سُها فاضـل

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!


ينتشلني الحاسوب من لحظات ارتجاج واهتزاز عنيفين. طقطقة أزراره تعيدني نوعا ما إلى سكينة مفتعلة. أهمس له أن يكتب شيئا عما أحس به. قد يفهمني… يتلكأ فآمره بالانصياع. أبحث في ذاكرتي عما اختزلته من فن القص. حكايات الجدة والعمة… أمي حين يغيب أبي، يتأخر، يلتهمه ظلام الليل، تبدأ حكايتها. كانت الحكاية حكايتين:

حكاية زوجة السلطان التي غاب زوجها وفي غيابه اتفقت نساؤه الأخريات على سحرها لتتحول إلى حمامة. كانت تعود كل مساء إلى قصر زوجها تدعو بصوت حزين الأحجار والأنهار والبحار والأسماك، إلى أن تشاركها حزنها وتبكي لحالها (ابكي معيا الجر، ابكي معيا لحجر ابكي معيا الحوت فلبحر[1]) فيجف النهر والبحر، تموت الأسماك وتنهار جميع البنايات. ويغدو كل شيء قفارا شاهدا على الغدر والخيانة والتنكيل، وحكاية أمي التي كان صوتها العذب يحمل قصة حزن، بل أحزانا كانت تخفيها عنا. أبي لا يعود، وتستمر أمي في الغناء الجميل، والحكي الممتع.
أمي قصيدة حزن تعلن آلاما كنت أستشعرها في عينيها وراء دمع متنكر، وفي صوتها المنساب الجارف لهموم أعماق نخرها الانتظار، حزنها همس كهمس الأوراق، وكانت أخواتي ينتظرن النهاية السعيدة: عودة السلطان واكتشاف مكر زوجاته وقتلهن. تستمتع أخواتي باللقاء. يغمضن أعينهن حالمات بمتعة النهاية. ويؤرقني اللقاء. عاد السلطان، ولم يعد أبي. ترى أين كان؟ أين هو؟ أسمع دقات على الباب. تسرع أمي مهرولة، أحاول أن أتبعها، تنهرني وتأمرني بالنوم. يدق قلبي. وأرهف السمع. أمي لا تفهم ما يقال. أستوعب بعض الكلام خلسة. أعرف أن أبي بالسجن. وأعرف أيضا أن الكلام عن السجن محرم. أحس داخلي باعتزاز كبير. أمي تتأرجح بين الخوف والطمأنينة. أعتز بأبي. أبي يقول لا. أبي يرفض هذا العالم. يخرج عن صمته الذي دثره منذ أن آمن بأن كل شيء قد تم. هاهو ذا يهجر عباءة البيت القديم. أتساءل كيف؟ أبعد السؤال لأنتشي بفرحة الرفض. أبي يقول لا. أبي يخافونه وأمي تخاف عليه، وأخواتي نسين خوفهن على زوجة السلطان بعد عودته. وأبي لم يعد بعد. أبي دافع عن عودة السلطان. كان مبعدا أبعدوه.. يومها أمي لم تخف. هكذا حدثتني:

  • نفوا السلطان. نفوا أخي. سجنوا أعمامك، وأباك.عاد السلطان وعادوا جميعا. وهاهم الآن يخفون أباك. عاد أبي وخف حماسه. ضاع منه كل شيء. حتى انتماءه للحزب. لم يجن شيئا. أصبح نكرة أمام ع وس وب و ح…. لكنه ظل يؤمن بهم، لأنه أقسم كما أخبرني على الوفاء والقسم عظيم.
  • لما حنثوا هم يا أبي؟ نسوك ونسوا كل شيء أمام حقيبة، بل حقائب جمعوا فيها هذا الوطن.
    يكتفي أبي كعادته بالابتسامة، ويعلن استمرار القسم… الإيمان..
    عاش أبي يبحث لنا عن لقمة عيش، وكنا نتلذذ بما تأكله الأميرات في حكايات أمي التي لم تتوقف. لم يتوقف رنين الجوع الذي كان يؤرقني كما حزن أمي.
    أبي لم يعد. جردوه من ملابسه. ضربوه. وأبي يحاول أن يقنعهم أنه يؤمن بالوطن والسلطان. يصحح: والملك – وأن لا علاقة له بالسلاح المزعوم الذي لم يجدوه عنده. أبي آمن أننا دفنا الماضي. آمن أنه كان بطلا. هم يريدون أن يجعلوا منه الآن باطلا. هو لم يفهم شيئا. يستمر وقع الضربات المؤلمة والركلات المتتالية أن اعترف. في ذاكرته لقاءات سرية. يحكي عنها… 43… ذاكرته تستمر.. 53. يركل، يهان….. .
  • ذلك الماضي اعترف. أين السلاح؟ من أمدك به. أبي يجهل عما يتحدثون يسقط مغميا عليه.
    ننام نحن، وفي الصباح أجد أبي ممدا في الفراش. يلملم جراحه ويضاعف أحزانه. يفسر أحد المعارف:
  • كان مجرد تشابه في الأسماء.
يتكرر الغياب. ويتضاعف الألم. ويخبروننا: كان مجرد تشابه في الألقاب والمواطن غفور رحيم .

[1] أغنية الحمامة لتلفت نظر زوجها بعد أن يعود
[email protected]

نشر في31/12/2006 8:40:00

‫0 تعليق