) وغيرها، مما يعيد الاعتبار لشخصية السلومي. يقول الكاتب: “والراحل لم يشكل يوما عبئا على أحد. بل كان مركز الكينونة للجميع ونوارة البيت. كلامه شهد مقطر. وعلى من يجادل في ذلك تقديم الدليل” (ص64). وحتى أسرته وأبناؤه ما كانوا بتلك الدناءة، التي حيكت وأطلقت على عواهنها كيفما اتفق. ومن أجل ذلك، سلم الكاتب عهدة السرد، مرحليا، إلى شخصية التاقي ليأخذ زمام الحكي ويبعد التهم والأباطيل ردا للاعتبار وإنصافا لأبيه وأهله ونفسه أيضاه. يقول السارد على لسان آل السلومي: “لقد ترك السلومي فراغا مذهلا في نفوسنا ونفوس من أحبوه. وكانت جنازته على بساطتها هائلة. هرعت كل البلدة إلى البنورية فور سماع النبأ لحضور نعشه. وفاء لمحبة ظلت بينه وبين عشائرها معقودة. بكينا لفقده بحرقة، وبكاه معنا أحبة لنا.. ولأن من بين الحضور، ولا شك، قد تسلل من لا تملأ الحقائق عينيه، فرأى ما أراد لا ما كان. وتلك صورة أعماقه لا صورة الواقع” (ص65).
ومع تسلسل الأحداث وتعاقب الوقائع، تنشط لغة “زريعة البلاد” السردية، في تنويع ضمائرها، بين متكلم ومخاطب وغائب، من جهة، وفي تنسيق خطابها، بين سارد عليم وشخصية تحكي قصتها بنفسها، من جهة ثانية. إنها لغة تتداخل أصواتها وتتبادل أدوارها، تبعا للأحداث ونوايا الشخصيات، في حالاتها وتحولاتها. غير أن اللافت للانتباه، في هذه اللغة، احتفاؤها بكل الوسائل التعبيرية المتعددة المستويات، من وصف وسرد وتأمل وفلسفة وأدب وحوار ونقد وسخرية وغيرها من أجل إضاءة الشخصية ورسم خطابها، بما في هذا الخطاب من تداعيات الماضي وتجليات الحاضر واحتمالات المستقبل، وفق استراتيجية أدبية تتحول خلالها اللغة، في حد ذاتها، إلى موضوع تجريبي للرواية قابل للاستثمار الفني، ومباغت لأفق انتظار المتلقي. يقول الكاتب في الفصل الأخير، على سبيل الافتراض: “أن يموت… التاقي، ذكرنا السمن والعسل، فتلك نهاية الحكاية وانخساف أقمار الجميع، إذ سيرتكن الأبوان إلى الطوار ويستجديان: سالم تقوده سليمة وسليمة يقودها سالم. سيشيخان سريعا ولن يعمرا إلا ما يجود عليهما به العذاب الأرضي. وكما سيأكل الغم سالما وسليمة، سوف تفقد زهوة مسعود بن حسين. تتشرد السالكة وأحلام. قد تلجان دروبا ممنوعة ويجد العيدي نفسه في حيص بيص؛ فلا هو قادر على المساعدة ولا هو قادر على تحمل الأسى.” (ص110).
والخلاصة أن الكاتب الحبيب الدائم ربي، خلال تقديم الشخصيات في روايته “زريعة البلاد” وكذا تقديم موضوعاتها المختلفة، بحسب المكان والزمان، استند، في ما استند إليه، إلى لغة سردية عميقة تقوم بالأساس على تنوع في المصادر، تصورا وبناء ودلالة، مع تطعيمها، كلما اقتضى الأمر ذلك، بمواقف نقدية ساخرة تشكل، في النهاية، مكونا استشهاديا لا غنى عنه، في مثل هذه الرواية الحافلة بالذاكرة والتاريخ والاقتباس والتضمين، والحاضنة للأمثال والحكم والأشعار والأغاني، والملمحة، في غير ما موضع، إلى مواطن الوعي واللاوعي أيضا، عند شخوصها.

بهذا الأفق الواقعي/التخيلي، إذن، تنفتح الرواية على عوالم لغوية متعددة تنعكس، بشكل من الأشكال، على محكياتها المتعاقبة والمتداخلة، حيث هذه الأخيرة، تفضي، هي الأخرى، إلى تحولات في محتوى الخطاب.

إحــالات:
• نص المداخلة النقدية التي قدمت خلال اللقاء الثقافي (قراءات في الرواية المغربية) نظمه كل من مختبر السرديات بالدار البيضاء وفرع اتحاد كتاب المغرب بسلا، وذلك يوم الجمعة 22 دجنبر 2006 بخزانة عبد الرحمان حجي بسلا.
• زريعة البلاد. الحبيب الدائم ربي. مجموعة الأحمدية 2004


نشر في 26/01/2007 12:40:00

‫0 تعليق