أدب رقمي: دراسات نظرية

شارل ساندرس بيرس (تقديم عام للأعمال الكاملة) / ترجمة: وديع بكيطة

تعد هذه الورقة ترجمة “للتقديم” الخاص بالمجلد الأول، من الصفحة عشرة إلى الثالثة عشرة، الذي هو جزء من عشرة مجلدات، ألفها طرف الفيلسوف الأمريكي شارل ساندرس بيرس (1839 -م1914) ما بين سنة 1866 و1914، وقد تركت كمخطوطات في الأغلب، قبل أن ترى النور على يد جامعة هارفارد وبالأخص قسم الفلسفة.
تقديم:
1) قام تشارلز ساندرس بيرس بدور مهم في تاريخ الفلسفة الأمريكية، بالرغم من أنه لم ينشر خلال حياته أي كتاب عن الفلسفة، وباستثناء فترة قصيرة نسبيا قضاها بالجامعة لم يشغل فيها أي كرسي لم يكن له أي تأثير على طلابه رغم كل هذا فقد أصبح معروفا بأنه مؤسس أحد أهم الاتجاهات الفلسفية التي أنتجها أمريكا.
2) البراغماتية، تطورت واتبعت كل من فكر الثنائي وليام جيمس وجون ديوي بدلا من مفاهيم “بيرس”، لكن بيرس، كما أكد جيمس وديوي بشدة، هو من حدد مبدأ هذا الاتجاه وأعطاه الزخم الأول. بالرغم من أنه لم يكن قائدا لهذه الاتجاهات الفلسفية. بل كان فقط كان منشأ الفكرة، لقد صاغ في كتاباته الكثير من المفاهيم التي بدأت حاليا تحوز على الاعتراف، وتوجد لديه أفكار لم يتم تطويرها لحد الآن بالكامل.
3) تمثل المقالات عن البراغماتية مرحلة واحدة فقط من عمله. كانت أدق أفكاره مكرسة للإشكاليات المنطقية: منطق التقسيمات والعلاقات، نظرية العلامات (السيميائية)، المنهج العلمي، الاحتمال والاستقراء، والتحليل المنطقي للرياضيات. تمثل كتاباته مساهمات مهمة في تطوير المنطق الرياضي الدقيق، في الفترة، التي امتدت بين “قوانين الفكر” لبول (Boole) ومحاضرات شرودر (Schröder). وبتطرقه إلى المنطق كموضوع يعرض كل النقاط الخاصة به.
4) تبلغ مقالاته المنشورة حوالي خمسة وسبعين، وهي مقالات عن البرغماتية وبحوث في المنطق ونقاشات هامة حول المشكلات الميتافيزيقية. يوجد لهذه المقالات المنشورة مراجعات تمثل ضعف العمل المنجز، يمكن للمرء أن يرى تنوع اهتماماته في هذه الدراسات، والتي جمعت مواضيع متنوعة ومتباعدة وغير متوقعة مثل الجيوديسيا، وعلم الفلك، التخاطر، وعلم الجريمة والبصريات. حُررت هذه الكتابات بعناية شديدة، ومما ساهم في عدم الكشف عن جانب آخر من “بيرس” الذي يتحلى بروح النكتة، والنضارة، وخفة العبارة، وغنى الأفكار، وغرابة الأطوار، والثقة بالذات، وعمله على الأنساق المنهجية الكبرى. تمثل العبارة التالية وصف جيمس ومضات العبقرية بـ”أنها ومضات من الضوء البهي ضد الظلام السيميري”. ظهر بيرس في كتاباته الأقل رسمية مثلما عرفه أصدقاؤه في هارفارد بنفس الشخصية، إبان الفترة العظيمة للفلسفة في مطلع القرن العشرين.
5) أصبحت المخطوطات غير المنشورة بعد وفاة بيرس سنة 1914، تحت وصاية قسم الفلسفة في جامعة هارفارد. ويصل عددها إلى المئات، لا تتضمن أجزاء منفصلة، وهي حصيلة عمره الطويل الذي كرسه للفلسفة وللعلم في مجموعة كبيرة ومتنوعة من المقالات، وهي غير مكتملة لا يوجد بها لا تاريخ أو عنوان، والعديد منها في غير مكانها أو مفقودة تماما. تمت إعادة كتابة بعضها ما يصل إلى اثني عشرة مرة. ومن الواضح أن بيرس نفسه لم يستطع اختيار شكلها النهائي بعد. نجد عند التعرف على بعضها أنها مسودات سابقة للكتابات المنشورة، ونجد بعضها الآخر يختلف تماما عن الكتابات المنشورة لدرجة أن أحدهم سيضعها موضع شك، تحتوي في الغالب على مقاطع أو أجزاء أطول، مما يثير إعجاب أولئك الدارسين الذي قاموا بفحصها ورأوا أنها ذات قيمة، وأوضح من تلك التي نشرت، وتوجد أيضا العديد من الدراسات المكتملة والطويلة، ومع ذلك لم تنشر، يمكن اعتبارها أحيانا من خلال المراسلات كمشاريع موجهة للنشر، ولسبب أو لآخر لم تنشر، كما لا يوجد ما يشير إلى هذا القصد، أي عدم النشر، لأنه كان يكتب انطلاقا مما يشكله ويصيغه في ذهنه، كما أن دراساته من هذا النوع تكون نسقية وممنهجة بدقة وتعرف استمرارية؛ وإذا تم نقض تلك الأوليات، فذلك لأن بيرس يراجع الاستطرادات بموضوعه، وتظهر الأجزاء التي لم تقبل عند النشر، وهي تظهر بوضوح الترابط بين فكره والطابع غير المنظم لكتاباته.
6) كان بيرس ذا عقل منهجي ومنظم في حياته، لكن لا مبالاة الناشرين بكتاباته حالت دون عرض كامل لفلسفته، وهو ما شكل مأساة لا يمكن تصحيحها الآن. فلا يمكن إعادة بناء أعماله بالكامل، وتعني المحاولة أخذ الحرية في التعامل مع المخطوطات وسياقها، ومقارنتها مع كتاباته المنشورة حول نفس الموضوع، ويعد هذا الاختيار أمرا صعبا. لأن هناك مقاطع مهمة ترتبط بسياقات أخرى ومواد أخرى لا يمكن تبرير إدراجها. من وجهة نظر أخرى، لا يمكن حذف هذه المقاطع لأن النظريات التي تقدم فيها مهمة جدا، على الرغم من أن بيرس لم يكن ليطبعها على تلك الحالة، وتوجد في الغالب مسودات بديلة لنفس الدراسة، تكون أدق ومتميزة في جزء أو جانب ما عن أخرى، يكون الاختيار ضروريا في مثل هذه الحالات، بالرغم من أن أي اختيار يوضع موضع تحسر.
7) عادة، يدقق بيرس في كتاباته، لكنه يكتب بجدية أقل، وهو في أفضل حالاته، ويعمل على أن يكون الأسلوب سهلا، خاصة في الموضوعات البسيطة والعابرة نسبيا، مثلما هو الأمر في الكثير من المساهمات الخاصة بالأمة (The nation) . ولم يسمح في أعماله المنشورة والأكثر جدية لأمر أن يمر إلا ودقق فيه وجعله واضحا ونسقيا. تعطي هذه الجدية (المخطوطات توضح ذلك) فكرا منظما وتفصيليا وتعيق بيرس عن الكتابة: يستخدم مصطلحات غاية في الدقة خاصة به؛ حيث يجب في الغالب رفض العبارة التي تم تحويلها بدقة أو الموجزة والملفتة للنظر، لصالح عبارة تقنية وأكثر دقة، وأكثر تعقيدا من أجل الكفاية. كما يجب أن نعلم أن هناك ركاكة في الأسلوب في بعض الكتابات الموجودة في هذه المجلدات، والتي لم يكن بيرس ليسمح لها بالبقاء على تلك الصيغة عند النشر.
8) تم جمع أهم مخطوطات بيرس وكتاباته المنشورة في حوالي عشر مجلدات، ستنشر بالتتابع؛ يحتوي المجلد الأول على الخطوط العريضة لنظامه، بقدر ما يمكن تقديمه، وكتاباته عن المنهج العلمي وتصنيف العلوم، ونظرية الفئات وعمله في الأخلاق. يتناول المجلد الثاني نظرية العلامات والمعنى، والمنطق التقليدي، والاستقراء، ومنهج البحث والاحتمال. ويعيد المجلد الثالث طباعة كتاباته المنشورة عن المنطق الحديث. ويحتوي المجلد الرابع على مساهماته غير المنشورة عن أسس الرياضيات والمنطق والرسوم البيانية. ويتضمن المجلد الخامس كتاباته عن البرغماتية. ويعنى المجلد السادس بالميتافيزيقا. وتحتوي المجلدات المتبقية ـ من المجلد السابع إلى العاشر ـ كما هو متوقع على كتاباته في الفيزياء وعلم النفس، بالإضافة إلى مراجعاته ورسائله وسيرته الذاتية.
9) تقريبا، كرس جميع أعضاء المختبر مع مهتمين آخرين ببيرس الكثير من الوقت لهذه المخطوطات غير المنظمة والشاقة، خلال الخمسة عشر عاما الماضية؛ وقد قام الدكتور تشالز هارستون بالعمل النهائي والشاق، فأعاد اختيار الكتابات وترتيبها وأعدها للنشر للصحافة، وهو مدرس سابق بجامعة هارفارد لمادة الفلسفة، كما ساعده الدكتور بول فايس، وهو أيضا مدرس لنفس المادة. ويقدم المختبر جزيل الشكر والامتنان للكثير من الأصدقاء الذين ساهموا بسخاء بتكلفة طباعة هذه المجلدات.
10) تم الاحتفاظ بعلامات الترقيم وتهجئة الكلمات كما وضعها بيرس، حيثما أمكن ذلك. ويتم تمييز العناوين التي قدمها المحررون للكتابات المنشورة مسبقا بحرف E، بينما يتم تمييز العناوين التي وضعها بيرس للكتابات غير المنشورة بـ P. لم يتم وضع علامة على عناوين كتابات بيرس المنشورة سابقا، وكذا على عناوين المحررين لأعمال غير المنشورة، وتوضع ملاحظات وإضافات المحررين في أقواس مربعة ذات وجه فاتح. ويشار إلى حواشي المحررين بعلامات مطبعية مختلفة، بينما يشار إلى حواشي بيرس بالأرقام. يتم ترقيم الفقرات بالتتابع في كل مجلد. ويوجد في أعلى كل صفحة أرقام تشير إلى المجلد والفقرة الأولى لكل صفحة، كما تشير جميع المراجع إلى أرقام الفقرات.

جامعة هارفارد
غشت 1931

ترجمة: وديع بكيطة
كلية الآداب والعلوم الإنسانية فاس – سايس

السابق
ما هو أفضل بديل لتطبيق واتساب يركز على الخصوصية: تيليغرام أم سينيال؟
التالي
سعيد بنگراد: الرقمية سند محايد أم نمط ثقافي؟