فرانسوا ليوتار وجاكوب روغوزنسكي: شرطة الفكر، تقديم وترجمة وتعليق : د.محمد أندلسي

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!


“إن الفلسفة لم تنج بعد من روح الانتقام ومن النزعات المحافظة التي تؤرق العصر. هنا وهناك، يتم توظيف الوسائط الإعلامية لدغدغة الرغبات الآمنة تحت ذريعة العودة إلى المصادر وإلى الجدّية الفلسفية: أحكام متسرّعة نسجت عبر خلط وتعميم، تجاهل وقح بالنصوص التي يتم التعامل معها، غطرسة مصحّحي الأخطاء، أو سخرية متكبّرة لمعلّمين صغار يتهافتون لدفن مسنّيهم…”.

تقديم :
هذا المقال(*) الذي نحن بصدد تعريبه، يندرج ضمن ما أصبح يعرف اليوم في الكتابة والفكر المعاصرين ب”نقد النقد”.وما يميّز هذا النقد الجديد عن النقد القديم والذي يمكن أن نصطلح عليه بالنقد الميتافيزيقي، هو أنه لا ينطلق في نقده للنصوص والخطابات من موقع الحقيقة، ولا من موقع الأخلاق، لأنه يروم أصلا تفكيك الثنائيات الميتافيزيقية: كالحقيقة والخطأ، والخير والشر. بل هو نقد يسعى إلى خلخلة منطق النص ونظامه الدلالي، لكي يفصح عن آليات بنائه، وإجراءات اشتغاله، وكذا عن فجواته وبياضاته، ويفضح ألاعيبه ومخاتلته، وما يمارسه من كبت للجسد وإخفاء للرغبة، واستثمار للقيمة، وإقصاء للدال. إنه نقد للخطاب أو النص من داخله وليس من لحظات توجد خارجه. ففي الخطاب توجد قوى متنافرة يكون على استراتيجية النقد أن تعمل على إبرازها .
السمة الثانية لهذا المقال تتمثل في طبيعته السجالية، إذ هو بمثابة ردّ فلسفي نقدي على كتاب ل”فيري ” و”رونو” تحت عنوان :”فكر68″ La pensée 68. وهو كتاب يوجّه نقدا لاذعا يصل أحيانا بأصحابه إلى حد “الوقاحة”-على حد تعبير ليوتار وصحبه-، حيث لا يتردّدون في نعت خصومهم من الفلاسفة الكبار أمثال:ميشيل فوكو، وجاك لاكان،وجيل دولوز، ومورس بلونشو، وجاك دريدا، وغيرهم ممن يسمّونهم ب”فلاسفة الستينيات”بأنصار الفاشية أو القومية-الاشتراكية(أي النازية).
تتمثل الأطروحة المركزية لأصحاب كتاب :”فكر68″ في القول بأن” الفلسفة الفرنسية المعاصرة، والتي تندرج في إطار ما أصبح يعرف اليوم ب”فكر ما بعد الحداثة” ، ما هي إلاّ تكرار بشكل مبالغ فيه للفكر الألماني في القرن 19، وبالضبط للفكر الرومنسي، ولفلسفة كلّ من نيتشه وهيدغر. ولقد تجلّى هذا التأثر السلبي في النزعة العدمية التي تطبع ذلك الفكر والمتمثلة في إنكار القيم ، وفي نزعته المضادة للإنسية المتمثّلة في مناهضته لحقوق الإنسان، وفي نزعته اللاعقلانية التي تجد خير تعبير عنها في مناهضته للديمقراطية ولنظرية التواصل والتوافق، وكلّ هذا يفضي بفلاسفة الستينيات إلى السفسطة، واللاأخلاقية، ويجعل فلسفتهم في خدمة الإيديولوجيات الفاشية”.
يسعى ليوتار وروغوزنسكي في مقالهما هذا النقدي-السجالي، إلى إماطة اللثام عن الآليات التي يشغّلها الكتاب الآنف الذكر، وفضح القيم التي ينطوي عليها. كما يسعى إلى تحرير فلسفة كانط وخاصة نظريتيه في الإتيقا والحكم الجمالي، من التـأويل الأنتروبولوجي الذي أقحمهما فيه الكتاب المذكور، لكي يتأدّى عبر ذلك إلى وضع موضع تساؤل فكرة حقوق الإنسان، وإعادة تحديد شروط مشروعيتها الفلسفية.
محور النقد الذي يوجّهه ليوتار وروغوزنسكي إلى مِؤلف”فكر68″- وهذا ما يظهره عنوان مقالهما – يتمثل في القول بأن النقد الذي يمارسه صاحبا الكتاب، هو بمثابة شرطة تسعى إلى فرض رقابة صارمة على الفكر الحي. وتوظف لتحقيق هذا الغرض أعته آليات الشرطة كآلية البورتري-التقريبي Portrait-robot ، أو آلية الحجة-المطرقة L’argument-matraque. هذا بالإضافة إلى أن هذا الكتاب ينطوي على كثير من الخلط والالتباس. فهو مثلا يخلط بشكل ساذج بين الإيتيقا والقيم، وبين “تفكيك الذاتية” و”مناهضة النزعة الإنسانية”، وبين نقد”النزعة الإنسانية” ورفض”حقوق الإنسان”. وكلّ هذا الخلط يسعى إلى تسويغه فلسفيا بالرجوع إلى فلسفة كانط، وتأويلها تأويلا أنتروبولوجيا، لكي ينتهي إلى إرساء فكرة حقوق الإنسان على تصوّر معين للإنسان، وتأويل نظرية الحكم الجمالي باعتبارها تقوم على المصالحة بين الخاص والكلّي، أو بين الحساسية والمفهوم، وجعلها تقوم على نظرية التواصل، لتسهيل عملية نقلها إلى المجال السياسي وتطبيقها عليه.
ضد هذا “التأويل المحافظ” لفلسفة كانط، يؤكد صاحبا مقال “شرطة الفكر” على أن الطابع الأساسي لفكر كانط يقاوم ويمتنع على أن يندرج ضمن إطار “النزعة الإنسانية” أو “النزعة المضادة للإنسان”.وما ذلك إلاّ لأن حقوق الإنسان لا تكتسي معناها إلاّ عبر تحييد وعزل كل معطى أنتروبولوجي يتعلق بالإنسان. فما يضفي الشرعية على حقوق الإنسان ويضمن طابعها الكوني واللامشروط، هو بالنسبة لكانط ما تفتقر إليه حقوق وامتيازات الجماعات التاريخية الملموسة، أي يكمن في كونها مستنبطة من الأمر الأخلاقي بما هو عطاء أو هبة برانية عن القانون. فإضفاء الشرعية على حقوق الإنسان يشترط إبراز اللحظة اللاإنسانية للقانون، وإصدار حكم لصالح ما هو غير إنساني. فسذاجة الإنسانويين –حسب ليوتار-تتمثّل في رغبتهم تأسيس حقوق الإنسان على تصوّر ماهوي للإنسان بما هو شخصية عاقلة ومستقلّة. وكأنّ هذه الماهية/الإنسان هي معيار للتمييز بين ما هو عادل وغير عادل، بين ما هو إنساني وغير إنساني. بينما تميل دينامية الحداثة إلى جعل تلك المعايير متأرجحة ومتوترة، معرّضة لمجازفة المختلف، وخاضعة للعبة غير محدّدة بشكل جذري. وهذا ما يمنع كل ذات، أو أمّة، أو ثقافة، أو حتى شخصية تاريخية، أن تجعل من نفسها مرجعا للحق، أو سلطة مطلقة.
يقوم المسعى الأساسي للنزعة النقدية ل”فكر68″، على تحديد قبلي لحقوق الإنسان، مما يؤدي إلى تجميدها ويحول دون مساءلة قواعدها وآلياتها، وبالتالي إلى ممارسة الحظر على المختلف، تحت ذريعة الحفاظ على الوحدة والإجماع، وإخضاع الفرادة إلى المعايير المشتركة. وفي هذا تتلخّص مهمّة “شرطة الفكر”. وحسب ليوتار وصحبه، فالعصر الذي يعيش فيه الإنسان اليوم، يثير- بمؤشّراته الكثيرة والمتنوّعة، وبأحداثه الفظيعة والمرعبة- تساؤلات جذرية تتعلق بمدى مصداقية قيم التنوير والحداثة وفي مقدّمتها: قيم العقلانية، والديموقراطية، وحقوق الإنسان . فالمتسامي- في نظرهما- يوجد جنبا إلى جنب، إن لم نقل في قرابة ضيقة مع المسخ البشع، وهذا ما تشهد عليه تجربتي الفن والكتابة في هذا القرن.

النص المترجم:

فليطمئنّ أنصار لوسيان فلوريي Les Lucien Fleurier في زماننا: ف”صحّتهم المعنوية” بمنآى عن الخطر: لقد عاد الصبي المشاغب le Babouin est de retour . فبعد أن ظل المشهد الفكري طوال عشرات السنين المنصرمة، واقعا تحت هيمنة ” سفسطائيين معادين للنزعة الإنسانية “، و”غوغائيين وقحين”، و”عدميين رومانسيين” آخرين؛ يبدو الآن أن هيمنتهم تلك قد انتهت. فمنذ سنة تقريبا وجّهت سلسلة من الانتقادات الانتقامية، استهدفت الهيئات الأكثر بروزا في “الفكر الفرنسي في الستينات “، أمثال “لاكان”، و”فوكو”، و”دريدا”، وأيضا “بارت”، و”بلونشو” . أكيد أن مرجعيات ( هؤلاء النقاد) غير متطابقة، لكن الذي يوحّد بينهم –على الرغم من اختلافاتهم- هو أنهم يصدرون عن رؤية أو منظور مشترك، وتحرّكهم ردود فعل واحدة ضد من يعتبرون الطليعة الأكثر رادكالية للحداثة، وضد المبادئ والقيم التي كانت تشكّل فيما مضى أجمل أيام الجامعة وأزهى ندواتها الفكرية.
يتعلق الأمر أيضا بوحدة نمط أسلوب، وبرفض لقراءة النصوص ومواجهة الكثافة الخصوصية للمؤلفات. يصل هذا بأصحاب الرقابة “الصارمة” إلى درجة تجعلهم لا يعرفون الأعمال المنتقدة إلا عبر ما يقال ويتردد عنها. هكذا فالسيد “بوفريس” Bouvresse الذي أعلن الحرب على دولوز، وفوكو، ودريدا، يكاد لا يرجع بتاتا إلى كتاباتهم. فهو مثلا بدلا من أن يقيم حوارا مباشرا مع فوكو Foucault، يكتفي بالتعليق على تعليق Manfred Frank على فوكو. كما أن تفنيده لدريدا Derrida يتم عبر الاستشهاد بالانتقادات التي وجهها رورتي Rorty، أو سيرل Searle لدريدا. إنه يستعمل نفس الوقاحة التي استعملها بطل رواية لAntonio Machado الذي يعلن: “بلزاك كاتب تافه لدرجة لم أكترث بقراءته”.
للنظرة الأولى، يبدو الكتاب الأخير ل”فيري” Ferry، و”رونو” Renaut، أقلّ تسرّعا وسطحية. لقد استقبله الانشغال الصحفي باعتباره مؤشّرا على “عودة الجدّة الفلسفية” (يمكن الرجوع إلى Libération du 22.11.85). لكن النظرة المتمعّنة للكتاب تجعلنا ندرك بأن القاعدة التي يخضع لها، هي السّجال السافل، والافتراء الكاذب، والاختزال الدّغمائي. وكل هذا يتم باسم الحق والحقيقة والنقاش الديمقراطي والصرامة الأخلاقية…حيث الكبرياء تجاه المعنى المضاد يصل أحيانا بأصحابه إلى حدود العظمة. فالقارئ يكتشف مثلا بأن “دريدا” في عرضه حول “نهايات الإنسان”، يدعو إلى “رفع تحدي النزعة الإنسانية”(ص19). بينما النص المتهم (المحال إليه) يميل على العكس إلى وضع موضع تساؤل مبرّر مثل ذلك الرفع. و”لاكان” لم يكن أكثر إنصافا من دريدا: حيث يتم اكتشاف في ممارسته التحليلية مراهنتها على “زيف الحساسية الإنسية، وإعلانها بأن: الأنا يجب تقويضه مهما كلّف ذلك من ثمن”(ص261). فقبل عشرين سنة مضت، أجاب “لاكان” عن سؤال لطلبة يسألونه عن الوسائل المستعملة لإخراج المرء من وعيه إلى اللاوعي، بقوله: لن أجيبكم على غرار Alphonse Allais الذي سيجيبكم قائلا:ذمّروه ” . ترى ! ماذا سيكون ردّه اليوم على من يتهمه بالسعي إلى “هدم الأنا” ؟
Le coup du Babouin:
وبعد هذا، فالعلامة الأكثر تمييزا لهذه الأهجية le libelle يجب البحث عنها في أسلوبها (…) حيث يتم التهكم على “بهلوانيات اللفظ” لدى دريدا (ص39)، و”قدرته الماهرة على إجراء تنويعات أدبية حول تيمة مستعارة من حقول مختلفة، غالبا ما تكون بسيطة وجدّ متواضعة “(ص185). وقبل أن يختتم النقد، يسجّل بامتعاض “السذاجة المسرفة لمثل هذه المحاولة”(ص193)، حيث ” الملل الذي تثيره مماثل لذلك الذي تثيره في مجال الصباغة بعض مسوخات النزعة التكعيبية”. وعلى ما يبدو، فهذا الكتاب (يقصد كتاب فيري ورونو) لا يكترث بتحليل المؤلفات، أو مناقشة الأسئلة الفلسفية التي تثيرها . ذلك لأنه يسعى قبل كل شيء إلى إعدام خصومه، والطعن في مصداقيتهم باستخدام كلّ الوسائل.
“إن النقد- النقدي La critique-criticiste على طريقة “فيري” و”رونو” هو بمثابة شرطة للفكر”.
وهم لا يتورّعون يعترفون بابتهاج بصنيعهم هذا: هدفهم الوحيد المعلن يتمثل في “التعرّف على مواقف معينة”، و”إماطة اللثام عن تناقضات” تكمن خطورتها في “طابعها التبسيطي والملغّم “(ص288). وبالأحرى كان من الأفضل القول: “أن التعرف على موقف ما” يعني في دلالتهم اختزال مؤلفات متنوعة وغير متجانسة إلى”أنموذج” هويته “مثالية” ومجردة . وبهذه الكيفية يصبح من السهل ” إزالة الأقنعة عن تناقضات” هذا النموذج. الإجراء الأول(للنقد)يتلاءم مع التقنية البوليسية المجرّبة، تقنية البورتري التقريبي portrait-Robot . والإجراء الثاني نعيّنه كممارسة للحجة-المطرقةl’argument-matraque . وبالفعل، يتعلق الأمر بتوجيه اعتراضات فظّة وعنيفة تربك الخصم وتذهله، فتمنعه من بلورة ردوده بشكل معقول. نحن نعرف على سبيل المثال أن أعمال “دريدا” تسائل التصور التقليدي “للمؤلف”، وكذا وهم الذات التي تحكم سيطرتها على النص الذي تخطّه. لكن المحتالين سرعان ما يصيحون: هيا بنا ! فبما أن كتب “دريدا” تحمل توقيعه، إذن فهو صاحبها، وبالتالي فهو يناقض نفسه (p.194). مثال آخر: “هيدغر” لا يني يحذّرنا من هيمنة “القيم ” في الميتافيزيقا الحديثة . (وهنا أيضا يصيح أصحابنا) يجب التوقف هنا ! إنها دعوة ل “اللاأخلاقية” ! وإذا كان “هيدغر” مناهضا للقيم، أفلا يعدّ هذا أفضل دليل على أنه لازال يقوّم ؟ إنه إذن يناقض ذاته،الخ . وهذه الحجة الخشنة أو الفظة argument rustique راقت كثيرا السيد “تودوروق”Todorov، وحاول تطبيقها على حالة “بلونشو”. لقد دعا هذا الأخير فيما مضى إلى ” تحرير الفكر من تصور القيمة”، وهذا ما أغاظ الفاضل Trissotin وجعله يبوح لنا بهلعه: “إنكار القيم هو دعوة إلى “العدمية”، وإلى “تغليب القوة على حساب الحق” (cf.critique de la critique,p.71-7. وطالما بدا الأدب “كخطاب موجّه نحو الحقيقة والأخلاق”(ص189)، وأن “علاقته بالقيم هي علاقة محايثة”، فيجب أن نخلص إلى أن “الإيديولوجيا النسبية” و”الظلامية” التي ينادي بها “بلونشو” تناقض ذاتها، وتفشل في تحقيق مرماها…إذا أردنا أن نقدّم أجوبة لمثل هاته الحماقات inepties، فإن الأمر سيحتاج بالضرورة الإتيان في كل مرة بتفسيرات طويلة.يقتضي الأمر لمواجهة الخلط الساذج بين الإيتيقا والقيم، الرجوع إلى كانط على الأقل ، لتبيان بأن الواجب الأمري بقدر ما ينطوي على إلزام لا مشروط، بقدر ما لا يقبل أن يختزل إلى “قيم” معيّنة، أي إلى الأشياء المفضّلة من قبل الذوات الإمبريقية . وبهذا المعنى يصبح من المهم تحرير الفكر من استحواذ القيم، ليس للدفع به نحو العدمية، ولكن لتمكينه من الانفتاح على البعد الأكثر جذرية للإيتيقا – وهو نفس البعد الذي قد يكون متضمّنا في مجازفة الكتابة . بيد أن وظيفة آلية الحجة-المطرقة، تكمن أساسا في السعي إلى قطع مجرى كل تحليل يقظ.
وحينما تبدو هذه الآلية قاصرة، تلجأ شرطة الفكر إلى إجراءات أخرى. مثلا، نحو بناء “أنموذج مثالي” يتيح جميع ألوان الخلط والتشويه والاستهزاء. وكمثال بارز على ذلك، البورتري التقريبي الذي هو أنموذج “فيلسوف الستينات” philosophes des sixties،والذي يتميز ب”رفضه للوضوح”، و”ميله للإثارة بواسطة الغموض”، و”البحث عن الهامشية وشبح التواطؤ” (ص39). يضاف إلى هذا “ممارسته التصعيدية لشذوذه الفكري”، و”لهذيانه التأويلي” (ص129)، وبهذا تكتمل اللوحة العيادية: هؤلاء “السفسطائيون” الارتيابيون ، يجب حجزهم. وإلى جانب الإجراءات الآنفة الذكر، يوجد إجراء آخر مفضّل لدى ضباط النقد: فبعد عملية اللّم والتوحيد الاعتباطي لمؤلفات معاصرة وإرجاعها إلى “أنموذج مثالي”، تتم محاولة أخرى لإرجاع هذا النموذج بدوره، إلى آخر سابق عليه لن يكون سوى نسخته المكرّرة بشكل أقل أو أكثر تشوّها. فبعد اختزال المركّب إلى البسيط، والمتنوّع إلى المتطابق، يتم اختزال الجديد إلى القديم. من هنا تنبثق الأطروحة المركزية للنقد الهجائي: ليست الفلسفة الفرنسية الراهنة سوى تكرار في صيغة مبالغة للفكر الألماني، إنها مجرد تأصيل لمسلكية كانت زهاء قرن مضى بمثابة طقس في الفلسفة الألمانية” (ص53). ولمزيد من الدقة، نقدّم المعادلة التالية: إذا كان “فوكو=هيدغر+نيتشه ، وإذا كان(…) لاكان=هيدغر+فرويد ؛ فإن الهيدغرية الفرنسية تنفرد بالصيغة التالية : دريدا=هيدغر+أسلوب دريدا” (ص167). فكل هيدغري – وأيضا بمن فيهم Arendt و Merleau-Ponty و Lefort … – أي كل “لاعقلاني”، و”لا أخلاقي”، هو إذن”معاد للديمقراطية”، بل وكما يلمّح لذلك Bouveresse له بالتالي قرابة بالفاشية. وهذه هي متغيّرة Todorove:”إن فكر “بلونشو” يدور هنا حول رسمه التاريخي المستوحى من هيجل”، فهو لا يعمل سوى على تكرار”الأوضاع الرومانسية المشتركة” ، وهذا ما يفسّر”الوجه السياسي”(المعادي للسامية سابقا، والكلاّني حاليا) ل “نظرية الأدب عند “بلونشو”: فإذا قبلنا هذه النظرية فيجب أن نتحمّل عواقبها السياسية”(مرجع سابق ص68-74). وهذه أيضا متغيّرة “بوفريس”:”إنّ بلاغة الاحتجاج الدائم، لا يمكن أن تخفي القرابات الضيقة والموجودة في العمق، بين إيديولوجيا”الفوضوية-البنيوية” (والتي تلصق بدولوز وفوكو إلخ)، وبين ” الفكر اليميني الأكثر تسلّطا والمضاد في توجّهه للعقلانية والتقدمية ، والذي لا يخلو من ريبية وتشاؤم ووقاحة”(مرجع سابق ص20). إنه توجّه “أزاح القناع ومنذ مدة ليست طويلة(…) عن وجهه الحقيقي”، إنه – وكما توحي بذلك تتمة النص- وجه “فلسفة القومية-الاشتراكية الرسمية”(ص22). إذن لاشيء جديد تحت الشمس. فما هو أقل مدعاة للشبهة في الفكر الفرنسي الراهن، هو ما كان موجودا لدى “نيتشه” و”هيدغر”. أما ماعدا ذلك، فهو مجرد تنميق، وأدب، وكلام فارغ ليس إلاّ. وهذا إجراء معروف، نقترح أن نلقّبه ب” le coup du Babouin”.
وبالرغم من الطابع المنفّر لهذا الإجراء، إلاّ أنه لا يخلو من مزايا. فبإدانته لكل فكر جديد، يستعصي على أن يكون مجرد تكرار لنموذج “معروف سلفا”، يبسّط بشكل جائر تاريخ الأفكار، ويجعل دور القارئ سلبيا. ففي اصطلاح “تودوروف” المجاني، تصبح كل مغامرة النقد والأدب طيلة القرنين الماضيين، تتلخص في حدث “النزعة المحايثة”، و “نزعة النسبية الفردية”. وكل هذا يتحول في آخر المطاف إلى “عدمية”، و”تعددية خالصة”…ولكن الاكتشاف العظيم لnouveaux Babouins، والإسهام البالغ جدا لعائلة النقد- النقدي المقدّسة، يتمثل في منهج النقائض méthode des antinomies . فبعد “عملية التعرف” على المؤلفات بإرجاعها إلى “نماذجها الأنطولوجية”، تجري محاولة “إزالة الأقنعة عن تناقضاتها” بجعلها تتعارض مثنى مثنى. على سبيل المثال، نعثر في قلب “الفلسفة السياسية” ل”فيري” على تعارض بين “عقلانية دغمائية” (الأطروحة:هيجل) و”نزعة لاعقلانية” (نقيض الأطروحة:هيدغر). ومن ثمة يسهل على دماغ النقد- النقدي القوي، تحقيق التركيب الذي سيقضي نهائيا على التعارض، عبر توحيد “العناصر اللادغمائية للعقلانية، والنزعة الإرادية، والفينومنولوجيا” (مرجع سابق t2.p.48). ففي ماذا يتمثل اكتشاف “فيري”؟ في “إقامة تحديد وتمفصل” بين الأطروحة ونقيض الأطروحة في إطار تركيب “تعددي”: أي العمل على التقاط”ما هو أفضل في التأويلات الأحادية” Pensée 68.p.97) ). ويمكن أن نتعرّف عبر هذه المحاولة على إحدى محاولات الجامعة الفرنسية في القرن المنصرم – ذات الطابع الانتقائي l’éclectisme. لقد أعلنوا في صخب عودتهم الجديدة إلى “كانط” …لكن تناسوا أن صاحب “نقد العقل الخالص” لم يعتبر أبدا أن استعراض النقائض هو بمثابة مفتاح شامل قادر على حلّ جميع تناقضات الفكر. ونعلم جيّدا أنه من بين النقائض الأربعة التي تم تحليلها في الديالكتيك الترنسندنتالي، تبقى النقيضتان الأوليتان منهما على الأقل بدون حل. وما ذلك إلا لأن الصرامة التي كان يخضع لها “كانط” تفكيره جعلته لا يكترث بشحذ التسويغات التي قد تفيد في إقامة مصالحات .
بدلا من الإنسان…
يشكّل فكر “كانط” رهانا لا يمكن بأي حال التفريط فيه وتركه لعبث الكانطيين الجدد. ومهما بدا النزاع الراهن حول فلسفة كانط يكتسي طابعا تجريديا، إلا أنه في الواقع يثير أسئلة حاسمة. فلنأخذ على سبيل المثال المقطع الرئيسي من المقال الهجائي pamphlet ل”فيري” و”رونو” والذي يتهمنا فيه “بمناهضة النزعة الإنسانية”. (ولنذكّر القارئ) بأن خلفية النقاش/المرافعة هامة جدا: يتعلق الأمر بحقوق الإنسان، وبشروط مشروعيتها الفلسفية. فتبعا لهم، يتلخص المنظور الأساسي للفكر الفرنسي المعاصر في”مشروع النقد الجذري للذاتية”(p.41). ف “فلاسفة الستينيات” بانحيازهم – أسوة بهيدغر-“للمذهب المناهض للنزعة الإنسانية”، أفرغوا مفهوم حقوق الإنسان من كل معناه. ذلك لأنّ هاته الحقوق تقتضي (في نظرهم) أن تؤسّس على فكرة الإنسان بما هو ذات حرّة ومستقلّة . وهذه “النزعة الإنسانية الغير ميتافيزيقية”، هي في اعتبارهم أساس فلسفة “كانط” و”فيخته”. وحينما يناضل “فوكو” “وهو من أبرز مناهضي النزعة الإنسانية”، أو الهيدغري Lefort من أجل حقوق المساجين، أو حينما يساندون مقاومة Solidarnosc فهم يقعون في التناقض وعدم الانسجام. فمن أجل اكتساب حق الاهتمام بالإنسان، يجب الانخراط في نزعة “فيري” و”رونو” الإنسانية.
وأمام تعدّد القرائن، فإنّ الأمر هنا أيضا، يحتاج بالضرورة إلى تحليل لإظهار اللبس الذي تتم صيانته والمتمثّل أساسا في إقامة تطابق بين “فكر الذات” ومسألة”تثمين الإنسان” (p.22 etc). وهو لبس يمكّنهم من إقامة تماثل بين العملية التي تسعى إلى مساءلة النزعة الإنسانية الميتافيزيقية، و تلك التي تهدف إلى”تفكيك الذاتية”. لو تجشّم أنصار “الإنسان” عناء قراءة “هوسرل”Husserl، لاكتشفوا لديه محاولة صارمة للتفكير في الذاتية، خارج أي تحديد تجريبي للشخص الإنساني. وباسم هذا التحييد (الإختزال) أمكن ل”هوسرل” التأكيد أن “الأنا ليس هو الإنسان”، وبأنّ الأنا الخالص ليس إنسانيا في شيء، ويجب وصفه بدون أي إحالة إلى الوجود الجماعي، أو السيكولوجي، ناهيك إلى لغة البشر. والحالة هذه، وبالرغم من اختلاف الإشكاليات، فإن المسعى الهوسرلي في هذه النقطة له قرابة بمسعى “كانط”. فحينما يقوم هذا الأخير بتحديد مبدأ الواجب الأخلاقي، يؤكّد على”الأهمية القصوى” لعدم السعي إلى “اشتقاق واقع هذا المبدأ من التكوين الخاص للطبيعة الإنسانية” . وتحت هذا الشرط فحسب، يمكن تبعا لكانط ضمان “صفاء” الإيتيقا، والتي لا يجب “خلطها مع الأنتروبولوجيا والثيولوجيا”. ولا يفوت كانط التذكير باستمرار بهذه المسألة، حيث “الإنسان ليس هو مقصد الواجب الأمري: وإنما هو موجّه إلى “الكائنات الفانية الراشدة”. فالقانون الأخلاقي بما هو مبدأ خالص للعقل العملي، فهو لا إنساني في معناه الدقيق. فهو يطالبنا بالتعالي على تجربتنا “الإنسانية”، وعلى ما يسمّيه “بالإرادة المريضة”؛ كما يطالبنا بالانعتاق من حدود وضعيتنا التاريخية، ومن ميولاتنا النفسية، وقيمنا الإنسانية المسرفة في إنسانيتها، حتى نستطيع وبدون تحفظ تلقّي نداء الواجب الأخلاقي. وحينما حاول كانط منذ سنة 1729 إعادة تسجيل المبادئ الأخلاقية في المعطى التجريبي للوجود البشري، بدت له الإنسانية مذنبة بشكل غير محدود، ومحكومة بشرّ متجذّر. فما هو “إنساني” في الإنسان، هو تلك المسافة وذلك الإلتواء الذي يصرفنا عن القانون. أن تكون إنسانا، يعني أن تكون مخطئا: فكلّ نزعة إنسانية هي نزعة مرضية.
وحينما يعلن “فيري” و”رونو” تبنّيهما “لنزعة كانط الإنسانية”، لإدانة من “يريدون جعل الفلسفة لا إنسانية”، فهما يبرهنان بذلك على سوء فهمهما لكانط. ذلك لأن فكر كانط ليس ب”نزعة إنسانية” ولا “ضد إنسانية”(ولا بالأحرى “نزعة عقلانية”). وذلك ليس لأن الفكر الأصيل على غرار فكر كانط، أو هوسرل، أو هيدغر، لا يقبل أن يكون أسيرا لتلك التقابلات المدرسية فحسب؛ ولكن أيضا لأنّ تحييد كل معطى أنتروبولوجي يعدّ مطلبا لاكتساب حقوق الإنسان معانيها. وفي منظور كانط، فإنّ ما يضفي الشّرعية على تلك الحقوق و يضمن طابعها الكوني واللامشروط- وهو ما تفتقر إليه “حقوق” وامتيازات الجماعات الإمبريقية- هو استنباطها من الأمر الأخلاقي باعتباره نمطا من الهبة “الخارجية” للقانون . فلكي يتسنى شرعنة حقوق الإنسان، كان يجب إبراز اللحظة اللاإنسانية للقانون، والحكم لصالح ما هو لا إنساني faire son droit à l’inhumain. من زاوية النظر هاته، يستحيل أن يكون الإنسان بالنسبة لكانط ذاتا خالصة للقانون. سذاجة الإنسانويين les humanistes ودغمائيتهم تتمثل في إرادة تأسيس حقوق الإنسان على مفهوم معين، وبالتالي حول فكرة عن الإنسان يتحدد بموجبها كشخصية عاقلة ومستقلة.. إلخ. وكأنّ هذه الماهية/الإنسان، يمكن أن تنصّب كمرجع أخير للحق وكمعيار للتمييز بين ما هو عادل وغير عادل، وما هو إنساني وغير إنساني. نعتقد على العكس من ذلك أنّ دينامية الحداثة تميل إلى جعل تلك المعالم والمعايير متأرجحة، وتعريضها للعبة لا تحديد جذري، ولمخاطرة النزاع والمختلف. وهذا ما يمنع كل ذات معينة –فردا كانت أم طبقة أم أمّة، أو حتى “إنسية” إمبريقية – أن تقدّم نفسها كسلطة مطلقة أو كمرجع أسمى للحق. “الإنسان”، بدون اسم وبدون صفات، والذي هو وجهة حقوق الإنسان، لا يمكن إلاّ أن يشير بفقر إلى هذا المكان الفارغ للقانون، إلى هلاميته المسرفة، التي تنزع المشروعية عن غطرسته باعتباره المشرّع الأكبر.
الجماعة الموعودة:
إن التحديد القبلي لمحتوى حقوق الإنسان يؤدي إلى تجميدها بشكل اعتباطي، ويحول دون وضع القواعد القائمة موضع تساؤل، ودون البحث عن أخرى جديدة، وإنهاء النزاع الدائر حول ما هو عادل وغير عادل. وكلّ هذا يؤدّي إلى حظر المختلف. وعلى أية حال فأصحاب الرقابة لا يخفى سرّهم على أحد في هذا الصدد. فهم يعملون على استتباب الأمن، والتوحيد، و”الإجماع”، وإخضاع كل فرادة إلى معيار مشترك – تلكم هي المهمة التي انتدبت لها شرطة الفكر نفسها. ولا نندهش إن رأينا إيديولوجية الإجماع الهشّة هاته، تتحوّل تحت ريشة الشرطي “بوفريس”،إلى مديح للنزعة الامتثالية للجماهير. فما الذي يضعه لنا كقاعدة كبرى وكغاية نهائية؟ (لاشيء غير) “الإجماع والتضامن اللذان يتجليان في احترام المؤسسات، والمعايير والأعراف المقبولة بدون أي احتجاج، (وكذا) العقلانية المبتذلة، واللغة اليومية، والحس المشترك، والفهم المتداول، والاستعمال اليومي، إلخ. “شرطة اللغة”(…)، “الحفاظ على النظام” في التبادلات اللسانية، والحفاظ على الإجماع، والتوحيد، والضبط وكلّ ما هو ضروري لوجود الجماعة ذاتها “(p.132 ). لقد حان الوقت لإحراج المعاندين و”المهمّشين”(…) وكلّ الرافضين –حسب “فيري”و”رونو”- للخضوع لقانون “التبادلات المتوافقة والمتصالحة”(بوفريس .ص148)، و”التماهي” مع المصالح العليا “لجماعتهم التاريخية”(ص159).
هل تعتبر هاته وقاحة صادرة منّا أن نعلي من شأن حقوق التفرّد، والإبتكار، والتباين في المشاعر، والاختلاف في الرأي ؟ وإثارة “أزمة الأسس”،والمفارقات المنطقية،والقضايا العويصة التي يصدر عنها الفكر مرحليا ؟ بدلا من مدح “الحرب الأهلية المعمّمة”(بوفريس :ص145)، و”انعدام التواصل”(“فيري”-“رونو”:ص45)، أي بدلا من “البربرية” والإرهاب، يطالبنا دعاة السلام بالاعتراف l’aveu. لكن أليس الإرهابي حقا بمعناه المألوف في مجتمعاتنا الحديثة، هو بالأحرى من يهاب اختلال النظام، ويحقد على الحدث، وفي حاجة ماسة إلى التطبيع والتماهي؟ أليس ما يهدّدنا هو بالضبط هذا اليقين المتعجرف بأن كل شيء وبدون استثناء، مقبول، وقابل للتعيين وللتواصل ؟ لكن المبشّرين الطيبين تربكهم دقائق الأمور: فبمجرّد ما يضع المرء موضع شبهة إمكانية وجود تواصل شفاف، أو توافق إجماعي مؤسس على العقل، يتّهم بالرغبة في العنف والفوضى.
بيد أنّ تعاليم كانط، سبق لها أن حذّرتنا من هذه البدائل المبتسرة. فبعد استعراضه في “نقد ملكة الحكم” لنقيضة الحكم الجمالي، يستخلص بأنه في مجال الذوق تتعذر المناظرة، أي البرهنة “بواسطة مفاهيم محدّدة”، وبالتالي لا يمكن الوصول في هذا الصدد إلى إجماع قار. غير أن هذا لا يعدم إمكانية السعي للحصول على موافقة الآخر بواسطة النقاش من دون أن يؤدي ذلك إلى الإقناع. وبالفعل ففي هذا الطراز من الحكم، لا تكون ملكة الحكم لدينا محدّدة(برفع الميم وكسر الدال) بل مجرّد تخمينية réfléchissante . فهي لا تتأسس على مقولة أو مبدأ شمولي معطى سلفا وقابلا للتطبيق، ولكن عليها –وتحت تأثير معطى فريد أو حالة غير متوقعة – أن تصدر الحكم من دون قواعد حتى يتسنى لها إقامتها. وعن هذا الاستعمال التخميني للحكم يصدر نشاط الفنان، والفيلسوف الناقد، والسياسي “الجمهوري” républicain، وكل مسعى ابتكاري إذ يقتفي أثر المجهول، والمرفوض، يسعى إلى أن يقطع مع المعايير المشكّلة، ويعمل على تفجير الإجماع، ويحيي وينعش حسّ الاختلاف.
وبديهي ألاّ يقبل هذا الكانطي الدغمائي الجديد المهووس ببعث الوحدة، وإقامة الهوية. لهذا يسارعون لتشويه نظرية كانط في الحكم التخميني le jugement réfléchissant، حيث يؤوّلونه “كمصالحة بين الخاص (الحساسية) والكلّي (المفهوم)”، حيث “الواقع الخاص(…)يتوافق بشكل حر” مع الكلّي. ويعتقد “فيري” بأنه قادر على أن يستخلص “أن التواصل الجمالي(…)يبدو كتواصل مباشر، ومصدر لبين-ذاتية فورية intersubjectivité:حيث يتم التوافق بين الأفراد بدون واسطة أي مفهوم”(الفلسفة السياسية الجزء1.ص178-179). ويكفيه بعد هذا (يقصد “فيري”) أن ينقل هذا النموذج من المجال الجمالي إلى المجال السياسي، ليحدّد هذا الأخير باعتباره فضاء للتلاقي والتواصل، ولتسويغ إيديولوجيات الإجماع.
وممّا لا مراء فيه، فنحن في مواجهة لأخطر سوء فهم يقع فيه الكانطيون الجدد. أكيد أنّ أي حكم جمالي في سعيه نحو الشمولية، يحمل –حسب كانط- وعدا بالجماعة المثالية، حيث شعوري المتفرّد يغدو ذاته شعور الجميع. لكن فورية هذا الحكم هو بالضبط ما يجعله يتم “بدون توسط أي مفهوم”، فهو لا يطالب إلاّ بشمولية ذاتية ” و”بمعيار غير محدّد بالحسّ المشترك “. لأجل هذا –يضيف كانط- لا يني هذا الحكم يقاوم باستمرار نزوعه نحو الشمولية”.
تلكم هي مأساة الحكم الجمالي، فلأنه عاجز عن الاستشهاد على معياره أو قاعدته، يجد نفسه مضطرا للتمسك باتفاق مثالي، في نفس اللحظة التي يكون فيها موضع رفض من قبل الآخر.
فبقدر ما لا يسمح الحكم التخميني “بتواصل مباشر”، بقدر ما توقظ ممارسته الإحساس بالجماعة الموعودة والمؤجّلة باستمرار. واضطراب الحسّ المشترك هذا يحتدّ بموازاة الشعور بالتعالي الذي يشهد على ما هو غير قابل للاستشهاد،وعلى الإسراف الغيرقابل للتقدير للفكرة المتعلقة بالواقع l’excès incommensurable de l’idée sur le réel.

فلأن الجماعة عبارة عن وعد، تظلّ كأفق بمنآى عن البلوغ. أن تكون مشاعرنا أحيانا مشتركة، فهذا كما يقول كانط بمثابة واقع “غريب وفريد”، ويفسّر”الطابع الملغّز” لملكة الحكم لدى الإنسان. ليس هناك سوى تفاهمات هشّة، واتفاقات قاصرة، تولد من صدمة مصير، لكنها لا تمكّن من أيّة مصالحة، بل تدعونا إلى المشاركة في المختلف. ولقد شكّل الحماس الذي أثارته الثورة الفرنسية في كانط ، مثالا ساطعا على هذه الفرص غير المنتظرة التي يمنحها الحدث للإنسان. لأنها تنطوي بما هي “علامة تاريخية”على استعداد أخلاقي للبشرية، ومؤشّر على التقدم نحو الغاية النهائية للنوع البشري. وإذا كنا نحن اليوم لا نشارك كانط ذات المشاعر حول نفس الموضوع، فلأننا وبدون شك، نوجد في مواجهة تاريخ مؤشّراته متعددة، تثير في عدم تجانسها أسماء” أوشويتز” Auschwitz ، و”كوليما” Kolyma، و”بودبست” Budapest وأيضا “ماي8 6 –حيث كلّ مؤشّر على حدة، يلوم ويتّهم بأسلوبه الخاص تشتّت الغايات، واختفاء أو أفول الأفكار التي تفتّقت عنها الأنوار، وتلتمس إنصاتا جديدا، وأفكارا مغايرة. فالمتسامي يوجد في قرابة مع المسخ البشع …وهذا ما تشهد عليه تجربتي الفن والكتابة في هذا القرن . بل هذا ما تشهد عليه أيضا تلك الأفكار التي ننعتها ب”اللاعقلانية” و”المناهضة لما هو إنساني”. ففي الحدود التي يتم التشديد فيها من قبل مجهودات فكرية، على الاختلاف الموجود بين الكائن والكينونة(هيدغر)، وعلى الاختلاف المؤجّل différance لأثر الكتابة(دريدا)، وعلى الاستيلاب الرمزي للرغبة(لاكان)، أو على نصيب الحمق الذي يلازم نظام الخطاب(فوكو)، فمن أجل المطالبة بالإنصات لما لا ينصت إليه، أو لما هو غير قابل للإنصات.

(*)Jean-François Lyotard – Jacob Rogozinski
ترجمة: محمد أندلسي-أستاذ الفلسفة-كلية الآداب والعلوم الإنسانية /مكناس.

نشر في 17/01/2007 2:40:00

‫0 تعليق