قضية الكتاب

محمد أسليم: الرقمية، تحولات الكتابة وضرورة تجديد الدّرس الأدبي

مدخل

تعرف الكتابة في ظل الوسيط الرقمي تحولات لم يسبق لها مثيل في تاريخ الحوامل، إذ لا تطال التغييرات فقط فعل التدوين ونتيجته، بل وكذلك بيئة الكتابة عامة، بما فيها الأدبية، من حيث المفهوم والمغزى… ففي سياق غزو الحاسوب لكافة مرافق حياتنا المعاصرة، كان من الطبيعي أن يُستخدمَ هذا الجهاز في الكتابة والقراءة. بذلك، لم يعد الكتاب الورقي الذي هيمن طيلة القرون الخمسة الماضية هو الحامل الوحيد لهذين النشاطين، بل أصبح مجرَّد وسيط بين حوامل أخرى، هي عبارة عن أجهزة رقمية (حاسوب مكتبي أو محمول، لوح حاسوبي، قارئات متخصِّصة، تلفاز ذكي، هاتف ذكي، وما إلى ذلك).

بتتبع تاريخ الكتابة والحوامل يتضح أنه كلما ظهر حامل جديد إلا وتأثرت الكتابة والقراءة به إلى حد قد يؤدي إلى ظهور أنواع جديدة من الخطاب، كما حدث في القرن II ق.م. عندما اكتُشفَ الدفتر، وفي منتصف القرن XVم عندما ابتكرتِ المطبعة. والتغييرات التي تجري أمام أعيننا اليوم لا تخرج عن هذه القاعدة. بل يمكن المضي أبعد؛ إذا كانت البشرية قد حققت نقلة كبيرة عندما حوَّلت الكتابة من صور ورسوم رمزية إلى حروف هجائية، فالآلة تنجزُ اليوم قفزة أكبر من خلال استبدال الحروف الهجائية لجميع لغات العالم بعدد محدود من الأكواد المعلوماتية، ثم عرضها على الشاشة بأشكال مقروءة. ومن الطبيعي أن تؤثر هذه التحولات على الوضع الاعتباري للنص الأدبي، من حيث الإنتاج والتداول والقراءة والتحليل والنقد والتدريس. تسعى هذه الورقة إلى إظهار أهم التحولات التي تعرفها الكتابة في ظل الرقمية، والدعوة إلى ضرورة تجديد الدرس الأدبي لمواكبة هذه التحولات.

الرقمية وتحولات الكتابة:

تُدوَّنُ المعلومات وتُستَعَادُ اليومَ بجهاز الكمبيوتر أو بأحد الأجهزة الرقمية. ويتم نسخ سائر أنواع النصوص، بصرف النظر عن لغتها الأصلية، عبر ترميزها بالنظام الثنائي 0 و1، في أقراص تزداد سعتها التخزينية يوما بعد يوم، مما يتيح حفظ كميات هائلة من النصوص المكتوبة والصور والأشرطة السمعية والسمعية البصرية. وبدون تدخل الآلة، لا يمكن إعادة هذه النصوص إلى شكلها الأصلي، بعرضها على الشاشة أو باستنساخها ورقيا بواسطة الطابعة. ويتم هذا العرضُ حاليا في الشاشة دون حاجة إلى إفراغ النصوص في حامل مادي. إذا أضفنا إلى هذا أنَّ استخدام الأجهزة الرقمية منتشر على نطاق واسع جدا، وأنَّ شبكة الأنترنت تسهل انتقال النصوص دون الاصطدام بحاجزي الزمان والمكان، كان من الطبيعي أن تشهد الكتابة حاليا تحولات جذرية، يمكن إجمال أهمها في: فصل النص عن الحامل، وغزارة الإنتاج، وتهجين الكتابة، وتحولها إلى نص مفتوح، ثم انفتاح آفاق جديدة أمام الإبداع الأدبي.

  1. فصل النص عن الحامل:

تُخزَّنُ النصوص بهيأتها الخامة في حيِّز لا يُشاهَدُ بالعين المجردة. ويُمكن استنساخ هذه الصيغة الأصلية الموحَّدة، بمنتهى السرعة وإلى ما لا نهاية، في أقراص صلبة أو مدمجَة أو محمولة، دونَ أن تتأثر الملفات المنسوخة بهذا النقل، إذ يتعذر التمييز بين الأصل والنسخة، ممَّا سَهَّلَ تدفق النصوص وتنقلها وانتشارها، سواء بحملها، أو برفعها إلى شبكة الأنترنت وتنزيلها منها أو بتراسُلها بالبريد الإلكتروني، وكَسَّرَ حاجزي الزمان والمكان، وجَعل النصَّ يتحول إلى كائن رحَّال nomade، وأشاع فكرة تحوُّله إلى كائن مُجرَّد immatériel. والتجريدُ هنا لا يَعني تخلص النص من المادة نهائيا. فالحامل الرقمي جسمٌ ُمادي قابل للَّمْس والحَمل والنّقل، ولكنَّ النص بداخله يكونُ في وضعية احتمال أو وُجُودٍ بالقوَّة، فلا يتحقَّق وينتقل إلى الوجود بالفعل إلا بتدخل مجموعة برامج. وهذه ظاهرة فريدة في تاريخ الكتابة، وتمثل أحد وجوه قطيعة الحامل الرقمي مع الحوامل السابقة. ففي السابق، كانَ النصُّ لا يقبل أن ينفصل عن وعائه، بأي حال من الأحوال. إذا تعرض هذا الوعاء للإتلاف تلاشى النصُّ، وفي غياب هذا الأخير يكفُّ الأوَّل عن أن يكون وثيقة.

وقد نتج عن هذا التجريد للنص تخليصُه من حامله، بحيثُ أصبح من الممكن الحديث الآن عن المحتوى بمعزل عن وسيط تجليه، إذ صَارَ مضمون النص شيئا ووعاء تجليه شيئا آخر مختلفا تماما. وبذلك، فالنص المخزَّن في شبكة الأنترنت يقبل الاستشارة أو التنزيل المتزامنين من لدن عدد من المستخدمين يمكن أن يبلغ الآلاف بل وحتى الملايين، فتصل إلى كل قارئ نسخة مطابقة للأصل، لكنها تُعرَضُ بأشكال وأحجام مختلفة حسب نوعية أجهزة القراءة، فتصبحُ إمكانيات التصرف في عرض النص واسعة جدا، إذ يُمكن للمستخدم تغيير نوعية الخط وحجمه ولونه، وما إلى ذلك، ما يقتضي إعادة النظر في أدوات التحليل والتأويل التي كانت تستند إلى الكتابة بصرف النظر عن وسائط تجليها.

وبتخلص النص من حامله، فهو اكتسبَ قدرة التجلي في أكثر من حامل، وبأكثر من وجه، بحيثُ صارَ لا يتجلى بهيأة واحدة في جهازين مختلفين. ويأخذ هذا التغيير بُعدا جذريا عندما يتعلق الأمر بالصيغة E-PUB. فخلافا لصيغة PDF التي تعيد إنتاج الصفحة في الشاشة بالشكل الذي كانت عليه في الأصل الورقي، سواء من حيث التصميم ونوع الخط وحجمه ولونه عدد الصفحات، الخ. بخلاف ذلك، إذ يُعادُ تصميم الكتاب المرقمَن بصيغة E-PUP أوتوماتيكيا تبعا لخاصيات جهاز القراءة، وبذلك يختلف عدد كلمات الصفحة، وبالتالي عدد صفحات النص نفسِه، من جهاز لآخر. ومن نتائج ذلك أنَّ حدود الصفحة تصبحُ متقلبة ومتغيرة بتغير الحوامل، مما يُحيلُ إلى لا جدوى نظامَ الإحالة المعتمَد في الكتاب الورقي الذي يتيح للقارئ والمؤلف معا أنْ يَعثرا على نص الإحالة وهامشها في مكان واحد. ليس هذا وحسب، فالصيغة الآنفة (e-pub)، تسمح للقارئ أن يغير نوع خط النص وحجمه، حسب رغبته. وبإضافة هذا إلى ذاك، يتضحُ أنَّ الحامل الرقمي قد أنهى احتكارَ الناشر للإخراج الفني للكتاب(1)، وأنَّ الرقمية تُفجرُ إطار الصفحة الثابت.

لقد أكسبت هذه العناصرُ النصَّ قوة، لكنها جعلته في الآن نفسه هشا ومُعرَّضا لـ «الموت» أكثر من أي وقت مضى؛ ففي حالة تعرض خادم Serveur أو موقع نشره للتلف أو القرصنة تتبخر النصوص نهائيا في غياب نسخة احتياطية من قاعدة بيانات الموقع. ويطلق ستيفان فيال، في كتابه «الكائن والشاشة. كيف تغير الرقمية إدراك العالم»، على هذه الظاهرة اسم «قابلية الإتلاف» و«إمكانية تحول الظاهرة الرقمية إلى لا شيء»(2)، كما يشتغل العديد من الأدباء الرقميين على هذا الجانب بالذات، كما سنعود إلى ذلك أسفله.

  1. غزارة التدوين:

أصبح بالإمكان تخزين مكتبة ضخمة تتألف من مئات آلاف الكتب في قرص صغير يُمكن وضعه في الجيب. وبالنقل المنهجي الجاري لليوم لما ظل محفوظا في الورق والأشرطة الممغنطة وسائر الحوامل السابقة، وبالإنتاج الغزير للمعلومات، فقد بلغ ما يُحفظ في الحوامل الرقمية أرقاما فلكية:

«يقول لنا اختصاصيو المعلوماتية إنه منذ اختراع الكتابة، قبل حوالي 3500 سنة قبل الميلاد إلى عام 2000، أي على امتداد 5500 عام، أنتجت البشرية في كوكب الأرض 5 هيكسابايت، أي 5 مليار جيغابايت. وبين عامي 2000 و2012، تم إنتاج 5 هيكسابايت في كل يومين، ومنذ 2013، تُنتَجُ 5 هيكسابيايت في كل عشر دقائق»(3).

ضمن الكم الهائل من البيانات الذي يُرقمَنُ اليوم، ونتيجة للهجرة الضخمة للمكتبات من العالم الواقعي إلى العالم الافتراضي، ظهرت معالم، كخزانة الكونجرس الأمريكي، والخزانة الوطنية الفرنسية، ومشروع جتنبرغ الرامي إلى رقمنة مليار كتاب، ومشروع غوغل الهادف إلى رقمنة 16 مليون كتاب، والموسوعة الشاملة العربية، وجامع الكتب المصورة، وموقع تنزيل 250 مليون كتاب مجانا بصيغة PDF، وما إلى ذلك.

ثم جراء تحرر الكتابة من حاملها المادي، زاد عدد المؤلفين بشكل غير مسبوق، إذ لم يعد المرء يحتاج المرور من حلقات صناعة الكتاب التقليدية ومصافيها للوصول إلى القارئ؛ يكفي أن يمتلك حاسوبا متصلا بالشبكة ومساحة للتخزين، وأن يستطيعَ رفع الملفات إلى موقعه، أو إلى موقع تسكين المجاني، وهاهو يُصبحُ مالكا لما يُعادل مطبعة ورقية، ودار نشر توزع منتجاتها في أرجاء الكوكب الأربعة، على مدار الساعة. ومن نتائج ذلك أن عدد المؤلفين بلغ اليوم أرقاما غير مسبوقة في تاريخ الكتابة الأدبية، نظرا لانتشار استعمال الأجهزة الرقمية المتصلة بالشبكة، ولكثرة أمكنة النشر الافتراضية وتنوعها. فعلى سبيل المثال، يجمع موقع wattpad.com للنشر الأدبي المجاني أكثر من مليوني مؤلف ينتجون 100000 نص في اليوم لقراء من كافة أرجاء العالم يبلغ عددهم 20 مليون قارئ، ما يجعل المفاهيم المرتبطة بسلسلة إنتاج الكتاب وصناعته تجتاز اليومَ مراجعة جذرية، كمقولات «الكتابة»، و«القراءة»، و«المؤلف»، و«القارئ»، و«الكتاب»، و«حقوق الملكية الفكرية»، وما إلى ذلك، وما قد يقتضي أيضا إعادة النظر في معايير اختيار النصوص الأدبية المدرَّسَة للتلاميذ.

وإذا كانت غزارة للتدوين قد وفرت عددا غير مسبوق من الوثائق، فإنها أيضا حققت أمنية وثائقية راودت الإنسان منذ القدم. فقد سعى آخر الملوك الآشوريين، وهو آشور بانيبال (ق. VII ق.م.) إلى تجميع كل ما كان مكتوبا في عصره(4)، من خلال مكتبته التي أنشأها لهذا الغرض خصيصا، وبلغ عدد ألواحها ما بين 25000 و30000 لوح. وعمل بطليموس الأول قبل ثلاثة وعشرين قرنا، من وراء إنشائه مكتبة الإسكندرية، على جمع أكبر عدد من المعارف المتوفرة في عصره في مكان واحد. وقريبا منا، تخيل الشاعر لويس بورخيس، في قصته «مكتبة بابل»(5)، إنشاء مكتبة كونية تشتمل على عدد لا نهائي من الكتب. وفي بدايات القرن الماضي سعى عالم المكتبات البلجيكي بول أوتليه PauL Otlet إلى إنشاء ما أسماه بالماندانوم(6)، كي يجمِّعَ فيه سائر معارف العالم (كتب، صحف، مجلات، ملصقات، وما إلى ذلك) في مكان واحد، للتقريب بين الناس بشبكة وثائقية ضخمة(7). وفي عام 1945، اقترحَ العالم الأمريكي فانيفار بوش ابتكارَ جهاز سماه الميمكس Memex، لتمكين العلماء والباحثين من الوصول إلى مجموع الوثائق التي أنتجتها البشرية، فيطلع كل واحد على ما يحتاج إليه، وينشر وثائق جديدة، فيندرج كل ملف أوتوماتيكيا في حقل انتمائه، بواسطة توارد الخواطر(8) association des idées باعتباره تقنية اشتغال الدماغ البشري. وفي مستهل ستينيات القرن الماضي، تصوَّرَ عالم الاجتماع الأمريكي تِدْ نلسون Ted Nelson مشروع إنشاء مكتبة كونية تكون بمثابة ماكدونالد عالمي للمعارف والآداب والعلوم والفنون بكافة أنواعها، يشتمل على كافة أنواع الوثائق، حيث يمكن لأي فرد من أي منطقة من أنحاء العالم أن يضع فيه وثائق ويأخذ أخرى منه (9).

وقد أثرت الرقمنة الهائلة التي تعرفها كافة قطاعات الحياة اليوم، وضمنها البحوث والوثائق والأعمال الإبداعية، والتي وفرَّت كمًّا غير مسبوق من البيانات، أثرت على الوضع الاعتباري لما يتم تدوينه، فلم تعد قيمة المعرفة (التي صارت مجرَّد معلومة)، بما فيها العلمية، تتأتى من صحتها أو صدقها، وإنما من قابليتها للمتاجرة في سياق الانتقال الجاري اليوم من «اقتصاد التخزين» إلى ما يُسمَّى بـ «اقتصاد التدفق».

وإذا كان اختراع المطبعة في ق XVم قد أدى إلى إنتاج أعداد كبيرة من النص الواحد، واتساع دائرة الكتاب والقراء بكيفية غير مسبوقة، فالعملية ذاتها تخطو خطوة عملاقة في عصر الشاشة، بما لا يدع مجالا للمقارنة بين الحدثين، ويطرح في الآن نفسه مجموعة من المعضلات، منها مشكلة إيجاد الحيز المادي لوضع أجهزة تخزين المعلومات، ومسألة زمن تخزين المعلومات: هل من الضروري الإبقاء على كل شيء أم يجب الاحتفاظ بمعلومات وإتلاف أخرى؟ وفي هذه الحالة، بعد مرور كم من الوقت؟ واستنادا إلى أي معيار؟ كما ينهي ما يسميه البعض بـ «قدسية النص» و«عبقرية المؤلف»، ويدعو في المقابل إلى نقل الاهتمام من المؤلف والنص إلى القارئ والقراءة وآليات الإبداع»(10).

  1. زعزعة استقرار النصَ:

يعرف رولان بارت النص بأنه نقل صور وتمثلات ذهنية إلى شكل لغوي مرئي، له بداية ونهاية، يُثبَّتُ في جسم مادِّي، فيكتسبُ جراء هذا الترسيخ صفة الاستقرار والديمومة الزمنية، ووحدة المعنى والشرعية، بخلاف النص الشفهي الذي يُعرِّضُ القولَ للتحريف والنسيان(11). وإذا كانت هذه العناصر تصبُّ في تفنيد حجج الموقف الذي يتنصر للذاكرة البيولوجية والتناقل الشفهي ويعارضُ الكتابة (سقراط(12)، على سبيل المثال)، فالتدوين الرقمي أكسب النصَّ سمات جديدة أفقدته استقراره وجعلت العناصر السابقة غير كافية لتحديده. من ذلك أنه صار مؤقتا، تتخلله عناصر خارج لغوية، و «ثقوب» أو «نوافذ» بمثابة ممرات تفضي إلى عناصر خارج نصية، وذلك فضلا عن فصله عن حامله المادي الذي كان يمنحه الثبات والرسوخ، كما رأينا أعلاه. بتعبير آخر، إذا كانت الكتابة قد جاءت لتضع حدا لبلبلة المشافهة، فالرقمية أعادت النص إلى المشافهة «إعادةً «لولبية» على حدّ تعبير الفيلسوف بيير ليفي(13)، لكنها أكسبتهُ، مع هذا الإرجاع، سمات تنتفي في القول الشفهي. فبخلاف هذا الأخير الذي متى تمَّ تدوينُه كتابيا، في حامل مَادِّي، صار مما لا مردَّ له ولا لتوابعه، يُمكن الآن تعديل النص المكتوب في الوسيط الرقمي إلى ما لا نهاية، مما ينقله من وضعية الوجود بالفعل والتحقق النهائي إلى الإقامة الدائمة في وضعية المؤقت ومحتمَل التغيير، ويضعنا بالتالي أمام هيئات عدَّة للكلام الواحد.

ثم إذا كانت الرقمية قد أعادت النص إلى بلبلة المشافهة الأولى، وجردته من صفات الثبات والاستقرار والحجية ووحدة المعنى، فإنَّها أكسبتِ المشافهةَ نفسها هذه الصفات، لكن مع نقل الكلام المنطوق إلى مرحلة جديدة أصبح فيها بالإمكان تسجيله سمعا وبصرا، من فم قائله، وفي سياق قوله، جراء انتشار استعمال الأجهزة الرقمية (كاميرات، حواسيب، هواتف محمولة)، و بذلك تنتقل مُحدِّدات النص من التدوين الكتابي إلى التسجيل السمعي البصري، لكن مع تجريد النصّ نفسه من شرط الشرعية، لأنَّ هذا التسجيل أصبح في متناول الجميع؛ فبإمكان أي كان اليومَ أن يسجل ما شاء، بالصوت والصورة، ثم يرفعه إلى أحد مواقع تخزين الملفات، باعتباره نصا إبداعيا أو مُحاضرة أو درسا، وما إلى ذلك، دونَ أن ينال إذنا بالكلام، أو يحتاج إلى شرعية معينة لنشر نصه السمعي البصري. ويصفُ جويل دُ روناي، في كتابه «انتفاضة البرونتاريا»(14)، هذه الظاهرة بأنها انتقال من وسائط الإعلام mass média إلى إعلام الجماهير (أو الحشود) média des masses، حيث لم يعد نشر الخبر حكرا على وسائل الإعلام التقليدية (صحف، راديو، تلفزة)، بل أصبح في متناول الجماهير أو «مواطني العالم»، على حد تعبيره. وقريبا من هذه الفكرة، يرى الفيلسوف بيير ليفي أنَّ نبوءة ماركس التي توقعت أن ينتهي الصراع بين الطبقتين البروليتارية والبورجوازية بامتلاك الأولى لوسائل الإنتاج هي (أي النبوءة) – حسب ليفي دائما – هي بصدد التحقق مع الثورة الرقمية(15). فعبر الأجهزة الرقمية التي باتت في متناول حشود اليوم، أصبحَ بإمكان أي كان أن يزاول مهام الصحفي، والمخرج السينمائي، والمغني، والملحن، والكاتب، والمحرض السياسي، دون أن يتلقى أي تكوين مؤسسي أو يجتاز أي مصفاة، لأنّ «الوسائط الجديدة مساواتية في بنيتها؛ يستطيع الجميع أن يشارك فيها من خلال مجرد عملية اتصال بسيطة (…). وبذلك، تتجه الوسائط الجديدة نحو القضاء على كل امتيازات التكوين والاحتكار الثقافي للذكاء البورجوازي»(16).

بفقدان النص الأدبي لاستقراره، واكتساب نظيره الشفهي (السمعي البصري) الحجية التي كانت تتمتع بها الوثيقة المكتوبة، يتعين إعادة التفكير في اختيار النصوص الأدبية المدرَّسة بحيث تتجاوز الأعمال المكتوبة إلى أخرى مرئية ومسموعة، وهو ما سيقتضي أيضا إعادة النظر في أهداف تدريس النص الأدبي والمهارات المتوخى تحقيقها، وأدوات هذا التدريس، وما إلى ذلك. فعلى سبيل المثال، يفقد النص الشعري المكتوب أحد أهم عناصره، وهو طقوسية إلقائه. طقوسية أصحبت اليوم قابلة للنقل إلى المتلقي عن طريق الوسائط الرقمية.

  1. تهجين النص:

يشير اصطلاح »هجين« في الثقافتين اليونانية والعربية القديمتين إلى ما هو غير أصيل، غير نقي وغير خالص، بمعنى سلبي. لكن بانتقال المفردة في القرن XVم إلى علم النباتات، ثم في أوائل القرن XX إلى علم الأحياء، اكتسبت معنى إيجابيا، إذ يُشارُ بها حاليا إلى «كائنات حية شديدة الاختلاف، تُحدّثُ تلقائيا أو باستعمال عدد من تقنيات البيولوجيا»(17). وربما ساهم الإيحاء الجديد في ميلاد إبداعات كسَّرت فكرة نقاء العمل الفني والأدبي عند الحركات الطليعية الأدبية والفنية في القرن العشرين التي يعتبرها بعض منظري الأدب الرقمي ومُبدعيه أحد جُذور هذا الأدب(18). ومن أهم هذه التيارات: المستقبلية، والسوريالية، والحرفية Lettrisme، والشعر الملموس Poésie concrète، والشعر البصري Poésie visuelle، وحركة فليكسوس Fluxus، وفن الإنجاز Art de la performance، وشعر الفيديو Vidéopoésie، وتداخل الوسائط Intermedia.

وبظهور الحامل الرقمي الذي يدوّن الصوت والصورة والكلمة بلغة واحدة، اتسعت ظاهرة تهجين النصوص بكافة أنواعها. يُنعتُ النص بـ «الهجين» عندما:

تُدرَجُ فيه عناصر خارج لغوية (صوت، صورة، شريط فيديو، رسوم متحركة)، بحيثُ يُصبحُ كُلاّ يتعذر اختزاله إلى أحد هذه المكونات؛

تُحَرَّكُ مكوناته اللغوية لتكتسب بُعدا زمانيا ومكانيا؛

تُدرَجُ فيه روابط تشعبية، فيفضي النقر عليها إلى نصوص أخرى، ممَّا يُفقدُ النص نقاءه وحدُودَه بسبب تضمنه لنقط تقاطع أو ممرَّاتٍ تقودُ إلى وثائق لا تكون لغوية بالضرورة.

ومن الباحثين من يقترح اصطلاحَ «سبرغة الأدب(19) cyborganisation de la littérature» لتسمية تهجين النص الأدبي. الكلمة مشتقة من «سايبروغ cyborg» الجامعة بين حروف من كلمتي «سيبرنطيقا cybernétique» و«كائن حي organisme»، ويُشارُ بـ «سايبروغ» (كائن حي سيبرنطيقي (أو آلي)) إلى إنسان مزيج من مكونات بيولوجية وآلية. ومن الأوساط العلمية انتقلت الفكرة إلى فرع الخيال العلمي (السايبربونك cyberpunk)، فاستحوذت عليها سائر الوسائط، من أدب وسينما وتلفزة، ونشرتها بين الجمهور الواسع محولة إياها إلى فكرة شعبية(20).

ويمكن اعتبار أشكال تهجين النص الأدبي الجارية اليوم أيضا تنقلا مُزدوجا للأدب (مِن الورَق إلى الرقم ومن الرقم إلى الورق) يعبر عن علاقة مُلتبسة، تأخذ شكل حوار وتفاوض – هو أيضا نزاعٌ وصراعٌ – بين أدبين: أحدهما راسخ سحيق، والآخر جنيني ناشئ، كما يمكن اعتبار التنقل المزدوج نفسه بمثابة نقل عَدْوى من الرقم إلى الورق وأخرى مِن الورق إلى الرقم.

جراء هذا التهجين للنص الأدبي، من الضروري إخراج الأعمال الأدبية المقررة في مدارسنا من قوقعة المكتوب لتشمل أيضا نصوصا تتضمن عناصر خارج لغوية، لاسيما في ظل انتشار استعمال الأجهزة الرقمية وتكاثر النصوص الهجينة منذ إطلاق الويب 2.0 في منتصف العقد السابق، حيث لا يكاد أي موقع يخلو اليوم من روابط تشعبية وصور وأشرطة فيديو.

  1. الكتابة ورشة مفتوحة:

خلافا لما كان عليه النصُّ مع الحوامل المادية، حيثُ كان تدوينُه يجعله نهائيا وقارا، كما رأينا في تعريفه عند رولان بارث، فقد أصبحَ هذا المتن مع الوسائط الرَّقمية قابلا لسائر أنواع التعديلات، لاسيما عندما يُنشَرُ في موقع شخصي أو مدونة أو في شبكة للتواصل الاجتماعي أو في منتديات تسمح لأعضائها بتعديل مشاركاتهم، فيمكن إعادة صياغة فقرات من النص المنشور، أو حتى فصول كاملة منه، أو حذف أجزاء منه وإضافة أخرى إليه، بل ويمكن محوه كليا، أو استبدال النسخة المنشورة بأخرى مختلفة تماما عن سابقتها ، فتصير النسختان القديمتان، المحذوفة والمُستبدَلة، كأنهما لم تكونا أبدا، إذ تعوِّضُ النسخَة المُراجَعَة سابقتَها حرفيا و«في أغلب الأحيان يعوِّضُ كتابٌ رقمي النسخة الأصلية وكأن النسخة الأولى لم تكن قط – يمحُو الكتاب الرقمي ذكرَى الكتاب الذي سبقه»(21).

تعتبرُ إمكانية إجراء مثل هذه التعديلات بسرعة قياسية وبكلفة زهيدة جدا، بل ومنعدمة أحيانا، أحدَ وجوه قطيعة الكتابة في الحوامل الرقمية مع نظيرتها في الحوامل المادية. ففي النشر الورقي، على سبيل المثال، لم يكن بالإمكان إجراء أي تعديل على محتوى الكتاب، بالمراجعة والتدقيق والتوسيع، وما إلى ذلك، إلا في طبعاته اللاحقة. أما إجراء تعديلات جوهرية على محتواه، فكان أمرا في منتهى الصعوبة.

لقد أدت هذه الإمكانية لتعديل النصوص، حسب لاورا بينيت Laura Bennet إلى ظهور ممارسة جديدة أسمتها بـ «الترتيق bricolage بعد النشر»، فتساءلت عما إذا كان الكتاب الرقمي المتحول على الدوام سيتوَّج ممارسة سحيقة ويشكل خلاصتها المنطقية:

«لقد جعلت الكتب الرقمية من الترتيق بعد النشر ممارسة جديدة. فموقع أمازون يوافي زبائنه برسائل إلكترونية تخبرهم بظهور نسخة مُحَيَّنة من ملف هذا الكتاب أو ذاك مما اقتنوه. هل يصبح الكتاب الرقمي محتوى متحوِّلا يتطوَّرُ حسب الظروف، في استقلال عن نسخته الأصلية؟ هل هذا علامة على أن التوقعات التي نُسقطُها على الكتاب قد انتقلت من منتجٍ نهائي إلى عمل في طور الإنجاز (work-in-progress) – أم هو خاتمة منطقية لتقليد طويل من النصوص المتعددة وغير المستقرة؟»(22).

بإمكانية نشر النص متقطعا، تحرَّرَ العملُ من شرط الاكتمال لكي يصل إلى القراء، إذ أصبح بوسع المؤلف أن يضعَ فصول كتابه رهن إشارة المتلقين فصلا تلو الآخر، وفي التوقيت الذي يختاره. ولهذا المستجد فضيلة وصول القارئ إلى المعلومات في راهنيتها. فكم بحثا استغرق إنجازه عدة سنوات، ولكن عندما وصل إلى القارئ كان قسم من معلوماته قد أصبحَ مُتجاوزا بسبب مضي وقت على إنجازه أو لبطء طباعته ونشره.

وقد استغل عدد من الكتاب هذه الإمكانية لخوض تجارب فريدة. علما بأن ظاهرة إفضاء نصوص متقطعة إلى عمل كامل ليست بالجديدة. فقد عُرفَت من قبل مع كتَّابٍ مثل بلزاك وبروست، على سبيل المثال:

«أن تنشأ رواية مستقلة كاملة انطلاقا من متتالية من الأعمال المنفصلة أو من الحلقات، فذلك ما أتاح لبلزاك أن يُؤلف هذه الرواية المتمثلة في الكوميديا البشرية انطلاقا من مجموعة من الروايات كانت في البداية متقطعة، وأتاح لبروست أن يُبدعَ صفحة صفحة، جُزءا جُزءا، هذه الرواية المتمثلة في البحث عن الزمن الضائع»(23).

كما أنَّ ظاهرة إدخال تعديلات على المؤلفات المنشورة هي الأخرى ليست بالجديدة، إذ كانت من ثمار المطبعة؛ على سبيل المثال، ««نشر فولتير العديد من الإضافات والطبعات المصحَّحة من كتبه لدرجة أنَّ بعض القراء رفضوا اقتناء أعماله الكاملة قبل وفاته»(24).

أخيرا، تؤدي هذه الإمكانيات التي أتاحتها الرَّقمية إلى مساءلة مفهوم الكتاب ووحدته، إذ «يمكن اعتبار أنَّ مدار الأمر في هذه الإمكانية لتعديل النص إلى ما لا نهاية هو مسألة وحدة الكتاب: متى يكتمل نصٌّ ما؟ كل كتاب منشور هو بالضرورة منتج اعتباطي إلى حد ما؛ إذ يمكن لأغلب المؤلفين أن يواصلوا ترتيقه. ولكن مرور كتاب ما من النشر يقتضي منه أن يكون مُكتملا، على الأقل في الوقت الراهن«(25).

والخلاصة أنّه بتحوُّل الكتابة في ظل الرقمية إلى كيان قابل للتحول ومشرع على التغيير الدائم وحذفها للمسافة الفاصلة بين المخطوط/ المسودة والنسخة النهائية، فقد أصبح بإمكان هذه الكتابة أن تكون إما تسويدا متواصلا أو جسدا مُعرّضا للتحول الدائم، مما يقتضي إعادة النظر في فعل القراءة وممارسته.

الرقمية وتحولات النص الأدبي النص الأدبي:

  1. فتح آفاق جديدة أمام الكتابة الأدبية:

لقد فتح الحاسوب أمام الكتابة الأدبية إمكانيات كثيرة، تتمثل في ظهور نصوص يتعذر نشرها ورقيا، لأنها متعددة الوسائط، ومُبرمَجة، ومتحركة، وتشعبية، وتفاعلية. وقد أفضت هذه الكتابة التي تغيِّرُ جذريا العلاقة بين النص والقارئ إلى ولادة ما يُسمى بـ «الأدب الإلكتروني» أو «الأدب الرقمي» أو «الأدب الديجتالي» أو الأدب المعلوماتي» أو «الأدب السيبراني»، وما إلى ذلك من الاصطلاحات التي تطلق على هذه النصوص التي لا تغادر الحاسوب كتابة وقراءة. كما أفضت تجاربها إلى ولادة عدد من الأشكال، يصعبُ الإحاطة بها وتحديد ملامحها النهائية، لأنَّ الأدب الرقمي لازال في طور النشأة ونماذجه العليا لم تتشكل بعدُ. وفيما يلي إحدى محاولات هذا الرصد، أنجزها جان بيير بالب في دراسته «نص بلا مسودة والمخطوط غائب»(26)، نُتبعُها بما استجد منذ كتابة تلك الدراسة: التبادل الشعري، والأدب التوليفي littérature combinatoire، والنص التشعبي التخييلي (أو ما يجمعه البعض تحت مفهوم «الخيال التفاعلي»)، والأدب المولَّد بالحاسوب  Littérature générée par ordinateur، والأدب الفرجوي littérature spectaculaire، وأشكال هجينة تمزج بين الإمكانيات العديدة التي يتيحها الحاسوب والشبكة، ورواية الواقعية الرقمية، ورواية الويكي، ورواية الألف يد roman à mille mains، والشعر الرقمي، و رواية التويتر، ورواية الفايسبوك، ورواية الهاتف الذكي SmartNovel، وما إلى ذلك.

ومعنى ذلك أنَّ الكتابة الإبداعية الرقمية بصدد إجراء نقل للمسألة الأدبية والانعطاف بالأدب نحو إبدال جديد أبرز مميزاته انتقال النص من نظام لغوي إلى نسق سيميائي بالمعنى الذي يمنحه سوسور لهذا العلم»(27)، ونقل الاهتمام من المؤلف والنص إلى القارئ والقراءة. ومن ثمة عدم كفاية النقد التقليدي لمقاربة النصوص الجديدة التي لا تتجاوز فيها اللغة مجرد أحد مكونات النص الذي قد يتخلى عنها في بعض الأعمال. ويذكر فيليب بوتز أن متخصصين في الأدب المقارن قد اعترفوا، خلال ندوة الشمال «الشعر والحاسوب» المنعقدة بمدينة ليل الفرنسية في عام 1993، «بعجز الأدوات النقدية التقليدية عن مقاربة هذه الممارسات الأدبية الجديدة»(28).

في ظل هذه النشأة، يحسن إخراج الدرس الأدبي من قوقعة المكتوب والأنواع السائدة التي لا تعدو مجرد محطة من محطات مسيرة الأدب الطويلة الممتدة من عصور المشافهة الأولى إلى أيامنا هذه التي تؤشر على بداية الانتقال إلى حقبة أدبية جديدة، وكذلك تجديد أدوات تدريس النص الأدبي ودراسته.

  1. الرقمية وخرائط النص الأدبي الجديدة:

بظهور الحامل الرقمي، لم يعد الأدبُ كما كان، إذ أصبح يتألف من ثلاثة قطاعات: أدبٌ رقمي يُكتبُ بالحاسوب وللحاسوب، لا يغادر النصُّ فيه الأجهزة الرقمية كتابة وقراءة، ثم أدبٌ مُعزَّزٌ littérature augmentée أو مُغنَى enrichie، يُثرى فيه العمل الأدبي الذي سبق نشره ورقيا، بإضافات يتعذر نقلها بالمطبعة، كأن تضاف إليه أشرطة فيديو وملفات صوتية وصور متحركة وروابط، وما إلى ذلك. وأخيرا، هناك الأدب الذي يُطلق عليه البعضُ اليوم اسم «الأدب الورقي» أو «الأدب التقليدي»، وهو أدب زمني الدفتر والمطبعة قيد الأفول(29)، والخاضع لسلسلة إنتاج الكتاب التقليدي وتوزيعه. وضمن هذه الرقعة الأخيرة، تنزوي المقررات التعليمية اليوم في معظم البلدان، بما فيها بلادنا، حيث لا زال الكتاب المدرسي الورقي يحتل مكانة مركزية في العملية التعلمية – التعلمية، وذلك في وقت أخذت الأجهزة الرقمية تشكل فيه مدخلا للعالم عند أطفال اليوم. ثمَّ في ظل الانتشار المتزايد للأجهزة الرقمية واستعمال شبكة الأنترنت، ومبادرة عدد من الدول المتقدمة لاستبدال الوسائل الديداكتيكية بأخرى رقمية، كاللوح الرقمي والسبورة الذكية، وإلغاء تعليم الكتابة   ، وإنشاء ما يسمى بالمدرسة في نسختها الثانية l’école 2.0 أو المدرسة المتصلة بشبكة الأنترنت l’école branchée، يبدو من الضروري تجديد تدريس الأدب بانتهاز الفرص التي تقدمها الرقمية، وذلك على الأقل في ثلاثة مستويات: تعزيز الكتاب المدرسي الحالي، تجديد أدوات تحليل النص الأدبي، وذلك تمهيدا لتدريس النص الأدبي الرقمي وإنتاجه.

  1. 3. تعزيز الكتاب المدرسي:

يصعب التخلي عن الأدب التقليدي بين عشية وضحاها، فهو مؤسسة راسخة الجذور في التاريخ. ويشكل المادَّة المدرَّسَة حصرا في أيامنا هذه بمؤسساتنا التعليمية، متمثلا في الأنواع الأدبية المنحدرة من زمني المشافهة والدفتر، كالشعر والخطابة والقصة والرواية والمقالة، وما إلى ذلك. ولكن، أخذا بعين الاعتبار لتحولات الكتابة المذكورة أعلاه، وللمد الرقمي الذي يجتاح كل القطاعات أمام أعيننا، يتعين تطوير تلك النصوص عبر تعزيزها وإثرائها، وذلك بنقلها إلى صيغ رقمية تتضمنُ معاجم وروابط تشعبية وأشرطة فيديو وملفات صوتية. الحل المثالي هو أن يفرض قسم البرامج بوزارة التربية الوطنية هذه العلمية، فيتولى بها مؤلفو الكتب المدرسية في أقرب الأوقات، وسيقتضي الأمر توسيع فِرَق هؤلاء المؤلفين بحيث تشمل، إضافة إلى معدي الكتاب المدرسي الاعتياديين، أستاذةَ معلوماتية يتولون هذا الإثراء والتعزيز نظرا لخبرتهم في التقنيات المعلوماتية والبرمجة.

في انتظار ذلك، يمكن بدء العملية، شريطة أن تتوفر قاعات التدريس على العتاد المعلوماتي اللازم، كالسبورة الرقمية وأجهزة حواسيب وبرامج معلوماتية، وأن يتوفر المتمدرسون على أجهزة رقمية في منازلهم، فيُطلبُ من التلاميذ، على سبيل المثال، أن يبحثوا في شبكة الأنترنت عن معلومات لتعزيز هذا النص الأدبي أو ذاك، بعناصر كصور المؤلف، وما يتعلق بسياق إنتاج النص، وما قد يتضمنه من مفاهيم، وأن يُدرجوا في النص روابط تشعبية تُفضي ليسَ فقط إلى النصوص والفقرات ذات الصلة بالنصوص الأدبية المقرَّرة وإلى باقي مكونات مادة اللغة العربية، من بلاغة ومؤلفات وغيرها، بل وأيضا إلى فقرات ودروس ومفاهيم ذات الصلة بباقي المواد، كالتاريخ والجغرافيا، والتربية الإسلامية، وما إلى ذلك، على نحو ما بينا في سياق آخر(30). فالنص التشعبي تقنية فعالة لمحو الحدود الاصطناعية بين المعارف والدروس والمواد التعليمية، وأيضا بين المستويات الدراسية، عبر مد جسور بين مقررات كافة الأسلاك، مما سيضفي الصبغة التركيبية complexité على العملية التعليمية-التعلمية، هذه الصبغة التي يعتبرُ البعضُ غيابَها أحد أكبر آفات مدرسة اليوم(31)، لاسيما أنَّ النصَّ التشعبي يترجمُ الانتقال الجاري من إبدال التحليل والعلية الخطية إلى إبدال النسقية والتركيبية والعلية الدائرية(32).

  1. تجديد أدوات تحليل النص الأدبي:

بالإضافة إلى ما سبق، يمكن تكليف التلاميذ بتحرير أشرطة فيديو يقرأون فيها النص الأدبي، ويرفقون القراءة بمقاطع موسيقية وصور ثابتة ومتحركة. ولأجل ذلك، يحسنُ تفييء القسم إلى مجموعات، تتكلف كل واحدة منها بمهمة محدَّدة. ويحسن في هذا الصدد تبني بيداغوجية ما يسمى بـ «القسم المقلوب classe inversée» التي أبانت فعاليتها في عدد من الدول(33)، حيث ينجز التلاميذ شطرا من التعلم في المنزل ويتحول الفصل إلى فضاء لإنجاز التمارين وطرح الأسئلة، وما إلى ذلك.

أما المستوى الثاني، فيترتب مباشرة عن السابق، ويتمثل في ضرورة تجاوز أدوات مقاربة النص التقليدي إلى وسائل تنكب على القيم المضافة للنص الأدبي نتيجة إغنائه بمكونات بصرية وسمعية وسمعية بصرية ومتحركة، لكن تتناول أيضا عملية الإضافة نفسها. ويقتضي ذلك تحليل مكونات أخرى للنص، غير لغوية، كالصورة، والحركة، والصوت، والبرنامج المعلوماتي، وأشرطة الفيديو، وطقوس إلقاء الشعر، وتأثُّر تجليات النص الواحد على معانيه وتلقيه، وذلك بغاية بلوغ المستوى الثالث وهو تدريس نصوص أدبية رقمية، بحصر المعنى، وتحفيز التلاميذ على إبداع أعمال يتداخل وينصهر فيها الأدبي بالمعلوماتي.

وحيثُ لازال هذا المستوى بعيد المنال في ثانوياتنا، فقد ارتأينا التعريف به في الجزء المتبقى من هذه الورقة

  1. النص الأدبي الرقمي: جذوره، خصائصه؛

يكون النص الأدبي رقميا عندما يستخدم واحدة أو أكثر من خصائص الحاسوب السبع، وهي: «الخوارزمية، والتوليد، والحساب، والترميز الرقمي، والتفاعل، وكلية الحضور، ثم التوافقية»(34)، فيتعذر طباعته على الورق دون أن يفقد بعض السمات السابقة. لا يكفي كتابة نص أدبي بأحد محررات النصوص الرقمية أو نقله إلى صيغة PDF ليكتسب صفة «النص الرقمي»؛ ففي هذه الحالة، يصبح النصُّ «مُرقمَنا numérisé» وليس «رقميا numérique». النصُّ الأدبي الرَّقمي– كما أسلفنا– يُكتبُ بالحاسوب وللحاسوب، بمعنى أنَّ «كتابته» تتجاوز النقل اللغوي للأخيلة والتمثلات والأوصاف والصور، وما إلى ذلك، إلى استحضار الإمكانيات التي تتيحها الأجهزة الرقمية والبرامج المعلوماتية أو لغات البرمجة أثناء إبداع النص، بحيثُ يصبح نصفه لغويا ونصفه تقنيا معلوماتيا.

لقد كان هذا الأدب من نتائج اختراع الحاسوب في منتصف أربعينيات القرن الماضي؛ ظهر في نهاية خمسينيات القرن نفسه بالتزامن في ألمانيا وفرنسا وكندا. وساهمت في نشأته عوامل عدة، لا يتسع المجال لبسطها هنا، يتمثل أبرزها في:

– التقدم الذي حصل في العلوم، خاصة في الفيزياء (الكَمّ) والرياضيات (نظرية الفوضى)؛

– كوارث الحربين العالميتين الأولى والثانية التي أظهرت أن «الواقع ينحو تدريجيا إلى الإفلات من البنيات الزمنية والعلية التي تبعثُ على الاطمئنان للرواية التقليدية، وأنه ينتشر في نسيج مُعقَّد من السَّبَبِيات المتشابكة»(35)؛

– انشغال علم التوثيق بإيجاد سبل لتخرين مجموع المعارف البشرية ووضعها رهن إشارة القراء والباحثين، بأيسر طريقة ممكنة، وحلم أدباء بإنشاء مكتبة كونية؛

– كبريات نظريات القرن XX الأدبية النقدية، كتعدد الأصوات (باختين)، والتناص (كريستيفا)، والنص باعتباره شبكة (بارث، دولوز)، والتشتت (ديريدا)، وموت المؤلف (فوكو وبارث)، وما إلى ذلك(36).

وتتحدد أهم سمات الأدب الرقمي في عناصر أربعة هي(37):

– التحريك  animation: تتحول الشاشة هنا إلى فضاء تتحرك فيه الحروف والكلمات والجمل، بل حتى الصفحة كاملة أحيانا، بناء على برمجة المؤلف، فتسير الوحدات اللغوية ذات اليمين وذات اليسار، تنط أو تنفجر، تتلاشى ثم تظهر، تتناثر وتتجمَّعُ، تظهر وتخفي وما إلى ذلك. وتكون حركات الكلمات والجمل ذات علاقة وثيقة بمعنى النص، كأن توضحه أو تعزِّزُه أو تفتحه على معاني جديدة، مما يجعل الحركة هنا بمثابة «استعارة متحركة»، والميزة الأساس للتحريك هنا، مقارنة بنظيره في فنون أخرى، هي أنه تحريكٌ مُبرمَج.

– البرمجة programmation: يتوقف ظهور النص الأدبي على اشتغال برنامج أو أكثر. وبما أن أداء البرنامج يختلف من جهاز لآخر، فالنصُّ لا يُعرضُ بطريقة واحدة في جهازين متفاوتي الكفاءة، والتغييرُ يطال مجموعة من الأعمال الأدبية الرقمية بمرور الوقت لدرجة أن بعضها يصبح غير مقروء. ومن الأدباء من يشتغل في إبداعاته على جوانب العابر والمؤقت والتلاشي، فيُكسِبُ نصَّهُ ما يسميه البعضُ بجمالية الحرمان esthétique de la frustartion. وتتجلى هذه الجوانب أكثر في الأعمال الأدبية الرقمية المولَّدَة بالحاسوب، حيث يستحيل قراءة النص نفسه سواء من لدن قارئ واحد أو قارئين متزامنين. بالسمات الجديدة، فقدَ النص استقراره وثباته، فشكك بعض نقاد الأدب الرقمي ومبدعيه في جدوى بقاء المكتبة وحفظ الأعمال الأدبية(38).

– تعدد الوسائط multimédia: يصبحُ النصُّ الأدبي الرقمي «متعدد الوسائط» عندما يتضمن إلى جانب المكون اللغوي عناصر غير لغوية، كالصوت والصورتين الثابتة والمتحركة وأشرطة فيديو، ما يجعله أقرب إلى الفنون التشكيلية ويحطم الحدود بين الفنون، هذا التحطيم الذي بدأ مع الحركة الرومانسية (فاغنر)، ثم نادت به الحركة الدادائية في مطلع القرن الماضي.

– التفاعل interaction: يعرف التفاعل بأنه إلزامٌ للعمل الأدبي الرقمي للبرنامج بالامتثال لتدخلات القارئ، ثم إعادة عرض علامات النص على ضوء تلك التفاعلات. بعبارة أخرى يكون النص الأدبي الرقمي تفاعليا عندما يتوقف عرضُ النص، ويتغير هذا العرض، حسب تدخلات المتلقي التي قد تمضي إلى حدّ تغيير أماكن بعض مقاطع النص و/أو إضافة كتابته الشخصية إلى العمل المقروء.

خلاصــة

يؤكد العديد من الباحثين أنَّ البشرية تعيشُ اليوم نهضة ثانية، بعد النهضة الأوروبية (القرن XVم). إذا كانت النهضة الأولى قد نتجت عن: اكتشاف قارة جديدة (أمريكا)، واختراع المطبعة، وتقدم الطب، ففي أيامنا هذه، حدد العلمُ موقع مجرتنا الدقيق في الكون، وابتكرَتْ شبكة الأنترنت، وانطلقَ استكشاف الجينوم والدماغ. إذا كانت الأولى قد ثمنت الإنسان وأزاحت سلطة الكنسية، فالحالية تثمن الحشود وتزيحُ النخب، من خلال تمكين الجموع من أجهزة وتقنيات غير مسبوقة للتواصل وإنتاج المعلومات ومشاركتها. في هذا السياق، من الطبيعي أن يفقد النص الأدبي هالته شبه القدسية، وأن يُجرَّد المؤلف من صفة العبقرية التي يرى البعضُ أنها لا تعدو مجرد إيديولوجيا آن وقت أفولها.

يرى الفيلسوف ميشال سير أنَّ مسيرة النوع البشري عبارة عن حلقات من الخسائر التي تعقبها أرباح(39). فعلى سبيل المثال، فقدت اليدُ وظيفة المشي، لكنها صنعت الأداة والتقنية، وخسر الدماغُ الذاكرة الفورية، لكنه ربح ذاكرة المدى البعيد، فصنع التاريخ وراكم الخبرات والمعارف. واليوم، الإنسان بصدد فقدان القدرة على تخزين المعارف في الدماغ، لكنه يربح، في الآن نفسه، وقتا أكبر للتفرغ للإبداع والتخيل والابتكار ما دامت كل المعارف تُخزَّنُ الآن في الأجهزة الرقمية (أو الذاكرة الاصطناعية). والحالة هذه، لا يُعقل عدم إعادة النظر في تدريس النص الأدبي في مؤسساتنا التعليمية، سواء من حيث الأهداف أو المضامين أو العتاد الديداكتيكي أو طرق المقاربة، ناهيك عن تجاهل المعالجتين النسقية والتركيبية للعملية التعليمية – التعلمية ككل.

هوامــش:

(1) Ariane Mayer, L’impact du numérique sur la création littéraire, mémoire de recherche, HEC/MAC, 2012, p :19 :
http://www.thecampaign-hec.com/IMG/pdf_Prix_Memoire_Grande_Ecole_Ariane_Mayer.pdf
(2) Stéphan Vial, L’être et l’écran. Comment le numérique change la perception, Paris, P.U.F., 2013, pp. 232-236.
(3) Dr. Pierre-Marie Lledo, «Le cerveau adulte: un chantier perpétuel !», in Actes du Colloque La prodigieuse évolution du cerveau : de l’émergence de la pensée conceptuelle à l’intelligence artificielle, Collège des Bernardins, Paris, Vendredi 11 octobre 2013, pp.23-36 :
http://www.institut-vivant.org/wp-content/uploads/2013/isv-conference-11-octobre-2013.pdf
(4) Bnf, «Assurbanipal, 668-627 av. J. C: Le premier des encyclopédistes», Tous les savoirs du monde (dossier pédagogique de la bnf) :
http://classes.bnf.fr/dossitsm/b-assurb.htm#Citations

(5) النص الكامل للترجمة الفرنسية لهذا العمل:

http://www.geekmaispastrop.com/wp-content/uploads/2010/04/bibliotheque-de-babel-jorge-louis-borges.pdf
(6) – Paul Otlet, Monde: Essai d’universalisme. Connaissance du monde, sentiment du monde, action organisée et plan du monde, Bruxelles, Editions Mundaneum, 1935, pp : 447-458:
https://www.laetusinpraesens.org/uia/docs/otlet_contents.php
(7) Wikipédia (Mandaneum) :
https://fr.wikipedia.org/wiki/Mundaneum

(8) دراسة بوش متوفرة بلغتها الأصلية، في موقع مجلة أنطلنتيك:

– Vannevar Bush, «As We May Think»:
http://www.theatlantic.com/magazine/archive/1945/07/as-we-may-think/303881/

كما يُمكن الإطلاع على ترجمتها إلى الفرنسية:

– Vannevar Bush, «Comme nous pourrions penser», 1945:
http://www.softphd.com/these/traduction/vannevar-bush-as-we-may-think

أو ترجمتها إلى العربية:
– فانيفار بوش، «كما قد نعتقد»، ترجمة د. إبراهيم شفيق الخطيب، منتديات الجمعية الدولية للمترجمين العرب، 24/12/2006:

http://www.wata.cc/forums/archive/index.php/t-3853.html

(9) ووضع له سبع عشرة قاعدة، يمكن الاطلاع عليها في الرابط التالي::

– Theodor Holm Nelson, «Ted Nelson / L’hypertexte, Xanadu et la réédition virtuelle», in LaRevueDesRessources.org, le 24/04/2013:
http://www.larevuedesressources.org/ted-nelson-l-hypertexte-xanadu-et-la-reedition-virtuelle,253  6.html
(10)Jen-Pierre Balpe, «Pour une littérature informatique: un manifeste…»:
http://chatonsky.net/files/pdf/jean-pierre-balpe/jpb_manifeste.pdf
(11) Roland Barthes, Texte(théorie du), in l’Encyclopædia universalis, 1974:
http://www.universalis.fr/encyclopedie/theorie-du-texte/

(12) انظر أسطورة أصل الكتابة، ومهاجمة سقراط للتدوين في:

– Platon, Phèdre, éditions livres-et-books.fr, p. 72:
http://www.livres-et-ebooks.fr/ebooks/Ph%C3%A8dre_(Platon)-3551/
(13) Pierre Lévy, «Essai sur la cyberculture: L’univers sans totalité. Rapport au Conseil de l’Europe, version provisoire», HypermediaUniverParis8.fr:
http://hypermedia.univ-paris8.fr/pierre/cyberculture/cyberculture.html
(14) Joël de Rosnay (avec la collaboration de Carlo Revelli), La révolte du pronétariat. Des mass média aux média des masses, Fayard, 2006 (252p):
http://www.pronetariat.com/livre/
(15) Pierre Lévy, «L’Univers sans totalité, essence de la cyberculture», Ub.Edu :
http://www.ub.edu/prometheus21/articulos/obsciberprome/pierreluniversel.pdf
(16) André Lemos,  «Les trois lois de la cyberculture : libération de l’émission, principe en réseau et reconfiguration culturelle», article présenté au séminaire «Sentidos e processos»,  Exposition «Cinético Digital», Centro Itaú Cultural., Août, São Paulo, 2005 :
http://www.facom.ufba.br/ciberpesquisa/andrelemos/remixfr.pdf
(17) Georges BARSKI, Yves DEMARLY, Simone GILGENKRANTZ, «HYBRIDATION», Encyclopædia Universalis ::
http://www.universalis.fr/encyclopedie/hybridation/
(18) Philippe Bootz, Formalisation d’un modèle fonctionnel de communication à l’aide des technologies numériques appliqué à la création poétique, Thèse de Doctorat (enjeux sociologiques et technologiques de al communication), Université Paris 8 Vincennes – Siant Denis, U..F.R. Hypermédias, 2001, pp. 19-29 :
(19) – Anaïs Guilet, Pour une littérature cyborg. L’hybridation numérique du texte littéraire, Thèse présentée en cotutelle comme exigence partielle du doctorat en études littéraires, Université du Québec à Montréal et université de Poitier, novembre 2013 :
https://archipel.uqam.ca/6010/1/D2569.pdf

(20) نفسه، ص. 57.

(21) Xavier de la Porte, «Vers des livres vivants», Internetactu.Net, le 10/10/2011 :
http://www.internetactu.net/2011/10/10/vers-des-livres-vivants/

(22) نفسـه.

(23) Ariane Mayer, L’impact du numérique sur la création littéraire, op.cit., p. 39.
(24) Xavier de la Porte, «Vers des livres vivants», in InternetActu.net, le 10/10/2011 :
http://www.internetactu.net/2011/10/10/vers-des-livres-vivants/
(25) Xavier de la Porte,«Vers des livres vivants?», op.cit.
(26) Jean Pierre Balpe, «Ecriture sans manuscrit, brouillon absent», hypermedia.univ-paris8.fr , avril 2002:
http://hypermedia.univ-paris8.fr/Jean-Pierre/articles/manuscrit.pdf
(27) Ferdinand de Saussure, Cours de linguistique générale, Paris, Payot, Paris, 1916, 1972, 1985, 1995, p.33.
(28) Philippe Bootz, «La littérature informatique : Une métamorphose de la littérature», Association Enseignement Public & Informatique, Revue de l’EPI , n° 81, mars 1996, pp. 171-180 :
http://www.epi.asso.fr/revue/81/b81p171.htm
(29) Jean Clément, «L’adieu à Gutenberg» :
http://manuscritdepot.com/edition/documents-pdf/adieugutenberg-jclement.pdf

(30) محمد أسليـم، «الوسائط الحديثة وإشكالية تدريس اللغة العربية»، (ورقة ألقيت في اليوم الدراسي: المدرسة المغربية وإشكالية تدريس اللغة العربية، مركز الدراسات والبحوث الاجتماعية، وجدة، 26 نونبر 2011):

http://www.aslim.ma/site/articles.php?action=view&id=116
(31) Joël de Rosnay, «Enseigner aujourd’hui?», Conférence dans le cadre de l’ANAE (Association nationale des acteurs de l’école) à l’Université d’été de la Communication d’Hourtin, 25 août 2003:
https://www.carrefour-du-futur.com/conférences/enseigner-aujourd-hui/
(32) Jean Clément, «Hypertexte et complexité»,  Études françaises, Volume 36, Numéro 2 (Internet et littérature: nouveaux espaces d’écriture), 2000, p. 39–57:
https://www.erudit.org/fr/revues/etudfr/2000-v36-n2-etudfr145/005256ar/

(33) تتوفر العديد من الموارد في الموضوع، يمكن الإشارة على سبيل المثال، إلى:

– Michel Lebrun, «L’école de demain : entre MOOC et classe inversée», Economie et Management, n° 156, juin 2015, pp. 41-47 :
http://cdn.reseau-canope.fr/archivage/valid/N-7625-9355.pdf
(34) Philippe Bootz, «Qu’est-ce que la littérature numérique?», les Basiques, 2006 :
https://www.olats.org/livresetudes/basiques/litteraturenumerique/1_basiquesLN.php

أو ترجمته، في:
– فيليب بوتز، «ما الأدب الرقمي؟»، ضمن بوتز، بيرسزتيجن، فيولمان وآخرون، الأدب الرقمي، ترجمة محمد أسليم، الدار المغربية العربية للنشر والطباعة والتوزيع، 2016، صص. 27-43.

(35) Alexandra Saemmer, Atelier Français : Littérature numérique vers quelles écritures?:


(36) يُنظر في هذا الصدد:
صوفي ماركوط، «النص التشعبي: جورج لاندو ونظرية النص التشعبي»، ضمن، بوتز، بيرسزتيجن، فيولمان وآخرون، الأدب الرقمي، ترجمة: محمد أسليم، مرجع سابق، صص. 177-201.
(37) Alexandra Saemmer، مرجع سابق.

(38) Jen-Pierre Balpe, «Pour une littérature informatique…», op. cit.
(39) Michel Serres, «Les nouvelles technologies: révolution culturelle et cognitive», Conférence donnée lors du 40è anniversaire de l’INRIA, Lille, les 10 et 11 décembre, 2007 :

السابق
محمد أسليـم: وضعية الأدب الرقمي في العالم العربي / قابلته: خديجة باللودمـو
التالي
محمد أسليم: الرقمية وتحولات القراءة