محمد الحمامصي: الشاروني والغيطاني والحفيان وخشبة وعيد (ظل الأفعى)

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

شهدت قاعة الشهيد يوسف السباعي بنادي القصة المصري مناقشة رواية (ظل الأفعى) للكاتب د.يوسف زيدان ، والتي صدرت أخيرا عن سلسلة روايات الهلال ، وقد شارك في المناقشة المبدعون والنقاد يوسف الشاروني وجمال الغيطاني وسامي خشبة ود.فيصل الحفيان ومحمد السيد عيد ، الذين تناولوا العمل من زوايا مختلفة سواء علي مستوى بنائه أو لغته أو أسلوبه أو علاقاته بالتراث العربي عامة والصوفي خاصة أو جمالياته التشكيلية ، مؤكدين علي فرادته .

و(ظل الأفعى) هي الرواية الأولى لمبدعها د.يوسف زيدان مدير مركز ومتحف المخطوطات بمكتبة الإسكندرية وهما مركزان من المراكز الأكاديمية المتخصصة الملحقة بالمكتبة ، وهو خريج قسم الفلسفة بكلية آداب جامعة الإسكندرية 1980 ، حصل علي درجة الماجستير في الفلسفة الصوفية عام 1985 ، فالدكتوراه عام 1989 ، فدرجة الأستاذية في الفلسفة وتاريخ العلوم 1999 ، وقد أصدر أكثر من خمسين كتابا معظمها في التراث العربي ولعل أضخمها الشامل في الصناعة الطبية في ثلاثين جزءا ومخطوطات رفاعة رافع الطهطاوي في ثلاثة أجزاء وشعراء الصوفية المجهولون وديوانا عبد القادر الجيلاني والتلمساني ، وقد حصد د. زيدان علي عدة جوائز دولية مثل جائزة المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية وجائزة مؤسسة الكويت للتقدم العلمي ، وجائزة عبد الحميد شومان للعلماء العرب الشبان وجائزة تراث العلمي العربي من مؤسسة الكويت للتقدم العلمي للمرة الثانية .

أدار المناقشة الكاتب الكبير يوسف الشاروني وبدأ حديثه قائلا : لقد فاجأنا د. يوسف زيدان بإبداعه الروائي الأول الذي نرجو لتفرده أن تتلوه إبداعات أخرى ، ذلك هو روايته المتميزة ظل الأفعي ، وقد حاولت أن أتلمس كيف وأين أفضت هذه الرفقة التراثية إلي هذا العمل الإبداعي المتطور ، هل هي لغتها المجنحة والقريبة من لغة الشعر الحسية حينا والمجنح حينا أخر أم في رؤية الواقع بعين الأسطورة ، أم في تضمينها من حين إلي آخر بمقتطفات من الشعر لها دلالاتها الوظيفية في الرواية وهي تطوف بين ترانيم مصرية قديمة وأخرى سومرية أو بابلية أو ملحمية توغل في القدم قبل الميلاد وأخرى بعده ، كذلك الاقتباس الموظف في الرواية لابن أحد أبناء الكنيسة حين أعلن قائلا : إنما جئت لأدمر أعمال الأنثى ، إلي الشاعر العربي المتنبي ، ولا عجب فالأم منحها مؤلفها درجة الدكتوراه لينطلقها بهذا المستوى الثقافي الرفيع دون أن يعترض ناقد ، وحين ينتهي المرء من قراءة هذه الرواية يتساءل هل هي رواية احتجاجية علي وضع المرأة في مجتمعنا ؟ هل هي رواية أنثوية أم دفاع عن الأنوثة ، فالرواية رواية رجل جد عسكري ، عسكري النزعة ، انتزع حفيدته من أمها بعد وفاة زوجها الذي هو ابنه ، وتربط الأم في رسائلها إلي ابنتها بين هذا الحدث الشخصي وكيف ساهمت العسكرية في إزاحة الأنثى المقدسة عن عرش الألوهية وكيف حولت العالم إلي ساحات للحرب والإبادة ، وتراوح العلاقة بين الابنة وزوجها عبده ما بين الاشتهاء والإقصاء ، الاشتهاء الجنسي العنيف ، المهم عنده أي عند الزوج عبده أن يستمر الحوار وبعد الحوار ندخل في المدار : حبيبتي فكي شعرك ، فكانت إجابتها : ابعد عني ، واقتربت نهاية الرواية ، وهكذا تتلخص قضية الرواية فيما أزعم في هذه القضية المتضاربة التي عبرت عنها الأم وهي توجهها إلي ابنتها : رأيتك تكبرين كما تكبر النساء في بلادي ، علي الدرب ذاته الذي رسم لهن ، ذلك الدرب الجامع بين الاحتياج الملح للمرأة والإصرار علي إقصائها واحتقارها . ويسعد نادي القصة أن يناقش هذا العمل الفريد أربعة من كبار مبدعينا هم بالترتيب الهجائي : جمال الغياطي ، سامي خشبة ، د.فيصل الحفيان ، محمد السيد عيد .

وقد قدم الكاتب الكبير جمال الغيطاني رؤية إبداعية نقدية ، قال : أولا ألتقط وصف كاتبنا الكبير يوسف الشاروني للعمل بأنه فريد ، وهو عمل فريد فعلا في الكتابة الرواية ، وعندما أتكلم عنه لا أستطيع أن أفصل بين الشخصي وبين الأدبي في تقديمي ، لأني في حوار مستمر مع د.يوسف منذ أكثر من ربع قرن ، هو له طريقة خاصة في الحكي وله ذاكرة لم أعرف أديبا أو باحثا يتمتع بمثلها ، ذاكرة حادة ، تحتفظ بنصوص عديدة جدا وحكايات وموروثات شعبية ، أذكر أنه من حوالي عشرين عاما كانت تتلبسه حالة من الحكي فسألته بدهشة : لماذا لا تفكر في كتابة الرواية ، لعله يذكر هذا الحوار بيننا ، شخصيا لم أفاجأ عندما أخبرني أنه انتهي من عمل روائي ، لأني أعرف أن عنده هذا الهاجس ، لكن المفاجأة كانت في النص نفسه ، النص يستعصي إذا فكرنا بطريقة النقد العادية علي التصنيف، وهذا يلتقي معي من ناحية أنني ضد التصنيف ، يعني ربما في الثلاثين عاما الأخيرة فيما أكتب لا أفكر كثيرا في مسألة التصنيف ، الرواية يجب أن تكتب هكذا ، بل إن الدرس الذي استفدته منذ بداية مشواري الأدبي هو ألا أفرض قانونا مسبقا علي النص الأدبي الذي أكتبه ، بحيث لا ألتزم بقواعد أو قوانين بشرط أن يجيء النص أدبيا ، فالنص الذي أمامنا ( ظل الأفعى) نص مثير ، غريب ، لأنه لا يلتقي مع الأصول النصية الأخرى إذا جاز التعبير ولكن له قانونه الخاص وله رؤيته الخاصة ، أولا أعتقد أن النص ممتع علي مستوى قراءته .
نحن أمام نص يتكون من نسقين في رأيي الأول هو تلك العلاقة الفريدة التي طرفها عبده والأنثى نواعم ، وأرجو أن نتوقف هنا عند اختياره لاسم عبده ، فرغم المشاهد المكتوبة بأسلوب رفيع جدا يقف علي ناصيته الشعر والنثر ويصف فيه لعلاقة الحسية بشكل ربما أقول أنه فريد في الأدب العربي ، لكن هناك ثمة عبودية في هذا الـ(عبده) في مواجهة الأنثى ، فالأنثى أقام لها المؤلف صرحا من الفعل وصرحا الإلقاء والتلقي بحيث أصبحنا أمام علاقة فيها درجة عالية من الواقعية وفيها شطحات يستفيد منها د.يوسف زيدان من خبرته ومعرفته ، فهو ليس دارسا للصوفية فقط وليس محققا لنصوص مهمة ولكنه كان صوفيا بالممارسة ، مارس التصوف ومر بتجارب روحية عنيفة جدا ، ليس من أولئك المثقفين الذين يدخلون الصوفية من باب النص فلا يعرفون منها إلا الشكل ، هو عايش وعاني وكتب ، فهنا رغم التفاصيل الواقعية الشديدة والتفاصيل الحسية المذهلة التي فاجأني بها في وصفه لجسد المرأة وفي وصفه للعلاقة الحسية بين الرجل والمرأة ، لكن هناك ما يجعلني أقول أن هذه ليست علاقة حسية بالشكل الذي يمكن أن يتوقف عنده البعض ، ثمة شيء أكبر يلوح في إشارات وإيماءات سواء تتعلق بالأنثى الموضوع أو مسار العلاقة أو بموقف عبده من هذه العلاقة التي يتمرد عليها في النهاية ، ورغم التقديس الموجود للمرأة إلا أنني أتوقف أمام عبارة عندما يسير بمفرده ويقول سوف أحضرهن هنا واحدة واحدة وكأنه ينتقم من شيء ما ، لا أدري ما هو بالضبط ، هذا هو النسق الأول .
ننتقل إلي نسق أخر مغاير تماما في البنية وفي التركيب وهو الجزء الثاني من الرواية الذي يبدو متناقضا مع الجزء الأول ، لأنه نفاجأ أن الكاتب يفتح نافذة علي داخل هذه الأثنى من خلال الرسائل الموجهة إليها من أمها ، رسائل سيدة حاصلة علي الدكتوراه ، هنا حيلة فنية استطاعت استيعاب مستويات ثقافية عالية جدا ، أحيانا كنت وأنا أقرأ أرى أو أحس أنها تثقل النص ، يعني الاستعارات سواء من عشتار ، وعشتار لها معنى فيما يتعلق بالأنوثة ، هناك مثلا تلخيص لأوبرا كارمينا بورانا والتي لا يكف د.يوسف زيدان عن سماعها ويكاد يحفظها عن ظهر قلب ، لكن بعد أن انتهيت من قراءة الرواية وجدت أن هذه النصوص تلقي تفسيرات لرؤيته للأنثى ، بعض أجزاء الرواية فيها كتابة جديدة ، الرواية هنا ليست حدثا فقط ولكن مصدرا خصبا لكل ما يتعلق بالمعلومات المتعلقة بالأفعى الأنثى .، علي سبيل المثال يوسف زيدان عنده اشراقات غاية في الذكاء عندما يقول مثلا عندما أرادوا تشبيه الجيوش فقالوا الجيوش تزحف مثل الحية ، أيضا هناك معرفة بعالم الأفعي ، يكاد المرء يقول أنه أمام دائرة معارف صغيرة في معرفة الأنثى ومعرفة ما يتعلق بها في التراث الشرقي القديم وفيما يتعلق بالأفعي نفسها ، الأفعى التي كانت مقدسة ، الأفعى التي كانت مجنحة ، يعني عندما كان المصريون القدماء يريدون رسم رمز للحماية علي واجهة المعبد كانت ترسم الكبرى مجنحة ، رمز حماية ملوك مصر الأقدمين ، وكما يذكر د. زيدان جميع أنواع الأفاعي لا تبادر بالهجوم لكن تهاجم إذا هوجمت ، هذا الجانب طبقا للمقاييس القديمة كان يمكن للنقاد اعتباره مخلا بالبناء ، لكن نحن أمام بنية تتكامل من حيث النص الذي يفضي لمعلومة ومن حيث التأمل ومن حيث النص الشعري المقتبس من آخرين بالإضافة للمغامرة نفسها التي توصف العلاقة بين الرجل والأنثى ، طبعا العلاقة شديدة التعقيد ، وأرى أن هذه الرواية نص لتمجيد الأنثى ، لتمجيد الأنثى رغم موقف العقل رغم موقف الذكر من الأنثى التي علي علاقة بها والتي تبلغ مشاهد العلاقة الحسية في كثير من الصفحات درجة من الرفرفة والروحانية عالية جدا ، وخاصة عندما يفنى الرجل في المرأة ، لكن هو أيضا يؤكد أن هناك نظرة تتسرب من ألف ليلة وليلة عندما يصف العلاقة كأنها صراع ، وهو تقريبا تأثر بألف ليلة وليلة في هذا الجزء ، لأنه في ألف ليلة وليلة كان دائما التعبير الذي يستخدم هو تعبيرات عسكرية (فسلط عليها مدافعه فوجدها درة لم تسقب ومطية لغيره لم تركب) ويبدأ الكلام عن العلاقة وكأنه يتكلم عن معركة حربية بتعبيرات عسكرية ، يوسف زيدان تأثر بهذا في بعض المواقع في الرواية يقول ( قد لفه انتشاء لا محدود بهذا التحكم الفريد لم يأبه بجفاف حقولها ، لم يلحظ أن كل حصونها انهدمت ، وأنه دك كل أسوارها ، لم يكن منشغلا بها وإنما به ، به غضب موروث وقد آن وقت الانتصار والظفر ) معركة لكنها معركة بين عنصرين كل منهما يكمل الآخر ، لأنه رغم الوعي بهذه المعركة وحدة النزال في كل موضع في الرواية يؤكد الراوي أنه يكمل نقطة الدائرة والدائرة هي الأنثى في الأصل ، هناك مضمون فكري خطير في الرواية يفضي به إلينا يوسف زيدان مباشرة ببساطة وربما يساعده علي ذلك ثقافته الفلسفية العميقة وتأملاته في العلاقة بين الأنثى وبين الرجل ، بين عنصري الحياة ، ومسار الأنثى في التاريخ من خلال الأديان يعني علي سبيل المثال هو يفتتح أحد الفصول في تأملات بين اليهودية والإسلام ، أني أعتقد أن هذا عمل مثير جدا للجدل سواء علي مستوى كتابة الرواية لأنه يغامر بنا في طريق غير معهود في كتابة الرواية ، هنا لا يوجد فصل أول أو ثان ، هناك مغامرة في الكتابة أعتقد لا يوجد ما يشهد علي سلبية حركة النقد في مصر أكثر من أن هذا العمل ظهر ومر دون أن يحدث الأثر الواجب أن يحدثه ، لذا أشكر هذه الدعوة من هذا النادي العريق وأرجو أن يكون هذا اللقاء بداية للتعريف بهذا العمل الذي اعتبره عملا مستفزا ، الكاتب عندما يقرأ عملا لكاتب آخر يستفزه يستفزه للكتابة أيضا وهو عمل الحقيقة أرجو أن نتوقف عنده كثيرا .

وتعرض د.سامي خشبة للعديد من النقاط الجوهرية في تكوين نسيج الرواية كالمعرفة والثقافات القديمة ومعاصرة الرؤية والمعالجة قال : الأستاذ الشاروني أشار إلي شاعرية الرواية وهذا صحيح إلي حد كبير ، ووصفها أيضا بأنها رواية فريدة ، و هنا أضيف أنها رواية مدهشة ومعاصرة جدا ، معاصرة بمعنى أنها مكتوبة بطريقة أحدث ما قرأته من أعمال روائية لعدد من الروائيين الغربيين واليابانيين الكبار علي مستوى استخدم المعرفة في نسج مادة الرواية ، مثلا (بندول فوكو) رواية الإيطالي أمبرتو ايكو وهو عالم لغويات كما الدكتور يوسف أستاذ فلسفة وتاريخ علوم ، و بندول فوكو (اسم آلة من الآلات التي اخترعت في القرن الـ 16 عشان اثبات أن الأرض تدور) وهذا مجرد رمز للحلم ذي الشكل الخرافي وفي نفس الوقت له علاقة بالدين / الكنيسة ، في هذه الرواية كم معرفي كبير ، د. زيدان كتب روايته في حوالي 150 صفحة ومع ذلك لا تقل ثراء لا في الشاعرية ولا في المعرفة ولا في تدقيق البناء عن رواية بندول فوكو الضخمة في عدد صفحاتها ، شاعرية الرواية تتمثل في هذه الكثافة الشديدة جدا التي كتب بها زيدان ، كثافة وتركيز بالغان ، بحيث أن جملة أو عبارة أو مقتطفا من نشيد قديم من أناشيد الديانات الوثنية القديمة لعشتار أو أنانا ، إيزيس أو حتحور إلي آخر الربات في الحضارات القديمة ، نشيد صغير أو بيت شعري وسط نسيج النص يكثف به د.زيدان ما كان من الممكن أن يكتبه في عشرات الصفحات ، مع أنه في لحظات معينة يعتني بالتفاصيل الدقيقة مثل اعتنائه بتفاصيل اغتصاب عبده لزوجته التي ترفضه من موقف استعلائي ، وهنا أشير إلي أن الرواية لا تمجد الأنثى وإنما تعليها إلي درجة التقديس ، فتكوين الزوجة العقلي والذهني أعلي جدا أو مختلف كيفيا عن تكون الزوج عبده ، فالكاتب وضع الرجل في وضع دوني جدا ووضع المرأة في وضع عال جدا يجعلها بالنهاية كما لو كانت تجسيدا معاصرا وبشريا للربات القديمات ، وكأن أنانا وإيزيس وحتحور وعشتار تنزلن عليها .
إن السردية الكبرى التي لجأ إليها د.زيدان في الجزء الخاص برسائل الأم هي سردية الثقافات القديمة ما بين خمسة آلاف إلي خمسمائة قبل الميلاد وإن تجددت في الديانة المسيحية بالذات شخصية السيدة العذراء مريم ، تقديس الأنثى ، والاعتقاد بأن الربة الأساسية أو القوة الأساسية الخالقة للكون كانت أنثى ، هذه نظرية لا يستطيع أحد إثباتها بشكل كامل ، نظرية كمالتها أنه في بدايات الألف الرابع قبل الميلاد حدث ما يسميه الأنطولوجيون الانقلاب الذكري ، الرجال قاموا بانقلاب واستولوا علي السلطة ، طبعا السردية تحكي أو تقدم تخيلا لما تم وكيف ، الذي حصل أن الرجل صياد ، يرحل في الغابات والبراري والمرأة حامل بالطفل فتضطر للاستقرار ، ولأجل استقرارها كان لابد تنتج الغذاء فهي التي اخترعت الزراعة ، وتشعل النار للطبخ فابتكرت صناعة النار ، لابد أن تخاطب الأبناء ومن ثم هي التي اخترعت اللغة ، هذه الصورة المتخيلة قد تكون صحيحة وقد تكون خاطئة ، هذه السردية هي التي استند غليها زيدان في روايته ..

عالم التراث د.فيصل الحفيان تناول الرواية من جانبها اللغوي سواء فلسفة هذه اللغة أو ارتباطها بالموروثات اللغوية في التراث العربي والإسلامي والصوفي ، شاعريتها وموسيقاها وقدرتها علي تشكيل نسيج روائي متميز ، قال : أحسب أنني قادم من عالم ليس هو عالم النقد هو عالم التراث ، ولكن أيضا هناك نموذج أخر هو نموذج د.يوسف زيدان ، د. زيدان ليس روائيا ، ليس محترفا روائيا لكنه تراثي ، وأنا أسميه التراثي العتيد ، ولذلك أعتقد أن الرؤية التي سأدخل من خلالها إلي هذه الرواية هي رؤية مختلفة وتركز علي جانب معين ، لكن النقطة الأهم في رأيي أن هذه الرواية تثير العديد من الأسئلة ، ليس الأسئلة بمعنى السؤال والجواب ولكن بمعنى الإشكاليات ، أهم هذه الإشكاليات هي اللغة التي كتبت بها ، لغة تتأبي علي التصنيف شأنها في ذلك شأن الرواية نفسها ، عندما قرأت الرواية ـ وأنا أيضا كنت من القارئين لها قبل النشر ـ لأول مرة احترت أين أضعها ، كيف أصنفها ؟ هل هي عمل فكري أم عمل أدبي ، وبين الفكر وبين الأدب شعرت أن هناك منطقة وسطى استطاع الكاتب أن يجمع فيها هذا العمل الإبداعي ، هذه المنطقة الوسطى جاءت من خلال التقنية المستخدمة في الكتابة وأنا هنا أعتقد أنني ألمس أو أزيد تفصيلا إلي ما كان أشار إليه الكاتب جمال الغيطاني ، التقنية المستخدمة هي تقنية غير مستخدمة من قبل، نحن في هذه الرواية أمام طريقتين أو أسلوبين في الكتابة ، الأول أسلوب القص أو الحكي ، والثاني أسلوب الرسائل التي أرسلتها الأم إلي ابنتها ، بين القص والرسائل كنا سنظن أن هناك فجوة ما ستحدث لكن الكاتب استطاع تجاوزها لتكون الرسائل نصا إبداعيا، ومن ثم فنحن أمام عمل فني متكامل استخدم تقنية جديدة ليست مألوفة ، من هنا جاءت التميز الأول لهذا العمل الإبداعي ، وأظن أن هذا التميز لا يأتي كثيرا من أولئك الخارجين من حقل العمل نفسه ، يعني الروائي الذي بدأ روائيا وانتهي روائيا ربما لا يستطيع أن يفجأني هذه المفاجأة ، لأن القدوم من عالم آخر يحرك ـ في تقديري ـ مياها راكدة ، القدوم من عالم الفلسفة ، من عالم التصوف ، من عالم التراث ، هذا القدوم هو الذي أنتج لنا هذه التقنية التي لم نكن نجدها علي الأقل فيما نعرف فيما كتب في مجالات القصة والرواية ، الأمر الآخر الذي أريد الوقوف عنده هو اللغة التي كتبت بها هذه الرواية ، لغة يصعب تصنيفها وأري فيها انعكاسا لكل التكوين الثقافي والفكري للكاتب ، نحن نستطيع أن نجد في هذه اللغة التصوف والفلسفة والتراث ، وهنا ألفت النظر إلي أنه عندما كتب الرسائل في عناوينها يقول (رسالة ممزقة من أولها) وكأنه يستعرض مخطوطة فقدت صفحتها الأولى ، ورسالة بدون عنوان ، كل هذا عالم المخطوطات الذي أفرز لنا الكاتب ، عندما نأتي إلي اللغة التي استخدمها في الكتابة أجد أن هذه اللغة أهم ما يميزها في رأيي هو أنها لغة مقطرة ، بمعنى أنها ألفاظ قليلة لكن لها محملة بالأحداث والإيحاءات والظلال الكثيرة ، كيف استطاع أن يأتي بهذه الظلال بهذه الألفاظ ذات الظلال ، أنا أظن أن المنبع الأول الذي استقى منه أو الذي انعكس علي لغة الكاتب منبع اللغة الصوفية ، هذه اللغة التي نعرفها عند كل أو معظم الصوفيين المبدعين أمثال بن عربي والبسطامي والجنيد وغيرهم ، هؤلاء يكتبون بلغة رغم ما فيها من بساطة تشع ظلالا وإيحاءات ، لغة لا يمكن أن نراها في الأساليب العادية حتى للأدباء الآخرين غير الصوفيين ، لأن الصوفية أعطت للغة بعدا أخر علي أيدي أقلام هؤلاء الصوفيين ، هذا البعد الآخر هو الذي تحقق في هذه الرواية ، عندما يقول مثلا (أنا محبوس عنها بها) ، هذه اللغة الصوفية ليست الوحيدة التأثير في هذا العمل ، هناك أيضا لغة الفلسفة ولغة المنطق ، عندما يريد أن يصف ثوبا يقول (الثوب الجامع المانع) وكأنه حد منطقي ، هذه الخلطة الشديدة والواسعة من مختلف العلوم والفنون والمعارف التي شكلت تكوين الكاتب هي التي صنعت هذه الرواية شديدة التميز ، شديدة الخصوصية ، شديدة القدرة علي التعبير ، في رأيي أن اللغة عند يوسف زيدان في هذه الرواية ليست للتواصل ، أو للتعبير أو وظيفة جمالية فحسب ، هي أبعد من هذا ومن ذلك ، فعلي الرغم من تحقيقها للتواصل والتوصيل والجمالية إلا أن هناك أمورا أبعد من ذلك استطاعت أن تحقيقها من خلال هذه الرواية .
أظن أن هناك أمرا مهما شكل هذه الرواية أيضا وهو أن يوسف زيدان يصر دائما علي أن يكون دائما نصا ، حتى في أعماله النقدية في (التقاء البحرين) مثلا يريد أن يقول أنا أريد بهذا العمل النقدي أن أكون نصا موازيا للعمل الأدبي ، يعني لا يقل في درجته وأهميته عن العمل الأدبي نفسه ، يعني يريد أن يؤسس بهذه الطريقة في النقد منهجا أو طريقا لم يسلكه غيره ، هذا الإصرار علي النصية ، كأنه يريد أن يقول أنا لا أريد أن أكتب في ظل أحد أو أن أقفو أثر أحد ، أنا أكتب نصا مستقلا ، ومن هنا جاءت قضية التقنية التي استخدمها وجاءت قضية اللغة التي كتب بها .
لقد استطاع د.زيدان أن يثبت أنه روائي متمكن ، استطاع أن يحول لنا الفلسفة اللغوية والتعقيدات الفلسفية والشطحات الصوفية والخيالات الأدبية إلي نوع من المعرفة الإبداعية البسيطة القريبة الممتعة التي لا تبعد بالقارئ عن عالم القص الساحر وتشده أكثر وأكثر إلي متابعة الحدث وتعمق فهمه للحدث ودخوله في تفصيلات هذا الحدث .
د. زيدان في هذا العمل يشي بشيئين الأول هو افتنانه وتفننه في استخدام اللغة والأمر الثاني هو افتتانه باللغة ، وهذان الأمران لا تخطئهما عين منذ الكلمة الأولى في الرواية حتى نهايتها ، اللغة تتحول لديه إلي رواية ..

وقد انطلق الناقد محمد السيد عيد في تحليله للرواية من أكثر من زاوية منها الحدث الدرامي والشخصيات واللغة وقال : أعتقد أن المدخل لهذه الرواية لابد أن يمر بوقفة أو بحديث عن كاتبها ، فهو من كبار المتخصصين في التصوف ، والتصوف هو علم الباطن ولو نظرنا إلي أشعار المتصوفة لوجدنا أن هذه الأشعار التي تفيض بالحسية لا تعني أبدا المظهر الحسي ، فالتصوف له ظاهر وباطن ، وأشعار الصوفية أيضا لها ظاهر وباطن ، وفي تصوري أن هذه الرواية أيضا لها ظاهر وباطن ، الظاهر هو قصة الرجل عبده مع المرأة نواعم التي تزوجها وكيف بدأت من نقطة معينة وهي نقطة أنه حدث بينهما نوع من البعد وكيف تنتهي القصة بأنه استطاع أن يصل إليها لكن بعد أن انتهت لحظة الوصل انتهت بالفصل ، ربما لو نظرنا إلي الصفحات الأولى التي قدم فيها الكاتب أبطاله يمكن لنا أن نضع أيدينا علي السر في هذه الرواية ، يتحدث الكاتب عن الشقة التي تقطنها الزوجة أو التي سيدلف من بابها عبده لكي يري زوجته فيقف عند الدرجة التي تؤدي إلي الباب ويقول : (لماذا يتعلق قلبه بهذه الدرجة الرخامية العريضة ، هل لأنها علامة الوصول وقرب الولوج أم علامة الخروج من شقته الرطبة التي لم تعد تدخلها الشمس منذ صار المنزل تحت حصار الجدران الخلفية للعمارات الثلاثة المحيطة ، لا بل لأن هذه الدرجة الرخامية هي العلامة النهائية الفارقة ، نعم هي الفارقة بين الموت والحياة ، هي علامة وجودك يا عبده ) هنا سنجد عتبة الوصول ، الدرجة الفارقة التي تفصل بين الحياة والموت ، وحين يقترب من الباب يسمع صوت زوجته من الداخل تقول (محيطا بلا نهاية ، وحدي أنا سأبقى وأصير أفعى عصية) من الذي يبقي وحده في نهاية المطاف ؟ ، لغة الرواية فيها قدر كبير من الحسية وفيها أيضا مفردات صوفية ، نحن أمام تقنية تستطيع أن تخدع القارئ غير المتمرس أو غير المحيط بالثقافة الصوفية لكنها في تصوري رغم أن لها دلالة عميقة إلا أن لها ما يماثلها من أعمال الغيطاني
البناء الفني يتكون من جزئين الأول حدث درامي والثاني عبارة عن رسائل ، وهذا ليس جديدا تماما ، وهذا لا يقلل من قيمة العمل ، حيث أن لكل تجربة تفردها وقيمتها الذاتية .

أما سؤال د. فيصل الحفيان كيف لم يقع الكاتب في التقريرية والمباشرة في الجزء الخاص بالرسائل ، فأظن أن السبب هو العاطفة المتدفقة التي صبتها الأم في رسائلها لابنتها ، حبها لابنتها ، حبها لزوجها ، إشفاقها علي الجد المسكين الذي يفرح بالنجوم المرصوصة علي أكتافه ، العاطفة الموجودة داخل هذه الرسائل هي التي استطاعت أن تخرج بها من إطار التقريرية والمباشر .

محمد الحمامصي

[email protected]

العنوان الكامل للمادة:
محمد الحمامصي: الشاروني والغيطاني والحفيان وخشبة وعيد (ظل الأفعى) عمل فريد في الكتابة الرواية

نشر في 4/01/2007 3:40:00

‫0 تعليق