قضية الكتاب

محمد أسليم: الرقمية وتحولات القراءة

تمهيد:

تجتاز الكتابة والقراءة وضعا غير عاد في أيامنا هذه جراء ظهور الرقمية باعتبارها تقنية جديدة لتسجيل الذاكرة. ومع أن الكتابة سبق أن عرفت هذا النوع من التحولات، فالانتقال الجاري يتجاوز مجرد استبدال أداة بأخرى إلى مسّ جوانب أعمق، تهم الكتابة والقراءة وتنظيم المعرفة وطريقة التفكير نفسها، وهو ما لا نظير له سوى المرور من اللفافة (rouleau) إلى الدفتر (codex) الذي انطلق في القرن II ق.م. ولم يكتمل إلا في القرن VIم.(1). أبرزُ ما جاء به الحامل الجديد الذي قد يتعايش مع الورق لبضعة عقود، بطريقة لن تكون سلمية بالضرورة(2)، قدرتُه على تسجيل الخط والصورة والصوت في حيز واحد وبلغة واحدة (اللغة الثنائية 0 و1) ، ثم الفصل بين محتوى الكتابة ووعائها. وقد «يكمن جوهر مشكلة القراءة اليوم في انفصال المحتويات اليوم عن وسائطها»(3).

ورغم صعوبة الفصل بين الكتابة والقراءة في الحامل الجديد، بحيث يصعب إثارة جانب من التحول بمعزل عن غيره، سنحاول عرض ما نحسبُه أهم عناصر هذا الانتقال، وفق ترتيب يبقى مجرد محاولة ضمن محاولات أخرى ممكنة، وهي: القراءة ممارسة كلية الحضور، وتجدد مهارات القارئ ونشاط القراءة، وعودة القراءتين الجماعية والصوتية، ثم ما يُسمى بـ «القراءة المدعومة بالحاسوب».

  1. القراءة ممارسة كلية الحضور:

أصبحت القراءة اليوم ممارسة كلية الحضور، تُمارَسُ في سائر الأمكنة والأوقات وفي متناول الجميع، نظرا لإمكانية الاستنساخ اللانهائي للنص، وتعدد منافذ الوصل إليه، وتزايد حوامل القراءة، وتسريع وثيرة القراءة الموسعة، واستبدال النظام الخطي للكتابة وهرمية تخزين المستندات وترتيبها بما يسمَّى بـ «النص التشعبي». وذلك كله يرتبط بفصل النص عن حامله، وتحوُّله إلى كائن مجرَّد، ما أتاح له التنقل بسرعة الضوء.

بصرف النظر عن طبيعة النص، فإنه يُرقمن اليوم بتحويله، عبر برمجيات، إلى سلسلة من الأصفار والآحاد (0، و1) تخزَّن تستنسخها الآلة وتعيدها إلى شكلها الأصلي من خلال مجموعة من العمليات والبرامج المعلوماتية. وبما أنَّ إمكانية استنساخ النص أصبحت لا نهائية، فقد صار يكفي وضع متن ما في الشبكة العالمية فيصبح في متناول جميع القراء المعنيين به. وما يشاهده كل قارئ له على الشاشة هو في الواقع مجرد نسخة مطابقة من أصل واحد ووحيد موجود في خادم مزوِّد.

في هذا الصدد، وبخلاف الأصوات التي تدق ناقوس خطر تراجع الكتابة، يرى البعضُ أنه لم يسبق للبشرية أن قرأت كما تقرأ اليوم، وأنَّ الأمر لا يتعلق بأزمة قراءة، بل بتحول في هذه الممارسة المتأصلة في النوع البشري(4).

1.1. تعدد حوامل القراءة وإمكانيات الوصول:

يمكن قراءة النص الرقمي في حاسوب مكتبي، أو محمول، أو لوح رقمي، أو في قارئات متخصصة  (جهاز Kindle لشركة أمازون، وCybook لشركة Booken، وKobo لشركة الفناك، وPocketBook، وغيرها)، كما يمكن قراءته في هاتف ذكي. وتتميز هذه الحوامل عن الحامل الورقي بقدرتها التخزينية الهائلة، حيثُ تجمّع بعض القارئات 500000 كتاب، وهو عدد لن يقرأه المرء ولو سخر عمره كله(5). وتختلف القارئات المتخصصة عن الحاسوب بكونها مصممَّة خصيصا للقراءة، ومجهَّزة بأدوات تدعم هذا النشاط، كما لا يُمكن غالبا استنساخ الملف أو قراءته في غير الجهاز المخصص له، كما تقبل كل القارئات الاتصال بالشبكة، بخلاف الحاسوب الذي لا تعدو القراءة والكتابة فيه مجرد تطبيقين من بين ملايين التطبيقات التي يستطيع تنفيذها.

وفيما يقتضي الوصول إلى الكتاب الورقي التنقل جسديا إلى مكان وجوده (مكتبات، خزانات، أكشاك)، يمكن الحصول على النص الرقمي من سائر أنحاء العالم، بصرف النظر عن مكان وجوده، إذ يكفي التوفر على جهاز متصل بشبكة الأنترنت، فيتأتى اقتناء مستندات، أو كراؤها، أو تحميلها أو تصفحها مجانا من مكتبات نشر الأعمال التي انتقلت ملكيتها المجال العمومي، أو من مواقع رفع الملفات، أو من مواقع ومدونات، كما من صفحات بعض شبكات التواصل الاجتماعي مخصصة لنشر الكتب، أو من مواقع جامعات، وما إلى ذلك.

وقد ظهرت اليوم دورٌ متخصصة في نشر روايات تقرأ حصرا على الهاتف المحمول، حيثُ باقتناء القارئ لتطبيق الدار المَعلوماتي، يتوصل عبر هاتفه الذكي بإشعارات منتظمة تخبره بنشر فصل جديد من هذه الرواية أو تلك من منشورات الدار(6).

2.1.  النص التشعبي، القراءة المقطعية وعودة القراءة الموسَّعة:

النص التشعبي  Hypertexteمتن يتألف من مقاطع أو كتل يتم ربط بعضها ببعض بروابط أو وصلات، ويختلف عن النص الخطي بكونه يتيحُ مغادرة الشاشة قيد القراءة أو التصفح، في أي لحظة، إلى نص أو مقطع أو موقع آخر، ومن هذا إلى آخر، ومن ثالث إلى رابع، إلى ما لا نهاية، وذلك بمجرد النقر بالماوس (أو الفأرة) على كلمات أو عبارات أو صور أو أيقونات مُميَّزَة، تسمى «روابط» أو «وصلات» تشعبية تذكِّرُ بالكلمات/المداخل التي تتخلل نصوص الموسوعات في إشارة إلى وجود تقاطعات بين موضوع القراءة ومواضيع أخرى. يمكن أن يكون النص التشعبي في مدار مغلق، لا يقتضي الاتصال بالشبكة، فتكون حدود النص وفضاء التنقل فيه قرصا مُدمجا أو شبكة محلية، كما يُمكن أن يكون في مدار مفتوح، فيصبح النص لا نهائيا أحيانا لأن مجال التنقل قد يصير هو شبكة الأنترنت.

وفي بعض «الأعمال التشعبية التخييلية»(7)، تُعرضُ على القارئ عدة مداخل للقراءة، فيختار بدأ تصفحه من أي مدخل شاء، لكن بتقدمه في القراءة، وتوالي نقره على الروابط يجد نفسه في مكان من الحكاية لن يتأت له الوصول إليه في قراءة ثانية، وبذلك لا يقرأ القارئ الواحد النص نفسه مرتين، كما لا يقرأ قارئان النص نفسه وإن بدآ قراءته بشكل متزامن، لأنَّ اختلافات مسارات القراءة تتعدد وتختلف حسب كل قراءة، ما يجعل النص مقولة نظرية أكثر منه حقيقة واقعية، ويجعل القارئ هو كاتب ما يقرأ، لذا، يقترح البعضُ تسمية هذا النوع من القراءة بـ «الكتاءة(8) écrilecture» (من «كتابة écriture» و«قراءة lecture »).

بالإمكانيات السابقة، تخلص القارئ من قيود خطية الكتاب التي تعرض المعلومات بنظام لا يسمح بقراءة النص، ولاسيما السردي، عشوائيا ومن أي مكان فيه. ويرى البعضُ أنَّ أهمّ ثورة في تاريخ القراءة على الإطلاق يتمثل في تمكين القارئ من هذه الأداة للتنقل داخل النصوص وبينها، فاقترح تسميتها مجازا بـ «جهاز التحكم عن بُعد (9)Remote contrôle»، مع الاعتراف بعجزه عن تحديد مكان وجود هذا الجهاز بالضبط مثلما لا يستطيعُ قارئ النص الرقمي تحديدَ مكان وجود ما يقرأه ولا تحديد هويته إذ لا يعرف «هل هو في الشاشة، أم في الذاكرة العشوائية )ـ(Ram أم في القرص الصلب»(10).

يرى أكثر من باحث أن لهذه التقنية آثارا إبستيمولوجية، تتمثل في تفكيك عناصر: المكتبة ونظام الخطاب وتصنيف المعارف والاستدلال المبني على الإحالة(11)، كما تأسست منذ ظهور الدفتر في القرن IIق.م. وتطورت إلى غاية عصر الذي بدأ في منتصف القرن XVم. وبذلك أصبح بإمكان القارئ أن يجمع، من خلال هذه التقنية، بين قراءة نصوص أدبية وأخرى فنية وثالثة علمية، كما صارت محركات البحث، وهي تقنية وفرتها الرَّقمية، توافي المستخدم بكل الصفحات ذات الصلة بموضوع بحثه، بصرف النظر عن مؤلفيها وتخصصاتها، وأماكن وجودها وأزمنة تأليفها وأوقات نشرها، ما يجعل النت بمثابة مكتبة ضخمة تعيد ترتيب رفوفها ووثائقها تحت طلب كل عملية بحث أو قراءة، وتُمكِّنُ القارئ من ربح «حريته من خلال إدخال اهتماماته الخاصة في فعل القراءة»(12).

ويمكن لتقنية التشعبي أن تمد الحقل التربوي بأداة فعالة للربط بين مختلف مكونات الدرس الواحد، وبين دروس المادة فيما بينها، وبين دروس التخصص (اللغة العربية، مثلا) وسائر التخصصات المجاورة (التاريخ والجغرافيا واللغات الأجنبية، وما إلى ذلك)، ما يفك العزلة عن المواد والمعارف، ويُعطي للتعلم طابعا شُموليا، من خلال مدّ جُسور بين سائر الدروس والمواد والأسلاك التعليمية، و«إعادة تسييق recontextualisation» مضامين التعليم بوضعها في بيئاتها.

وإذا كانت قراءة النص التشعبي تخلص من قيد قراءة النص من البداية إلى النهاية، فإنها تفضي في الوقت نفسه إلى ظهور نوع جديد من القراءة يسميه الكثيرون بـ «التجوال Zpapping»، وهو القفز بين فقرات النص الواحد والانتقال السريع من صفحة إلى أخرى، ومن موضوع لآخر. وقد أظهرت إحصائياتٌ أنَّ هذا النوع من القراءة شائع بين معظم قراء الشبكة، حيثُ لا يكتفون فقط باعتماد محركات البحث للوصول مباشرة إلى نصوص القراءة، بصرف النظر عن سياقها وأماكن وجودها (فصل في كتاب، جزء من مجلد، وما إلى ذك)، بل ويستعينون أيضا بمحرك البحث الذي المتصفحات للتنقيب في صفحة القراءة المعروضة على الشاشة فلا يقرؤون، من المقال أو البحث إلا المقطع الذي يعنيهم، ثم ينصرفون إلى صفحات ومقاطع أخرى(13).

وإذا كان البعضُ يرى في هذا النوع من المطالعة أحد أعرَاض تأزيم الرقمية للقراءة، حيثُ تحولت هذه الممارسة إلى مجرد قفز ونط فوق المعلومات والنصوص أو «جت سكي» على حد تعبير صاحب مقال «هل يجعلنا غوغل بلهاء؟»(14) الذي أثار ردودا كثيرة، تبين من خلالها وجود «سجال اليوم بين الذين يرون في الرقمية خطرا يُجازفُ بتحويل الطريقة التي يفكر بها دماغنا ويستوعب بها المعلومات وبين الذين يرون في الرقمية دليلا على تفوق النت الذي يفتح آفاقا جديدة في طرق إشراك القارئ في قراءته»(15)… إذا كان البعضُ يرى في ذلك التصفح تأزيما للقراءة، بعد أن كانت إنصاتا طويلا للكتاب، فإنَّ البعض الآخر، لا يرى ضرورة تفضيل إحدى القراءتين على الأخرى، لأن «فعل القراءة هنا لا يطرأ عليه تحول في العمق»(16)، وخسارةُ العمق يعوِّضُ عنها ربحٌ هامّ، إذ «تكتسب قراءة النصوص السرعة وشساعة مدى المقروء»(17)، ما يجعل كم المقروء في هذا السياق يفوق كثيرا نظيره من قبل، وإن كانت القراءة هنا تتم بجُرعات قليلة(18). وفيما رأى مؤلف كتاب «مرثية جتنبرغ» «في تقنية الحاسوب رجسا من عمل الشيطان موجها ضد الكتب»(19)، وتوقع أن تكون «قراءة المكتوب سائرة في طريق الانقراض، وأن الخطأ في ذلك يعود إلى شبكة الأنترنت»(20)، يرى البعض الآخر في هذه الظاهرة نتيجة طبيعية لدخولنا «عصر ما هو قصير l’ère du cours»(21).

إذا صحَّ هذاَ، فمعناه أنَّ ما يُسمى بـ «القراءة الموسَّعة extensive» تعرف الآن عودة، لكن بوتيرة أسرع ونصوص أقصر. لقد كانت هذا الاصطلاح من نتائج ابتكار المطبعة، ويُشار به إلى قراءة عدد كبير من الكتب، بسبب وفرتها، مقابل قراءة أخرى تُنعتُ «مكثفة  intensive»، كانت تقتصر على بضعة كتب، تقرأ وتعاد قراءتها، إلى أن تُحفظ أحيانا عن ظهر قلب بسبب ندرة المخطوطات وصعوبة الوصول إليها قبل اختراع المطبعة. واليوم، جراء توفر القارئ على كمّ هائل من الوثائق، وتقنية للوصول إليها والوصل بينها، فقد صار قادرا على التنقل بين حشد من سائر أنواع النصوص، لكنه يكتفي بقراءة مقاطع منها بدل قراءتها كاملة، ما جعل البعض ينعت هذه الاستشارة بـ «القراءة المتشعبة (أو التشعبية) L’hyperlecture»(22).

2. تجدد مهارات القارئ وفعل القراءة: التهجين، التفاعل والمشاركة:

إضافة إلى ما سبق، فقد طالت الكتابة تحولات تقتضي إعادة النظر في مفهوم النص وتتطلب من القارئ أن يتوفر على مهارات جديدة غير تلك التي اعتاد على استعمالها في قراءة النص الورقي.

1.2. مهارات جديدة لقارئ جديد:

يحتاج القارئ على الجهاز الرقمي أكثر من مجرَّد معرفة أساسيات استعمال الكمبيوتر، إذ يتعين عليه أن يعرف نظام تشغيل آلة القراءة، وكيفية الاتصال بشبكة الأنترنت، واستخدام المتصَفِّحَات، ومحركات البحث، والتجول عبر المواقع، واستعادة تاريخ التصفح لتذكر مسالك الإبحار، وكيفية تنزيل النصوص وتخزينها لقراءتها بعد الانفصال عن الشبكة عند الاقتضاء، ومعرفة تطبيقات القراءة المتنوعة بتنوع صيغ النصوص، وطباعة الوثائق على الطابعة إن شاء قراءتها ورقيا. بذلك، خلافا لما كان عليه الأمر مع الحوامل المادية، حيثُ كان النصُّ والوعاء يشكلان جسدا واحدا، وكان يكفي إمساك المكتوب فيمكن بدء القراءة، لتتنوع بعد ذلك أشكالها (عادية، سطحية، متصفحة، عالمة، وما إلى ذلك)، ليست القراءة على الحاسوب سوى إحدى خمس وظائف يؤديها، وهي: الكتابة (إدخال البيانات)، والتخزين، والقراءة (معالجة المعلومات)، والبث، ثم الاستقبال. وتغطي هذه المهام النصوص الخطية والسمعية والبصرية، خالصة كانت أو هجينة.

وكل هذه العمليات، تتطلب استخدام اليد وتركيز الذهن. ولدى قراءة النصوص المتعددة الوسائط، يتعين على القارئ أن يستخدم عينه ويده وأذنه وذهنه، ما يُجدِّدُ الصِّلَة، على ما بزمن اللفافة، حيث كانت القراءة تقتضي تعبئة الجسم بكامله.

2.2. النص المركب ومراجعة مفهوم القراءة:

أكسبت الرقمية النصَّ طبيعة مركَّبة أو هجينة،بحيثُ لم تعد اللغة سوى أحد مكوناته التي قد تشتمل كذلك عناصر خارج لغوية، إذ «في هذا السياق، يُعاد تشكيل دور اللغات أيضا، فيتعايشُ النص المكتوب والصورة والصوت (…) ولاسيما في الأعمال الرقمية التفاعلية، متمازجة فيما بينها، متجاورة»(23).

وبظهور الويب 2.0 في عام 2004، انتشرت هذه الظاهرة بشكل واسع، إذ يكاد لا يخلو منها موقع إخباري أو مدونة أو صفحة من صفحات التواصل الاجتماعي اليوم. ومن الباحثين من يَقترح تسمية هذا المرَكَّب من عناصر لغوية وأخرى غير لغوية بـ  «النص الهجين» أو «النص السايبروغ»(24) . ولهذا التهجين آثار على النص والقراءة والقارئ:

فالنص، بتحوله إلى أكثر من مجرد جسم لغوي، أصبح كائنا سميولوجيا بالمعنى الذي أعطاه سوسور  لهذا العلم، فلم تعد أدوات تحليل النص اللغوي وفهمه وتفسيره وتأويله كافية لقراءته. ويتم هذا الجمع بين اللغة والصوت والصورة، وأنشطة أخرى بما فيها اللعب، اليومَ أيضا في ما يسمى بـ «الكتاب المُعزَّز enrichi» و«كتاب الواقع الموسَّع(25) «réalité augmantée  اللذين يمكن اعتبارهما مظهرا من مظاهر منافسة الرقمية للكتاب الورقي الذي أصبح يُطلق عليه اسم «الكتاب المتشابه homothétique» عندما يُكتفى بإعادة إنتاجه رقميا(26)، وبما إشارة إلى محدوديته مقارنة بمنافسه الرقمي.

يشتمل الكتاب الموسَّع ، بالإضافة إلى النص، على كائنات أخرى مثل الفيديو ولاسيما الصوت، وتقتضي قراءته حاسوبا لوحيا أو هاتفا ذكيا(27)، أما كتاب «الواقع الموسَّع réalité augmenté»، فتُجهَّزُ نسخته الورقية بكاميرا تبث على الشاشة ما في الصفحة الورقية، فيُعالجه الجهاز (حاسوب، هاتف ذكي) ويعرضه عرضا ثلاثي الأبعاد يجمع أحيانا بين الصوت والحركة(28)، وبذلك يجمع هذا الكتاب بين القراءة على الورق والمشاهدة على الشاشة وممارسة ألعاب الفيديو والاتصال بشبكة الأنترنت بكيفية تلتحم فيها التكنولوجيا بالورق، وتؤثر على الحكي وميثاق القراءة في آن واحد(29)

يترتب عما سبق أنَّ اصطلاح القراءة بمعنى «فك رموز بصرية وفهمها» لم يعد كاف لتسمية تلقي هذا النوع من النصوص، ومن ثمة «قد يتعين إعادة تعريف ما هو فعل القراءة في عالم الرقمية، ذلك أن تأويل فيديو هو اليوم بالتأكيد هام مثل معرفة تحليل قصيدة شعرية أو رواية»(30)، لأن المطالعة صارت مفهوما مُركبا وصار أفق انتظار القراء الصغار يتجاوز فك الرموز الخطية إلى توقع «الاستماع، واللعب، والمشاهدة، والمشاركة. في هذا الصدد، صار يُميَّزُ اليومَ بين قراءتين: «رقمية» أو «ديجتالية»، و«ورقية» أو «تقليدية»(31)، ويميَّزُ في القراءة الرقمية بين قراءات: «متعدد الوسائط»، و«متعددة الحواس»، و«تفاعلية »، و«تشعبية»(32)، وما إلى ذلك.

وما يطبق على القراءة يصدق أيضا على القارئ الذي تغير أفق انتظاره، حيث «لم يعد يبحث فقط عن حكاية جيدة، بل عن تجربة متعددة الوسائط»(33)، ما يطرح السؤال هل الأمر يتعلق بقارئ أم بمستخدم؟ في هذا الصدد، ظهرت مجموعة من الاصطلاحات، مثل «القارئ الفاعل» أو «القارئ النشط letc-acteur»(34)، و«القارئ المتفرج أو المشاهد lector / espectator»، و«القارئ الجديد»، و«القارئ (في نسخته الثانية) 2.0». أيضا  هناك من يقترح استبدال اسم القارئ باصطلاح «الكاتئ(35)  «l’aucteur (من كاتب auteur وقارئ lecteur)، والإشارة إلى الكتابة باعتبارها قراءة بمصطلح «الكِتاءة(36) «l’écrilecture (من كتابة écriture وقراءة lecture)، وهناك من يطلق على قارئ الكتابات الرقمية التفاعلية اسم «القاتب lect-acteur» (من قارئ lecteur وفاعل acteur وكاتب auteur)، ويسمي هذا النوع من التلقي الذي تمتزج فيه القراءة والكتابة بـ «القتابة lect-acture»(37) (من «قراءة» و«فِعْل» و«كتابة»).

3.2. التفاعل، التفاعلية والمشاركـة:

بخلاف النص التقليدي الذي يدور «التفاعل interaction» فيه مع المقروء في ذهن القارئ، يتحقق هذا النشاط مع النص الرقمي في ثلاثة مستويات:

يرتبط الأول بطبيعة النص. فكما مرَّ معنا، تُخزَّن سائر أنواع النصوص داخل الآلة باللغة الثنائية (0، و1)، بحيثُ لا تُرى بالعين المجرَّدة، كما لا تُستَعَادُ إلا بتشغيل الجهاز وتدخل مجموعة من البرامج المعلوماتية باستعمال اليد وتركيز الذهن، وبذلك، فالنص المعروض للقراءة على الشاشة يكون دائما ثمرة تعاون بين القارئ والآلة ومجموعة من البرامج؛

ويتمثل الثاني في أنه مع ظهور الويب 2.0 سنة 2004، أصبح بإمكان قارئ أغلب المواقع (مدونات، صفحات إخبارية، منتديات، شبكات التواصل الاجتماعي، وما إلى ذلك) أن يتفاعل مع المقروء عبر حيز يُترَك له خصيصا لإبداء رأيه؛

أخيرا، تعتبر «التفاعلية interactivité» من المكونات الجوهرية لما يُسمَّى بـ «الأدب الرقمي»، وهو فن لا يغادر النص فيه الحاسوبَ أبدا كتابة وقراءة، وتعرَّفُ بأنها: «خاصية للعلاقة التي تنشأ بين القارئ والبرنامج، وهي قدرة تُمنَحُ للقارئ وإلزامٌ يُؤمَر به البرنامج، وتتمثل في كون العمل يمنح للقارئ قدرة يستطيع بها أن يؤثر في تركيب العلامات المعروضة للقراءة، من جهة، ويُلزمُ البرامجَ بضرورة استجابته لبعض المعلومات التي يقدمها القارئ، من جهة أخرى»(38).

إضافة إلى كون النص في الأعمال التشعبية لا يتحقق إلا بالنقر على مجموعة من الروابط، كما رأينا، يتيح بعض هذه الإبداعات التخييلية للقارئ أن يتدخل في النص نفسه، بدعوة من المؤلف وبتشجيع منه، وذلك بأن يضيف مقاطع إلى العمل المقروء.

وإلى جانب هذا الشكل للتفاعل، يمكن للقارئ أن يشارك في العمل بأحد ثلاثة أشكال: شخصنة القراءة، والتعاون في إنتاج العمل الأدبي، ثم إلهام المؤلف عبر موافاته باقتراحات(39)، ما يفيد أن علاقة الغياب المتبادل بين المؤلف والقارئ، التي وصفها بول ريكور بقوله: «أثناء كتابة النص يغيب القارئ، وأثناء قراءته يغيب المؤلف غائبا»، تشهد الآن تغييرا جذريا. فمع شبكة الأنترنت أصبح بوسع القارئ والمؤلف أن يتواصلا مباشرة بأكثر من شكل وقناة.

3. عودة القراءتين الجماعية والشفهية:

بالموازاة مع تجديد الرقمية لأشكال القراءة بكيفية ترسي أحيانا قطيعة مع القراءة على الحوامل المادية، تحيي الرقمية أيضا ممارسات قرائية سحيقة، كتلقي النص جماعيا وقراءته صوتيا. فقديما كان يقرأ دائما فرد على جماعة، وبصوت مرتفع، لقلة ممتلكي مهارتي الكتابة والقراءة، أو لاضطلاع الإلقاء بمهمَّة توضيح معنى النص، أو لندرة الكتب. وفي اليونان القديمة، كان بعض الشعراء يقرأ النسخة الأولى من عمله على متلقين، ثم يُعدِّل هذا المشروع على ضوء ملاحظاتهم واقتراحاتهم، فتكون النسخة النهائية ثمرة تعاون بينه وبينهم(40).

1.3. القراءة الجماعية:

تتم القراءة الجماعية رقميا اليوم ببرامج وتطبيقات معلوماتية كما عبر مواقع بشبكة الأنترنت. فبرنامج Google play الذي طورته شركة غوغل، على سبيل المثال، يمكِّنُ القارئ من الحصول على النص من مكتبة غوغل الرقمية بصيغة Pdf أو e-Pub. وباختيار الصيغة الثانية، يستطيعُ المستخدمُ ليس فقط أ، يغير نوعية الخط وحجمه، والتسطير تحت فقرات وتعابير، والنقر على مفردات كي يحصل على معانيها وترجمتها، بل وكذلك أن يدوِّنَ ملاحظاته بحيثُ يُشاهدها ويطلع عليها مجموع قراء النص في تلك اللحظة، كما يتأتى لهذا القارئ نفسه أن يطلع على ملاحظات جميع قراء النص الذي بين يديه(41).

بالإضافة إلى ذلك، تُوفر العديد من المنابر الرقمية (مدونات، نواد للقراءة، صفحات بمواقع التواصل الاجتماعي) فضاءات لتجمّع قراء كتابٍ مّا أو أعمال مؤلِّف معيَّن، كما تخصصت شبكات اجتماعية كثيرة في المطالعة، لتتيح لأعضائها القراءة ومتابعة كُتُبهم وكُتَّابهم المُفضَّلين، واكتشاف كتب جديدة، ومشاركة القراءة والتقييمات والاقتباسات والمراجعات الشخصية. ومن أمثلة هذه الشبكات الأجنبية BlablaLivre، وgoodreads، و Livraddict، وWattpad، ومن أمثلها بالعربية شبكات «أبجد»، و«مَدارج»، و«رَفِّي»، و«رَشْف». ولاشك «أنَّ الأمر (هنا) يتعلق بعودة إلى أشكال النصية السابقة لجتنبرغ وسيادة الكتاب المطبوع الذي قد لا يكون سوى قوس على وشك الإغلاق، وعودة إلى زمن كانت القراءة فيه جماعية (…) نجد اليوم هذه الممارسات للقراءة «الاجتماعية» في التعقيبات والشروح التي تُتَبادَلُ حول كتبٍ في المدونات الشبكات الاجتماعية»(42).

2.3. القراءة الصائتة:

ظلت القراءة ممارسة صائتة منذ ابتكار الكتابة، ولم تظهر القراءة الصامتة إلا في القرن VIم، لكنها بقيت هامشية، فلم تبدأ صعودها تدريجيا إلا في حوالي القرنين XI وXIIم. وبعد مرور زهاء قرنين على اختراع المطبعة (منتصف القرن XVم)، اختفت القراءة الجهورية شبه كليا، لتعود اليوم مجددا بأكثر من شكل، أهمها قراءة النصوص آليا، ونشر الملفات الصوتية.

1.2.3. القراءة الصوتية الآلية:

توفر خدمتها العديد من المواقع مجانا على شبكة الأنترنت، وللاستفادة منها، يكفي دخول أحد هذه العناوين ولصق النص المراد سماعه، ثم اختيار صوت من قائمة الأصوات المقترحَة (أنثوي، ذكوري، رخيم، رقيق، غليظ، وما إلى ذلك)، فيقرأ الجهاز النص بصوت مسموع، ويُسمح للمستخدم بحفظ نسخة من القراءة بصيغة mp3، ليتأتى له سماعها مجددا، متى شاء وكم مرة شاء، في كافة الأجهزة التي تقرأ هذا النوع من الملفات.

2.2.3. النص والكتاب المسموعان:

تنشر العديد من المواقع نصوصا وكتبا رقمية سمعية كلاسيكية وجديدة، في سائر أنواع الخطاب (شعر، رواية، تاريخ، دين)، وبسائر اللغات، ما يفيد أنَّ عودة القراءة الصوتية تتم اليوم عالميا. وتحصل بعض المواقع الأجنبية على موادها السمعية عن طريق ما يسمَّى بـ «التصدق بالصوت le don de voix»، حيثُ يتولى أشخاصٌ من منازلهم قراءة ما يحلو لهم من الكتب، مع تسجيل قراءاتهم وإرسال نسخ منها إلى هذا النوع من المواقع التي تضعه رهن إشارة زوارها.

على أن موقع يوتوب هو الذي يزخر بكم كبير من الكتب الصوتية في كافة مجالات الإبداع والمعرفة، ويتم هذا النشر على شكل أشرطة مفردة يسجلها مستخدمون شخصيا أو يجمعونها مما هو متناثر في  شبكة الأنترنت، ثم يرفعونها إلى الموقع، أو بشكل نسخ مقرصنة مما يباعُ من الكتب صوتية، يرفعها مستخدمون دون أن يكشفوا هوياتهم الحقيقية. كما يتم هذا النشر عن طريق قنوات في موقع يوتوب نفسه، ينشئها مستخدمون، يخصصها بعضهم لبث تسجيلات مقروءة بصوته، ويخصصها البعض الآخر لتجميع الملفات الصوتية المتوفرة في الموقع نفسه، وفق منطق معيَّن، ما يعيدنا إلى النقطة المثارة أعلاه، وهي تداخل الحقول المعرفية ومحو الحدود بين أجناس الخطاب وتفكيك المكتبة ولا نهائية إمكانية الربط بين النصوص، إلا أن النص هنا لا يتجاوز مفهومه التقليدي لخطيته، حيث يقتضي الاستماع من البداية إلى النهاية.

وإذا كان هذا النوع من القراءة يجدِّدُ الصلة بحقبة ما قبل المطبعة، حيث كانت ندرة المخطوطات تقتضي أن يقرأ النصَّ فردٌ واحدٌ على جماعة من المتلقين، فإنها تمِدُّ الحقل التربوي الراهن بإمكانيات كبيرة للاستثمار. فقد أظهرت تجاربٌ أن التلاميذ الذين يعانون صعوبة النطق (حبسَة dyslexie) أو القراءة، يتغلبون على هتين العقبتين بتكرار الاستماع إلى النصوص بقارئ لملفات (43)mp3، كما يمكن تشجيع التلاميذ على إنتاج هذا النوع من التسجيلات لتحفيزهم على القراءة أو حتى لتقويم اكتسابهم لهذه المهارة.

4. من قراءة الإنسان إلى قراءة الإنسان والآلة:

تتجاوز قدرات الحاسوب ما سبق إلى مساعدة القارئ في عدة مستويات تتدرج من الأكثر بساطة إلى الأكثر تطورا، من البحث المعجمي، ومحطات القراءة المدعوة بالحاسوب، إلى التحليل النصي والـتأويل المدعومين بالحاسوب.

1.4. أدوات الدعم البسيط:

تقدم الشبكة أدوات دعم كثيرة للقراءة، تتمثل في: أ) وجود عدد كبير من المعاجم على الخط، بمختلف اللغات، ما يتيح للقارئ أن يبحث في أي لحظة عن معنى هذه الكلمة أو تلك أو التحقق منه، وذلك بمجرد استشارة أحد هذه القواميس؛ ب) التحقق من النطق السليم للمفردات، الأعجمية بالخصوص، من خلال مواقع القراءة الصوتية، ومواقع الترجمة وكلها تقدم هذه الخدمة؛ ج) البحث عن موارد نصية وسمعية، وسمعية بصرية، ذات الصلة بالموضوع قيد القراءة ؛ د) البحث في الصفحة، من خلال محرك بحثها، عن مفردات معينة، فيتأتى الانتقال السريع إليها؛ هـ) التحقق من قواعد نحوية أو إملائية، وما إلى ذلك، من خلال وفرة المواقع المتخصصة في اللغة بجميع مكوناتها.

بالإمكانيات السابقة، يربح القارئ الجهد والسرعة والوقت، وبالتالي فمفهوم «السايبورغ» لن «يكون ضروريا جدا (فقط) لتحديد نوع القارئ الذي قد يتحول إليه طفل الغد»(44)، كما يطرح البعضُ، بل ينطبق بالفعل على كل من يقرأ في الشبكة لما يمتلكه من قدرات شبه خارقة مقارنة مع قراءته نفسها على الورق.

2.4. أدوات الدعم المتطور:

يُتيحُ الحاسوب اختراق سُمك النص، وإخضاعه لعمليات عديدة، كالبحث في قواعد البيانات، ومحطات القراءة المدعومة بالحاسوب، ثم التحليل النصي المدعوم بالحاسوب أو «الهرمنيوطيقا الرقمية».

1.2.4. البحث المعجمي Lexicométrie:

عن طريق برامج معلوماتية متخصصة، يمكن البحث عن تواتر كلمة أو سلسلة من المفردات في عدد ضخم من الكتب، في مجال أو عدة مجالات، في وقت سريع جدا، مع إمكانيات كثيرة لعرض النتائج، كأن تُرتَّبَ ألف بائيا أو حسب تواتر ورودها، وعرض سياق ترددها ، ما يسهل إنجاز دراسات، اعتمادا على هذه النتائج، حول موضوعات معينة تنكب على عمل واحد أو سلسلة من النصوص(45).

وتوفر هذه الخدمة أقراص مدمجة وبنوك نصية كثيرة في الشبكة(46). ومن أشهر المحركات العربية التي تقترب من هذا المجال موقع الموسوعة الشاملة www.islamport.com، إذ يتيح البحث في عدد ضخم من الكتب التراثية العربية المبوبة في العقائد وعلوم القرآن والحديث، وعلوم الفقه الإسلامي والعلوم الأخرى، وتحت كل باب يوجد العديد من الأقسام الفرعية؛

2.2.4. محطات القراءة المدعومة بالحاسـوب (47):

هي نوع من المكتب الفردي المخصصَّ للباحثين ، يشتمل على حاسوب شخصي متصل بنظام معلوماتي، ومن أمثلته محطات المكتبة الوطنية الفرنسية التي تشكل شبكة محلية توفر أداة جديدة وجيدة للقراءة، من أهم ميزاتها: أ) تمكين الباحث من الوصول إلى كاتالوغ المكتبة للحصول السريع على مجموع الوثائق الرقمية المتوفرة في الشبكة لاختيار وثائق منها؛ ب) انتقاء ملفات غير صوتية: صور ثابتة، مقاطع صوتية، بالخصوص؛ ج) إغناء هذا المتن بوثائق رقمية شخصية يأتي بها الباحث أو يأخذها من مصادر خارجية؛ هـ) إنجاز قراءة نشطة على هذا المتن الشخصي (الذي يُصبحُ بمثابة نص أو قاعدة بيانات) تتمثل في إجراء مقارنات، وإنشاء بنيات، وأخذ نقط، والبحث والتحليل النصيين، على نحو تتداخل فيه القراءة بالكتابة؛ و) اشتمال المحطة على طابعة وماسح ضوئي؛

وتؤدي القراءة المدعومة بالحاسوب وظائف عديدة أهمها: الوصول إلى الموارد النصية، وامتلاك الوثائق عبر تحميلها، والقراءة، والتنظيم الديناميكي للنصوص، ووصل الوثائق فيما بينها بتبويب لهذه الروابط يقبل إدخال تعديلات عليه، والترتيب والقاموس الأوتوماتيكيين، ونسخ النص أو مقاطع منه، ثم تحرير النصوص.

3.2.4. التحليل والتأويل المدعومان بالحاسوب أو الهرمنيوطيقا الرقمية:

بواسطة برامج متخصصة، مثل Hyperbase، وLexico، وSphinx الفرنسية، يقوم الحاسوب بالدراسة الشاملة للنص أو لكم كبير من النصوص، قد تكون هي مجموع أعمال مؤلِّف واحد أو عدة كتابات لأكثر من كاتب، كما يُمكن أن ينكب على حقبة زمنية كاملة. يتناول البحثُ المتنَ هنا في جميع أبعاده اللغوية، والمعجمية، والنحوية والتركيبية والدلالية والبلاغية(48)، ويتم على مرحلتين:

الأولى خطية كمية وتركيبية، تتدرج من قراءة النصوص والإبحار فيها، إلى الفهم والتفسير، فاختبار الفرضيات وتأكيدها، ثم الخروج باستنتاجات. أما الثانية، فتكون نصية تشعبية استبدالية وكيفية، وتنتقل من إحصاء الوحدات اللسانية إلى قياسها ومقارنتها لاستخلاص معنى الترددات المرصودة، فمساءلتها، ثم الوصول إلى استقراءات.

خلاصة

للتحولات السابقة انعكاسات على حقل التربية، إذ يثير أشكالا من القلق والمخاوف بقدر ما يطرح أسئلة على المربين، ويتجلى ذلك  في كثرة المؤتمرات والندوات والملتقيات المخصصة للكتابة والقراءة، ومبادرة معظم البلدان لوضع مخططات واستراتيجيات لتأصيل عادة القراءة أو إحيائها أو تنميتها، ما يعكس قلقا متزايدا بشأن تراجعها وحرصا على مستقبل الكتاب. وإذا كان من المجازفة رسم ملامح القارئ النموذجي الذي قد تفضي إليه الرقمية، بالنظر إلى أنَّ تحولات القراءة تندرج في سياق أوسع هو الانتقال من حضارة إلى أخرى مختلفة كليا، فالمحقق أنَّنا لم نعد نقرأ مع الحامل الرقمي كما كنا نقرأ من قبل. وحيثُ سنواصل القراءة لوقت قد يطول أو يقصر، فإنه «يجب علينا تثوير شكل كتابتنا وقراءتنا لنتمكن من استثمار الآفاق الجديدة التي يمنحنا إياها الحاسوب»(49).

هوامش:

(1) Roger Chartier, «Du Codex à l’Écran : les trajectoires de l’écrit», in Solaris, Dossier n° 01 (Pour une nouvelle économie du savoir):
http://biblio-fr.info.unicaen.fr/bnum/jelec/Solaris/d01/1chartier.html
(2)  Roger Chartier, «¿Muerte o transfiguración del lector ?», 26° Congreso de la Unión Internacional de Editores (Buenos Aires, 1 a 4 de mayo del 2000):
http://jamillan.com/para_char.htm
(3) Borstone Elisa, La crise de la lecture à l’ère du numérique», Hubert de Phalèse, site du centre de recherche Hubert de Phalèse, Dossier La littérature du papier au numérique, 2ème semestre 2014 :
http://phalese.fr/spip/IMG/pdf/la_crise_de_la_lecture_a_l_e_re_du_nume_rique_dossier_e._bortone_.pdf
(4) Nathalie Chrom, «Mutations de l’animal lecteur: les nouvelles pratiques de lecture», www.Telerama.fr, publié le 26/12/2013. Mis à jour le 24/12/2015:
http://www.telerama.fr/livre/mutation-de-l-animal-lecteur-les-nouvelles-pratiques-de-lecture,101239.php
(5) Thierry Karsenti, 25 principaux avantages du livre numérique :
http://karsenti.ca/25ebook.pdf

(6) من هذه المنابر، دار النشر المسماة «الفصل الأول premier chapitre»، وعنوانها هو:

http://www.premierchapitre.fr/wapp/v4/index.php?idk=818

(7) يُنظر على سبيل المثال:

– Lucy Butiny, NON-Roman , NON-roman, 1997-2000:
http://www.synesthesie.com/boutiny/
– Anne-Cécile Brandenbourger, Apparitions inquiétantes, 1998 :
http://www.anacoluthe.be/bulles/apparitions/jump.html
(8) Alain Vuillemin, Poésie et informatique II: approches, Astrolabe. Encyclopédie de la recherche littéraire assistée par ordinateur 2002:
http://www.musee.uottawa.ca/academic/arts/astrolabe/articles/art0025.htm
(9) Emilia Ferriero, «La revolución informática y los procesos de lectura y escritura», Estudios avançados, 11 (29), 1997, pp. 277-285 :
http://www.scielo.br/pdf/ea/v11n29/v11n29a15.pdf
(10) Isabel Galina Russell, «La lectura en la era Digital», Bibl. Univer, Nueva época, Enero-Junio, 2002, vol. 5, n° 1, pp. 11-15:
http://www.dgbiblio.unam.mx/servicios/dgb/publicdgb/bole/fulltext/volV12002/pgs-11-15.pdf
(11) Roger Chartier, «¿Muerte o transfiguración del lector ?», op.cit.
(12) Pierre-Antoine Chardel, «Apprentissage et hypertextualité à l’ère numérique», .implications-philosophiques, 25 juin 2012 :

Apprentissage et hypertextualité à l’ère numérique.

(13) José Antonio Millán, «Los modos de lectura digital», :en La lectura en España, Informe para aprender, Fundación Germán Sánchez Ruipérez, 2008, pp. 299-312.
http://www.lalectura.es/2008/millan.pdf
(14) Nicolas Carr, «Est-ce que Google nous rend idiot?», Le Monde, 05/06/2009 :
http://www.lemonde.fr/technologies/article/2009/06/05/est-ce-que-google-nous-rend-idiot_1203030_651865.html
(15) Hubert Guillaud, Le papier contre le numérique (2/4) : Lequel nous rend plus intelligent ? (dossier), Internet Actu, 10/02/2012 :
http://www.internetactu.net/2009/02/10/le-papier-contre-l%E2%80%99electronique-24-lequel-nous-rend-plus-intelligent/
(16) Alain Vuillemin, «L’avenir de la lecture interactive», Revue Texto :
http://www.revue-texto.net/Inedits/Vuillemin_Avenir.html

(17) نفسـه.

(18) José Antonio Millán, «Los modos de lectura digital», op.cit.
(19) Sven Bickerts, The Gutenberg Elegies,  The Fate of Reading in an Electronic Age, Boston & London, 1994.

نقلا من: آلبتو ما نغويل، تاريخ القراءة، ترجمة سامي شمعون، بيروت، دار الساقي، الطبعة الثالثة، ص. 159.

(20) سفن بركرت، المرجع السابق، نقلا عن:

– Gerbert Pauline, Les mutations du livre et de la lecture à l’ère du numérique, Mémoire de Master 2 professionnel de Lettres et Arts, Université Stendhal Grenoble 3, année universitaire 2009/2010 , p. 41.
(21) Yves Desrichard, «Accélération du livre», bbf  (Bulletin des Bibliothèques de France), septembre,2011, T.56, N° 5, pp. 58-62 :
http://bbf.enssib.fr/consulter/bbf-2011-05-0058-010
(22) Roger Chartier, «¿Muerte o transfiguración del lector ?», op.cit.
(23) Isa Bernardino Mestre, «Literatura digital o la reinvención de la lectura: desde la poética de la hobra abierta hacia la hypermedia», Humanidades Digitales: desafíos, logros y perspectivas de futuro. Janus, Anexo 1 (2014), pp. 329-333:
http://www.janusdigital.es/anexos/contribucion/descargar.htm?id=30
(24) Régine Robin, «Le texte cyborg», Littérature française, Volume 36, numéro 2, 2000, p. 11-38:
https://www.erudit.org/revue/etudfr/2000/v36/n2/005262ar.pdf

(25) يمكن مشاهدة نماذج منه على الرابط التالي:

Jekyll and Hyde Augmented Reality Book – All Examples:

(26) Claire Jeantet, La littérature adaptée en livres numériques enrichis : du livre-objet à l’objet numérique, Mémoire de Master des métiers de l’éditions et l’audiovisuel, Université Sorbonne, Paris IV, juin 2015, p. 3, 6 :
http://www.utc.fr/~wcostech/IMG/pdf/jeantet_me_moire_candide.pdf

(27)  نفسـه.

(28) يمكن مشاهدة نماذج منه في:

– Augmented Reality Book: iDinosaur & iSolar System

(29) Florence Rio, «Le livre augmenté : pour une innovation technique et narrative», Mémoires du livre / Studies in Book Culture, Livre et jeu vidéo / Book and Videogame Volume 5, numéro 2, printemps 2014 :
https://www.erudit.org/revue/memoires/2014/v5/n2/1024782ar.html
(30) Denis Tuchais, «Lecture-écriture numérique et documentation», Lire au collège, n°92 (02/2013):
http://www.educ-revues.fr/LC/AffichageDocument.aspx?iddoc=44869
(31) Leda Romero, «Lectura tradicional versus lectura digital», Correspondencias & Análisis, Nº 4, año 2014, pp. 63-75 :
http://www.correspondenciasyanalisis.com/es/pdf/v4/cnt/3_lectura_tradicional.pdf
(32) Lucía Fraca de Barrera, «La lectura y el lector estratégicos: Hacia una tipologización ciberdiscursiva», Revista Signos, 2009, 42 (71), pp. 431-446:
http://www.scielo.cl/pdf/signos/v42n71/a06.pdf

(33) نفسـه.

(34) Philippe Bootz, La littérature numérique, Les Basiques, 2006 :
http://www.olats.org/livresetudes/basiques/litteraturenumerique/4_basiquesLN.php
(35) Alain Vuillemin, «Poésie et informatique…», op. cit.

(36)  خص أحد النقاد هذا المفهوم بدراسة مستقلة صدرت في كتاب تحت عنوان: «مفهوم القِراءة كتابة من مجلتي الشعر الإلكتروني KAOS وalire»، صدر في رومانيا سنة 1999:

Gillot, Arnaud, La Notion d’«écrilecture» à travers les revues de poésie électronique «KAOS» et «alire», Timisoara (Roumanie), Hestia, 1999.
(37) Philippe Bootz, La littérature numérique, Les Basiques, 2006 :
http://www.olats.org/livresetudes/basiques/litteraturenumerique/4_basiquesLN.php

(38) نفسـه:

http://www.olats.org/livresetudes/basiques/litteraturenumerique/1_basiquesLN.php

(39) Ariane Mayer, L’impact du numérique sur la création littéraire, mémoire de recherche, HEC/MAC, 2012, p :14 :

http://www.thecampaign-hec.com/IMG/pdf_Prix_Memoire_Grande_Ecole_Ariane_Mayer.pdf

(40) آلبيرتو مانغويل، تاريخ القراءة، ترجمة سامي شمعون، بيروت، دار الساقي، الطبعة 3، 2011، ص. 275-276.

(41) Mayer, L’impact du numérique sur la création littéraire, mémoire de recherche, HEC/MAC, 2012, p :42 :
http://www.thecampaign-hec.com/IMG/pdf_Prix_Memoire_Grande_Ecole_Ariane_Mayer.pdf
(42) Catherine Bizot, «Métamorphoses de la lecture à l’heure du numérique», Lire au collège, n° 92hiver 2013 : De pages en [email protected]:
http://www.educ-revues.fr/LC/ListeSommaires.aspx?som=92
(43) Liliane Faure-Dumazer, «Lire grâce à des lecteurs mp3», Lire au Collège, Dossier de page en page, n°92 (02/2013) :
http://www.educ-revues.fr/LC/Enregistrement.aspx?iddoc=44877
(44) Pedro C. Cerrillo, Juan Senis, «Nuevos tiempos ¿nuevos lectores?», en Revista OCNOS, n° 1, 2005, pp. 19-33 :
https://www.revista.uclm.es/index.php/ocnos/article/viewFile/166/147
(45) Philippe Lavergne, «Lexicométrie», WebLettres. Le portail de l’enseignement des lettres:
http://www.weblettres.net/sommaire.php?entree=20&rubrique=75

(46)  يعرض المقال الآنف قائمة من هذه المواقع باللغة الفرنسية. ولمزيد من التوسع في البحث المعجمي المدعوم بالحاسوب، يمكن الرجوع إلى:

– Christian Féghali,«Introduction à la lexicométrie en vue de l’utilisation du logiciel de “Traitement et Analyse de Données Linguistiques” LiLex v.5.03», Citadelle. Un regard sur le Moyen Äge :
http://old.citadelle.org/magazine-12-139-Introduction-%C3%A0-la-lexicom%C3%A9trie.cfm
(47) Yannick Maignien, Jacques Vibrel, «Le livre électronique et le concept de «Station de lecture assistée par ordinateur», Hal, archives-ouvertes :
https://hal.archives-ouvertes.fr/sic_00000918/document
http://www.musee.uottawa.ca/academic/arts/astrolabe/articles/art0031.htm/Hermeneutique.htm
(49) Isabel Galina Russell, «La lectura en la era Digital», op.cit.

السابق
محمد أسليم: الرقمية، تحولات الكتابة وضرورة تجديد الدّرس الأدبي
التالي
سعيد بنگراد: الأدب الرقمي والجماليات المستحيلة