د. محمد الداهي: مقامات التوغل في الباطن والوجدان

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

يجمع سالم حميش بين مجالات شتى ( الرواية، والفلسفة، والشعر) تسعفه على معاودة النظر في الكون ومساءلته من زوايا متعددة. فهو ، على نحو عبد الله العروي وعبد الكبير الخطيبي، مضطر إلى تجريب أشكال تعبيرية لرؤية الحقيقة وسبر أغوارها من منظورات مختلفة. وهو أمر موكول إلى الإبداع لقدرته على التوغل في أعماق الوجدان سعيا إلى اكتشاف امتداداته الداجية.

أصدر سالم حميش كتابا تخييليا(fictionnel) (1 ) قد يثير لدى متلقيه نقاشا حول طبيعته الجنسية(générique) ووظيفته ضمن الأشكال السردية. وندلي بدلونا في هذا النقاش ليس لإضاءة جوانب معينة منه فقط، وإنما أيضا لإعادة تجنيسه مراعاةً لخصائصه البنائية.
1-جنسيّة الكتاب:
تبعا لما يوحي به العنوان ،يمكن أن يُقرأ الكتاب بوصفه جماعا من القصص الموسومة ب” الفكرية”. وفي هذه الحالة، قد يُستغنى عن التمهيد والحاشية بوصفهما عنصرين يشوشان ليس على تكامل محتويات الكتاب واتساقه فقط، وإنما أيضا على التعيين الجنسي المقترح له. و إذا أعاد القارئ الاعتبار إليهما بكونهما عنصرين أساسيين في الكتاب، فهو ، في هذه الحالة، سيضطر إلى التعامل مع القصص المُضمّنة كما لو كانت حبات عقيق تنتظم في قالب روائي متراص، أو حلقات من مشروع حكائي متكامل تتوالى أحداثه في خط تصاعدي للإفضاء إلى نتيجة متوقعة، وإن تخللته مفارقات زمنية(Aanachronies) ترتد إلى ما سبق أو ترهص بما سيحدث.
وإن كنت أميل في قراءتي ( قراءة من القراءات الممكنة) إلى الافتراض الثاني مستندا إلى تماسك المؤلّف واتساقه، فإني لا أقصي القراءة الأولى التي تبررها كثرة انشغالات القارئ واهتماماته. وفي هذا الصدد، يمكن أن يقتصر على قراءة قصة أو قصتين ثم يترك الكتاب جانبا ريثما تتاح له فرصة لقراءة قصص أخرى.
2-بنية الكتاب:
أ- التمهيد/ الحاشية:
إثر نجاح الانقلاب الأبيض الذي نفذه المارشال المتقاعد الناجي أبو الخيرات على طغمة الضباط الأغرار، قرر أن يهدئ الأوضاع ويخفف من كثرة السجناء بدءا من صنف غريب منهم ما زالوا تحت الحراسة النظرية لم تصدر في حقهم أحكام قضائية نهائية. وهم، في الغالب، متهمون بترسيخ أفكار ثاقبة وخطيرة في أفئدة الناس، فتفعل فيها ما لا يبعث على الارتياح ولا تحمد عقباه. وتم الاتفاق معهم على إطلاق سراحهم مقابل إمتاع الحاكم الجديد بقصصهم المصورة في شريط فيديو. ولما تسلم نسخة من الشريط، لم يعرها الاهتمام المطلوب، فظلت مهملة ردحا من الزمن. وفي يوم ما وقع اختياره عليها بمحض الصدفة، فاضطر إلى مشاهدته تحت تأثير التعب والسكر والاكتئاب. ولما استيقظ صباحا، استدعى نائبه إلى توبيخه على ما اعترى الشريط من قصور، وأخبره بتأجيل ملف الأسرى إلى أجل غير مسمى.
ب-القصص:
لما تأكد النائب من عددهم (اثنا عشر سجينا) قبل شرطهم مكرها. ويتعلق هذا الشرط بتقبل السجناء عرض قصصهم أمام عدسة الكاميرا مقابل أن يمضي النائب بنفسه رسالة إطلاق سراحهم ويسلمها لهم. و أوصاهم بكتابة قصصهم والتدرب على إلقائها حتى تتم عملية التصوير على الوجه المطلوب. وهكذا، اضطر كل واحد من المتطوعين أن يسرد قصة حياته مركزا، خصوصا، على ملابسات اعتقاله وحيثياته. وغالبا ما تدرجت القصة موضوعاتيا من تعريف السجين (السارد المتماثل حكائيا) بهويته إلى التشبث بمواقفه، مرورا ببيان فلسفته من الحياة، ثم إبراز دواعي الزج به في السجن وتلفيق تهم مغرضة ضده، ثم الصدع أخيرا بالكلمة الفصل(ما يتمنونه).
وفيما يلي بعض الملاحظات على بنية الرواية:
أ‌- ينتظم الخيط السردي في شكل بنية حكائية مُضعّفة: يشكل التمهيد والحاشية معا المحكي- الإطار، الذي يكشف عن مرامي السرد وغايته، ويميط اللثام عن ألاعيبه وتمويهاته. أما القصص فهي بمثابة محكيات مؤطرة تبين معاناة المعتقلين/ الساردين من عنت الاستبداد وشططه. وتنكشف في المحكي-الإطار لعبة مضاعفة يحاول كل طرف فيها أن يخذل الطرف الآخر ويضله عن الهدف المنشود. وإن تظاهر الرئيس المستبد بقبول شروط الاتفاقية، فهو يستضمر التنصل منها فيما بعد. وبالمقابل، يعرف المعتقلون، بسبب عدم ثقتهم في أهل الدولة، أن قصصهم المصورة في شريط فيديو مهما نالت إعجاب الرئيس ،فإنه لن يطرأ أي تغيير على مصيرهم المحتوم. و لذلك استغلوا فرصة تصويرهم لبيان ارتفاع معنوياتهم رغم ظروف السجن القاسية، وإصرارهم على الدفاع عن المظلومين والتشكيك في عدم نزاهة المحققين، والتنديد بغطرسة المستبدين وجبروتهم. وإن تناوب الساردون على إلقاء قصصهم أمام المصور، فإن وظيفة السرد حافظت على تدرجها الموضوعاتي، وسلطتها اللغوية المُفصحة، و مقاصدها الحجاجية ( التدليل على صحة أطروحة وزيف أخرى).
ب‌- تقصد الروائي أن يشيد صرح روايته تسنُّنا بعوالم ألف ليلة وليلة.بالإضافة إلى تضعيف البنية الحكائية، يقدم الحكي فرصة للمظلوم لمواجهة مصيره المحتوم. فكلما أحكم السارد خيوط الحكي ونسج منها قصصا ممتعة، كسب ود المسرود له وثقته. في ألف ليلة وليلة، استطاعت شهرزاد بذكائها ومخزونها الحكائي أن تستدفع الموت شيئا فشيئا وتكسب رضا شهريار وعطفه. أما في أنا المتوغل ، فإن المسرود له(الرئيس) لم يعثر على شريط الفيديو المُهمل إلا بمحض الصدفة وبعد مضي وقت طويل. ورغم ولعه بسماع العجائب، لم يعط للشريط ما يستحقه من المشاهدة و الاهتمام بسبب الاكتئاب و التعب والسكر. وهذا ما أحال دون أن يخلف الشريط أي أثر في نفسيته (سواء أكان إيجابيا أو سلبيا). ومن ثمة ننكشف ، منذ البداية، بعض خيوط اللعبة التي تبين عدم حصول أي تغيير في سياسة العهد الجديد، وتؤشر على عبث الحكام المستبدين بمصير رعيتهم، واستهتارهم بمشاعرهم، وعدم اكتراثهم بآرائهم و مواقفهم.” في فيديوتيك الرئيس ظل الشريط قابعا في جوار أشرطة أخرى، كفرانكانشتاين والملك والأسد وفانطوماس وسوبرمان، حتى إذا انتاب صاحبها ذات مساء قرف واكتئاب وقعت عليه يداه بمحض الصدفة في ليلة ممطرة، فأخرجه من لفافته وشغله، ثم استرخى على أريكة لمشاهدته بآلة التحكم عن بعد، فكان أن تابع لاهيا بعض قصصه وغفا أثناء أخرى تحت تأثير التعب وكؤوس خمره المفضل..” ص14-15.
ج-يتضح أن القصص المسرودة تستمد نسغها وحيويتها مما يكتنفها ويؤطرها. لم يسردها أصحابها لإمتاع القارئ ( وإن كان هذا هو المرمى البعيد) وإنما لإثارة استغراب الرئيس وإعجابه، وتليين قلبه لإطلاق سلاحهم. لكنه- ولأسباب يزعم بأنها تقنية صرف لا يتحملون فيها أدنى مسؤولية- يُطوى ملفهم لأجل غير مسمى. وهذا ما يمكن أن يزيد من حنقهم على الحاكم الجديد بعدما علقوا أمالا عريضة على وعوده بتبرئة ذممهم و تخلية سبيلهم( ). ولما نعيد قراءة الحاشية، يتضح أن الرئيس كان منشغلا بشرب الخمر و مُتْعبا ، وهذا ما فوت عليه شدة التركيز على محتويات الفيديو. ولتعليل عدم مشاهدة اللقطات المصورة، عاتب النائب على اختلالات شابت الشريط (عدم خضوع الشريط للميكساج والدبلجة بالفرنسية). وهذا ما يمثل العبث بعينه في تسيير المستبد لشؤون رعيته و معالجة القضايا الشائكة. ففي الوقت الذي أبدى، في البداية، استعداده لتلطيف الأجواء السياسية بدءا بإطلاق دفعة من المعتقلين، نجده بعض أيام من توليه الحكم يتخلى عنه لمواصلة المشوار الذي سار عليه سلفه ( الاستبداد بالحكم، إهمال شؤون الرعية ومشاكلها، تضييق الحريات العامة، العبث وشرب الخمر..).
د- وإن انتقل القارئ من قصة إلى أخرى، فهو مجبر دوما على استحضار وجود تقنيين مسخرين لتصوير السجناء الإثني عشر تباعا بعدما اكتسبوا موهبة سرد حيواتهم دون تعثر أو تلكؤ. وما يسترعي الانتباه أنهم لا يستعطفون الحاكم أو يتقربون إليه بشكل من الأشكال لنيل رضاه وعطفه ,وإنما يصدعون بما يجول في خواطرهم، ويكشفون عن حيف التهم الملفقة ضدهم وهم يتسلحون بما أوتوا من إيمان قوي وصبر وتحد. وترد في قصصهم عبارة تحيل على المسرود لهم ( يا أخوة الأسر) تبين أن الساردين المحتملين يوجدون خلف آلة التصوير يصغون بإمعان إلى ما يتلفظ به أحد أصدقائهم، وينتظرون دورهم بشغف وكلف لإبراز ما أصابهم من حيف وعسف. وبما أن جلسة الحكي شبه عمومية، فإن كل سارد يسعى إلى مضاهاة غيره، وتشنيف مسامعه بقصة جذابة ومثيرة، وتبيان مدى تشبثه بموقفه ورغبته في الاستشهاد من أجله. وتراوده فكرة، في حالة عرض الشريط على عامة الشعب، إبراز ما عاناه وقاساه من أجل إصلاح أحوالهم وإنصافهم.
ه -تتبع القصص المضمنة تدرجا موضوعاتيا (progression thématique) موحدا للتدليل على أطروحات فكرية ومذهبية. وهذا ما جعل هذه الرواية، على صغر حجمها وكثافة معانيها والتباسها بالجنس القصصي، تتخذ صبغة أطروحية؛ قوامها البرهنة على صحة مذاهب فكرية وإيديولوجية وسدادها، ومحاجَّة الخصوم السياسيين الذين يخالفون رأيهم ومسعاهم في الحياة الدنيا.
3-السمات الفنية:

اعتمد الروائي على تقنية تناوب ساردين مختلفين في أداء وظيفة الحكي للتعبير عن مواقفهم وأهوائهم وانفعالاتهم وأحلامهم. وإن اختلفت مستوياتهم وميولهم الفكرية فهم يمتحون معجمهم من لغة عربية مُعتقة( لغة المتصوفة والفقهاء) للتنديد بأوضاعهم الاجتماعية (تجمعهم الحاجة والفقر)، ومواجهة مظاهر الظلم والعسف في أي زمكان. وبين الفينة والأخرى، يتدخل الروائي بثقله لعكس مواقفه في مفاصل حكائية معينة لدعم الكادحين وإنصاف المظلومين أينما وجدوا، وتهجين كلامهم الفصيح بكلمات أجنبية أو عامية. وما يلفت النظر أن الروائي قصد عدم سرد الأحداث على خلفية تاريخية محددة، فهو تركها مشرعة على احتمالات متعدد تشخص أوجه الاستبداد وتبعاته في أي زمكان معين. فهي، بذلك، تعتبر أمثولة يجد فيها أي مظلوم التعبير الأمثل عما يقاسيه و يعانية في مجتمع مستبد لا يؤمن بالاختلاف. لم تسعف اللغة الواحدة والوحيدة الروائي (اللغة المغرقة في التفصح)على استثمار معضلة صورة اللغة ( رغم توظيف أشكال التشخيص الأدبي من قبيل التهجين والأسلبة والمحكاة الساخرة) في استيعاب التناقضات الاجتماعية والعينات الإيديولوجية. فهو اقتصر أساسا على تشخيص الصراع المحتدم بين المظلومين والحاكمين . وشيد هذا الصراع على خلفية لغوية لبيان المرجعيات الفكرية أو المذهبية التي تتحكم فيه. يوظف المظلومون اللغة الاجتماعية(sociolecte) للمتصوفة للتعبير عن استيائهم من الوضع، وتبرمهم من مباهج الحياة الدنيا، وإصرارهم على البحث عن السبل الكفيلة بهتك الحجاب للإمساك بالحقيقة الهاربة واسترجاع الطمأنينة المفتقدة(2). وتشخص الطغمة الحاكمة اللغة الاجتماعية للمستبدين الذين يؤمنون بالحكم المطلق، ولا يستسيغون اختلاف الآراء والأفكار،و اقتسام السلطة أو التداول عليها.

[1] سالم حميش: أنا المتوغل وقصص فكرية أخرى، دار الآداب،ط1، 2004.
[2] وهذا ما يدخل في تأطير القصة. انظر بوريس أوسبنسكي:” شعرية التأليف”، في : نظرية السرد، ترجمة ناجي المصطفى،منشورات الحوار الأكاديمي،ط1، 1989، ص 98.

نشر في 1/01/2007 6:10:00

‫0 تعليق