ثقافة رقمية

ميشال سير: التكنولوجيات الجديدة ثورة ثقافية ومعرفية / ترجمة: محمد أسليـم

في سنوات الأقسام التحضيرية، كان هناك دائما يوم كنا نسميه يوم قلب الأدوار. في ذلك اليوم، كان الطلبة الجدد يهينون الطلبة القدماء الذين كانوا، طيلة 24 ساعة، ينحنون قليلا تحت رياح الانتقام. ولكن ذلك لم يكن يدوم سوى يوم واحد، ومهما يكن من أمر ذلك القلب للأدوار، فإنه لم يحدث أبدا أن كان أسوأ طلبة الفصل بٌجبرون على شرح الرياضيات للطلبة الأفضل، ناهيك عن أن يشرحوها للأساتذة. حسنا، يا أصدقائي الأعزاء! لقد حان هذا اليوم، إذ لم أتخيل أنني، في هذه السن، وأنا غير الخبير، سأضطر للحديث عن التكنولوجيات الجديدة لأفضل الخبراء في بلدي. لذا، أظن أنني أبدي وجهة نظري بالقول: إنكم سوف تقضون وقتا سيئا لمدة ساعة. لذا، هيا للعمل!

لا أعرف أي كائن حي، وهو الأنسجة والأعضاء والأفراد، وربما حتى النوع، لا نستطيع أن نقول إنه يخزن المعلومات، ويعالج المعلومات، وبعالج المعلومات، ويرسل المعلومات ويتلقاها. وهذه الخاصية الرباعية هي خاصة بالكائن الحي لدرجة أن المرء يُغرى بتعريف الحياة بهذه الطريقة. ولكنا لا نستطيع القيام بذلك، لأن الأمثلة المضادة متوافرة. في الواقع، لا أعرف شيئا من العالم، ذرة، بلَّورا، جبلا، كوكبا أو مجرة، لا يمكن أن نقول عنه مرة أخرى إنه يخزن المعلومات، ويعالج المعلومات، ويُرسلها، ويتلقاها. لذا، فهذه السمة الرباعية هي مشتركة بين جميع كائنات العالم، الحية أو الجامدة، وليست خاصة بالعلوم الصلبة التي كانت في الماضي لا تتحدث إلا عن القوى والطاقة، فهذه العلوم تتحدث مؤخرا عن الكود وما يسمى عمومًا بالناعم.

العلوم الصلبة تعنى أيضا بالناعم. والحالة هذه، فإني لا أعرف أي جمعية بشرية، سواء كانت عائلة أو مزرعة أو بلدة أو حاضرة كبرى أو أمَّة، لا نستطيع أن نقول مرة أخرى إنها تخزن المعلومات، وتعالج المعلومات، وترسلها وتتلقاها.. لذا، ها هي سمة مشتركة جدا بين العلوم الإنسانية والعلوم الصلبة، وهذا يعني أخيرًا أنها خاصية لوجودنا ولبيئتنا، بحيث في اليوم الذي اخترعنا كائنا يعالج المعلومات، ويخزنها ويرسلها ويستقبلها، أعني الحاسوب، فإننا اخترعنا شيئا يمكن تسميته أداة كونية. لماذا؟ لأنه يحاكي الأشياء بطريقة ما الأشياء التي تحدث عنها للتو، ولكن أي شيء؟ جميع الأشياء، ومن هنا الطبيعة العالمية لهذه الأداة التي ليست عالمية لأنها تعرف، صالحة للاستخدام في كل شيء، وقابلة للاستخدام في كل شيء، لكن أيضا لأنها تحاكي سلوك وتصرف وصورة أشياء هذا العالم.. هل هذا تحول أو ثورة ثقافية أو معرفية؟

لكن أولا وقبل كل شيء هو عملي، لأنه في الماضي، عندما كنت شابا بطبيعة الحال، أيام العصر الحجري القديم، عندما كنت أدخل مكانا ما، كان يمكنني التعرف على حرفة أي شخص عن طريق الملاحظة الخارجية ووضعية جسده. كنتُ إذا رأيت رجلا يرتدي وزرة يلوح بمطرقة ثقيلة على سندان، قلتُ: هذا حداد، وإذا رأيت شخصا مسلحا بمسحج قلت لنفسي هذا نجار، وإذا، على سبيل المثال، رأيت امرأة ترتدي معطف مختبر ملطخا بالأحمر والأخضر قلت: هذه كيميائية أو صيدلية، وإن رأيتُ أخرى وراء مكتب، قلت مصرفية أو ساعية بريد.

واليوم، حيثما أذهب أجد رجلا أو امرأة قبالة شاشة ينقران على لوحة وحدة التحكم في الجهاز، لم يعد بإمكاني التمييز بين الحرف. هنا مرة أخرى نقفُ على العالمية، وبالتالي على ثورة عملية على صعيد الحرف، وثورة ثقافية أيضا على صعيد اللغة، لأنكم ربما تعرفون أن بين الطبعة السابقة لقاموس الأكاديمية الفرنسية وطبعة اليوم هناك فرق 20 ألف كلمة، وهو تدرج في النمو والاختلاف لم يسبق له وجود في أي لغة في أي وقت من التاريخ، ومعظم هذه الكلمات هي مفردات تتعلق بالحِرَف، أغلبها هي مفردات تنتمي إلى العلم، وبالتالي فهناك ثورة.

لقد دُعيتُ إلى التفكير أمامكم في هذه الثورة التي أشرت إليها للتو، على الأقل من وجهة نظر عملية، ومن وجهة نظر الخصائص الأربع التي ذكرتُ. لذا سأقوم بذلك بثلاث طرق: سأحاول أن أصف هذه الثورة أولاً في الزمن، ثم في المكان، وأخيراً بالنسبة لنا نحن الرجال والنساء الذين يتعاملون مع هذه التقنيات الجديدة.

I. الزمــــــان:

عندما تحدثت قبل قليل عن هذه الوظيفة الرباعية لتخزين المعلومات ومعالجتها وبثها وتلقيها كان أمام ذهني شيء مثل اقتران بين الحامل والرسالة، على سبيل المثال، وأدعوكم، رجاء، لكي ننظر معا في هذا الاقتران البسيط، وهو الحامل والرسالة. هذا الاقتران له تاريخ، وفي القسم الأول من محاضرتي، أود منكم أن تتأملوا معي هذا التاريخ. دعونا نتراجع خطوة إلى الوراء لكي نفهم التطورات الجديدة اليوم، وستكون هذه الخطوة إلى الوراء كبيرة بما يكفي لكي أذهب حتى الفترة التي لم تكن فيها البشرية قد اخترعت الكتابة بعد، وهي المرحلة الشفوية، لأنها كانت بالفعل ما يسمى بالمرحلة الشفوية، ليس بمعنى الذي يعطيه فرويد للكلمة، ولكن بمعناها عند اللغويين.

في ذلك الوقت من الفترة الشفوية، كان الحامل هو جسم الإنسان، كان هو الدماغ والجسد كله، وفي الأساس كان التخزين والمعالجة والإرسال في النهاية، كان كل ذلك هو الجسم، الذاكرة والصوت وتلافيف الدماغ. باختصار، كان الجسم البشري كله، يتلقى المعلومات ويرسلها، ويتذكر المعلومات ويعالجها.

فلنغادر هذه المرحلة الشفوية، ولننظر الآن فجأة في ثورة كبيرة تحدث حوالي الألفية الأولى قبل الميلاد، 500 أو 1000 سنة قبل الميلاد، وهي ثورة الكتابة. فالكتابة هي أول حامل خارجي عن جسم الإنسان، الرق، جلد الحيوان أو الورق أو البردي. كلمة بردي تعادل كلمة الكتاب المقدس، كما تعلمون، واختراع الكتابة على هذا الحامل، كتابة إشارية في البداية، وتصويرية إلى حد ما، ثم مجردة بعد ذلك بأربع وعشرين حرفا من الحروف الأبجدية، وهذه التي أعتبرها. الآن، منذ اللحظة التي يتغير فيها الاقتران الحامل-الرسالة، أي لحظة اختراع الكتابة، فإن كل شيء في حضارتنا يتغير، وكل شيء يتغير بطريقة يكون فيها مدى هذا التحول واسعا بما فيه الكفاية لدرجة أنني أستطيع استعراضه بسرعة أمامكم.

  • المدن هي التي تتغير. لا يمكن أن ننظم المدن إلا عندما نكون في موقع الكتابة. لماذا؟ لأنه، يمكننا كتابة القانون، فيصبح القانون مستقرا. إنه قانون حمو رابي، على سبيل المثال، اختراع القانون المكتوب، اختراع المدن الكبرى وأول العواصم، وفجأة اختراع الدولة. والدولة هي على الارجح بنت الكتابة.

ولكن الدولة، الحواضر الكبرى؛

  • ثم يحدث شيء جديد تمامًا، هو ثاني اختراع مجرد، يرتبط بالكتابة، هو اختراع النقود. وبالفعل، فالنقود هي طريقة للكتابة على حامل من البرونز أو النحاس، كتابة رسم أو قيمة، وهذه العملة مجردة بما فيه الكفاية لتحل فجأة محل كل التفاصيل الكاملة، والكبيرة والمعقدة للمقايضة. فقد كان من الصعب جدا مقايضة بقرة بـكمية من القمح، في حين من السهل جدا القيام بالعملية نفسها بما نسميه المكافئ بشكل عام، لأن المال مجرد بما فيه الكفاية ليمثل تقريبا كل أشياء العالم التي نرغب في شرائها أو بيعها.
  • اختراع الهندسة. ونحن مؤرخو العلوم نعرف أنه لا يمكن ربط ابتكار الاستدلال الهندسي إلا بالقرن الخامس قبل الميلاد أو حتى السابع، بذلك فالهندسة ابنة الكتابة.
  • لكن أكثر من ذلك صوت رعد في الهلال الخصيب، في مكان محدَّد تماما، ومأهول تماما من لدن ديانات تعدد الآلهة. رعد هائل: اختراع التوحيد مع أنبياء إسرائيل الكتَّاب، واختراع ما سوف يسمى من هناك، أو دين (أو أديان) الكتاب، دين (أو أديان) الكتابة، التوراة لأصدقائنا اليهود، الكتاب المقدس لأصدقائنا المسيحيين، كتاب القرآن لأصدقائنا في الإسلام. والديانات التوحيدية هي أساسا بنات الكتابة. انتشروا الآن في الطيف كله، وستجدون أن حضارتنا تنحدر مباشرة، سياسيا وقانونيا وتجاريا وتربويا؛
  • التحول الأخير تربوي: التربية (paedeia) اليونانية هي أيضا ابنة الكتابة. لماذا؟ لأن كل معلم، أو مدرس، لديه الآن أوديسا هوميروس، فلا يحتاج إلى حفظها عن ظهر قلب، وبالتالي يمكنه أن ينقل لأطفاله محتويات مختلفة تتعلق بالحرف.

الهندسة، المال، التعليم، والعلوم، والدين. ترون أن طيف شبح هذه الثورة كبير جداً، وهو من الاستقرار والأهمية بحيث سأكرره فجأة، وسأكرره في شيء حصل بعد ألفي عام لاحقا، عندما ظهرت الثورة الثانية المتعلقة بهذا الاقتران الذي ذكرتُه، بين الحامل، جسم الإنسان، ثم الورق أو الرق والرسالة، أي المعلومات التي نريد تخزينها، ومعالجتها، وإرسالها وتلقيها.

الثورة الثانية المتعلقة بهذا الاقتران، هي اختراع المطبعة حوالي القرنين الخامس عشر والسادس عشر. وحالما تم اختراع الطباعة، فإن الثورة المتعلقة بهذه التكنولوجيا الجديدة، هذه التكنولوجيا الجديدة رقم 2، كانت مماثلة تماما للثورة الأولى في الطيف الذي رسمته للتو. وبالفعل، يمكنكم أن تروا هذا. فالبندقية أصبحت في ذلك الوقت مدينة عالمية. هناك نوع من عولمة البندقية حول البحر الأبيض المتوسط:

  • التجارة بدأت في التغير تماما بفضل اختراع الشيك، والبنك، وصندوق المحاسبة، فصندوق المحاسبة يعود إلى ذلك الوقت. التجارة، والحق؛
  • ميلاد ما يمكن أن يسمى في وقت لاحق بالرأسمالية تمَّ هناك في ذلك الوقت، والتي هي أيضا ابنة الطباعة؛
  • ولكن قبل شيء هناك ولادة ما يسمى بالعلم الحديث، أي العلم التجريبي، الذي لم يعد علم اليونان المجرَّد الذي كان وليد الكتابة، ولكن العلم التجريبي في فترة النهضة وهو تأثير وليد المطبعة.
  • وفي الوقت نفسه، عرفت الأديان أزمة غير عادية، بما أن الإصلاح قد ولد في ذلك الوقت بالتحديد. لماذا؟ لأن لوثر بدأ الإصلاح بالقول هذه العبارة الشهيرة: «كل إنسان هو بابا بيده الكتاب المقدس»، كان يفعل ذلك وهو يمسك بيده نسخة مطبوعة من هذا الكتاب المقدس، والكتاب المقدس المطبوع أصبح متاحا منذ لك الوقت لجميع الناس، وفجأة لم تعد هناك حاجة إلى الرجوع لسلطة منظمة، ولكن كل واحد كان حرا؛
  • وهذه الحرية ستعود إلى المسائل السياسية. هذه هي بداية الديمقراطية، الديمقراطية بالمعنى الحديث.

وهكذا، يتضح أنه في الثورة الثانية المتعلقة بالاقتران حامل-رسالة، حدث فجأة، ومجددا، تحول كامل في الثقافة والحضارة برمتها.

لذا، فاستنتاجي بسيط للغاية، وهو: إذا كان لدينا اليوم، أو إذا كنا اليوم معاصري ثورة تتعلق على وجه التحديد بالاقتران حامل-رسالة نفسه، أي على العمليات الأربع التي ذكرتها للتو، فيجب علينا أن نجد من حولنا بالضبط نفس النوع من الثورة:

  • عولمة: إنها هنا على وجه التحديد، إنها تحدث؛
  • تحويل العملة التجارية: إنها هنا أيضا، تحركها العملة المتقلبة؛
  • ثورات متعلقة بالعلوم: من الواضح تماما اليوم أن اليوم أستاذ العلوم مهما كان هذا العلم، في الجامعة، يدرس الآن حوالي 70-60٪ من المحتوى العلمي الذي لم يتعلمه هو نفسه على مقاعد تلك الجامعة. لذا فإن الثورة العلمية لا تقل أهمية عن اللتين ذكرتُ للتو؛
  • أزمة التربية: تعلمون أن أزمة المدرسة والتربية اليوم كبيرة وربما يصعب حلها؛
  • أزمة الأديان: لا داعي لأن أفصل في هذا الموضوع ما دامت الصحف مليئة به منذ 10 سنوات.

لذلك، فالعالم الذي فيه الآن يشبه في تحوله التحولين اللذين وصفت، عندما كان للثورة الأولى المتعلقة بهذا الاقتران نفس التأثير التي حدث في الثورة الثانية. نحصل على نفس النوع من الطيف في الثورات الثلاث.

تعلمنا في المدرسة، أن الثورات الكبرى، في أغلب الأحيان، كانت تتعلق بالصَّلب، وبالهارد، وكان يجري الحديث كثيرا عن الثورات الصناعية، وكان يُتكلم كثيرا عن الثورات الاقتصادية، في العصور الوسطى، عن اختراع طاحونة الهواء، عن اختراع الصياغة، ومعالجة آلات النار، منذ بداية القرن التاسع عشر. إذا أجرينا مقارنة بين الوصف الذي قدمته لكم للتو للعواقب الأساسية للثورات المتعلقة بالثورات بالناعم، أي بمعالجة المعلومات، فإن المقارنة ساحقة، وهي: فالحضارات تتغير وتحدث بطريقة جديدة، وبالتالي تحدث تغييرات في الزمن.

إننا نعيش الآن فترة مماثلة لتلك التي عاشها الشرق الأوسط في الألفية الأولى قبل ميلاد المسيح، أو التي شهدتها النهضة الأوروبية حوالي القرنين الخامس عشر والسادس عشر، أي أننا ربما لا ندرك اليوم الجدة الاستثنائية للزمن الذي نعيش فيه، ونفكر ونرتبط ببعضنا البعض. سأتحدث عن ذلك بعد قليل.

II. المكان أو العنــوان:

وعدتكم بالتحدث عن الزمن، ووعدت أيضاً بالحديث عن المكان، ولكن لا يمكنني الحديث عن المكان، بشكل عام. أود أن أتحدث عنه باختيار كلمة، بجزئية صغيرة مع محاولة تحليلها بشيء من الدقة. الجميع يعرف كلمة عنوان (adresse)، وأود أن أحلل هذه الكلمة أمامكم. إن تسألوني عن عنواني أجبكم إجابة كلاسيكية: 133، ساحة الجمهورية، باريس 11، على سبيل المثال، وهذا العنوان يشير إلى مكان معروف، مكان يمكن للمرء أن يحدد فيه معالم، ونقط معالم، يمكننا تحديد خطوط العرض، وخطوط الطول، وتقسيمات الأمم، وتقسيمات المقاطعات، وتقطيعات للبلديات ومسافات بين المنازل، 128، 145، 235، وما إلى ذلك.

هذا المكان، وأنتم أعلم مني، تعرفتم عليه على الفور، هو مكان إقليدي، إنه مكان ديكارتي، يُشار به إلى نقاط مرجعية معروفة. هذا المكان هناك هو المكان الذي عشنا فيه، وأود أن أقول بكل سرور، ببساطة عن طريق الاستفزاز، إن ذلك المكان سوف أظهر أننا تخلينا عنه، أن ذلك المكان، المكان السابق الذي كان عنواني، كان بكل بساطة فضاء شبكات. فيما سبق، كنا نعيش في فضاء كانت فيه شبكات ومناظِرَات (أو إحداثيات)، وبالفعل كانت توجد شبكات طرق جوية، وممرات بحرية، وطرق برية.

يعود تاريخ هذه الشبكات إلى وقت طويل ما دامت روما قد غطت أوروبا الغربية بشبكة من الطرق المسماة رومانية. ثم حتى قبل ذلك، في القرن الخامس قبل ميلاد المسيح، كان اليونانيون أذكياء بما يكفي ليخترعوا مفهوم خط العرض. وبالفعل تم إحالة العالم إلى شبكة من خطوط العرض وخطوك الطول في وقت لاحق. لذلك، ففضاء الشبكات كان مكان الأمس. ولكن في أي مكان نعيش اليوم؟

أعود إلى كلمة «عنوان» اليوم. إذا سألتموني عنه مرة أخرى، فسوف أجيبكم بأنني في العنوان الذي أعطيته لكم قبل قليل، أتلقى فقط الإعلانات التي أفرغ محتويات صندوق رسائلي منها، ثم ألقيها في القمامة، لذلك فهو لم يعد على الإطلاق المكان الذي أتلقى فيه المعلومات، وأعالجها وأخزنها وأرسلها وأتلقاه. في أي عنوان أكون للقيام بهذه العمليات الأربع؟ الأمر في غاية البساطة: 20 20 06 هو رقم هاتفي المحمول، ثم www.michel.serres.wanadoo.fr، فيما يخص ما يسميه أصدقاؤنا الكيبيكيون mon adel، أي عنوان بريدي الإلكتروني، و20 06 0، وما إلى ذلك فيما يتعلق بالهاتف المحمول وميشال دوت سير أو شيء ما بالامتداد (fr). وهذه أشياء لم تعد تشير إلى المكان موضوع الحديث، لم تعد تشير إلى المكان الذي وصفته للتو، بل تشير إلى فضاء. توقفوا، أرجوكم، عن قول إن التكنولوجيا الجديدة قد قصرت المسافات. هذا كلام غبي. لا، لا، لا. لقد نقلتنا التكنولوجيات الجديدة من مكان إلى آخر، من الفضاء الإقليدي إلى فضاء جديد، من الفضاء الديكارتي إلى مكان جديد، مَوْضِعُه غير مُعَيَّن، وقابل للتَّعيين، فضاء طوبولوجي، مكان بلا مسافة، حيث يجب إعادة تحديد المسافة، وحيث يجب وضع المسافة في طوبولوجيا أولى. لقد غيرنا المكان.  وأود أن أستخلص من ذلك على الأقل عاقبتين أو ثلاث عوقب ثقافية كبيرة.

تحدثت قبل قليل عن المكان الذي كان يُشار به إلى نقاط معينة، كانت بشكل عام نقط تركيز. عندما كنت أغادر منزلي وأذهب إلى الحي اللاتيني، قبل سنوات، كنت أشاهد تشييد الأبراج الأربعة للمكتبة الكبرى، كنتُ أشاهد ذلك لحزن، لأن تلك الأماكن التي كان سيتم تجميع، مئات آلاف الكتب فيها، في وقتٍ لا يلزمني سوى الضغط على محرك للبحث لأرى أي نص، وبالتالي أعفى من القيام برحلة إلى مكان التجميع هذا. وفكرت، بطريقة لا تقاوَم، في الساعات الشمسية التي بناها مهراجا نيودلهي في القرن السابع عشر في ضاحية عاصمة الهند، للحصول على مقاييس سماوية دقيقة، في حين كان الهنود، المساكين، يجهلون أنه، على بعد عشرة آلاف كيلومتر فقط من هناك، كان غاليلي في ذلك الوقت قد اخترع التلسكوب الفلكي، مما جعل تلك البنيات مما عفا عليه الزمن تمامًا. ومع ذلك، نعلم أن لدينا الشبكة لكي نستغني اليوم عن هذه الساعات الشمسية التي تصرخ وتتسلى فيها اليوم عصابات من القرود. أعتقد أن المكتبة الكبيرة يمكن أن تلقى مصيرا مماثلا، إذا كان لدينا مناخ دافئ بدرجة كافية.

كانت أماكن للتجميع لم نعد بحاجة إليها. ما هو الحرم الجامعي؟ إنه مكان لتجميع الأساتذة، والطلبة، والمساكن، والمختبرات، والمدرجات. هل نحن حقا في حاجة إليه عندما نعيش في مكان جديد؟ هل نحن حقا بحاجة إلى كل هذه التجمعات؟ ماذا أفعل هنا؟ أنتم متجمعون. كان يمكن أن أبقى في بيتي، وألقي محاضرة عن بُعد، e-conférence، كما يقال. الآن نحن لا نحتاج إلى هذا النوع من الاحتشاد، لأننا لم نعد نعيش في ذلك المكان.

النتيجة الثقافية الثانية: تحدثت قبل قليل عن العواقب القانونية أو السياسية، وسوف آخذ مثالين منها يظهران أننا لا نعيش في ذلك المكان، سآخذ على الأقل مثالا قانونيا واحدا.

لذا، دعونا، من فضلكم، نعود إلى كلمة عنوان (adresse). ففي (adresse) البادئة هي (ad) التي يكتبها أصدقاؤنا الإنجليز (add)، ثم هناك (directus)، باللاتينية، وهي علامة على الاتجاه والمسافات. هذا، للهندسة، ولكن هذا الاتجاه + المسافة هو الـ (rectus) الذي يعني الحق. لذا، فالمكان المعني كان فضاء قانونيا، فضاء للحق، وعندما تقول 133، ساحة الجمهورية، فأنت تشير إلى رجل مستقيم، حيث إذا لم تدفع الضرائب، فإنه يمكن أن يأتي جامع الضرائب إلى ذلك المكان، يستدعيك هناك، يجعلك تدفع ما تدين به للدولة. هذا هو الإقامة في مكان هندسي، أولاً وقبل كل شيء، وبعد ذلك في مكان للحق. ولكن بالإضافة إلى ذلك، فهذا الحق (directus, rectus)، الذي يعني القانون هو مأخوذ من الكلمة اللاتينية (rex) التي تعني الملك، وبالتالي فهو مكان هندسي، بالطبع، مع مسافة بالطبع، هو مكان قانوني، ومكان سياسي. لأنك إذا لم تفِ بالتزاماتك العسكرية، أو المدنية، أو ارتكبت جريمة، أو جنحة، فإنه يمكن لقوات الدرك، والشرطة، أن تنتقل إلى عنوانك لتأخذك نحو الخدمة العسكرية، أو إلى السجن جرَّاء ما ارتكبت، وما إلى ذلك. لذلك، فهو مجال للقانون.

تغيير المكان هو أوَّلا تغيير القانون، وثانيا تغيير السياسة. وإذا كنا قد غيرنا المكان، فعلينا أن نستنتج أننا في مكان لا يوجد فيه قانون، وهذا صحيح. في الواقع، أن تكون الشبكة، أو معظم الأمكنة التي تعملون فيها، هي، في الوقت الراهن، أمكنة خارجة عن القانون، فمن المستحيل بطريقة معينة أن يُطبق فيها قانون الخارج، من المستحيل تطبيق قانون مكان آخر على هذا المكان. ومع ذلك، فهذا مما يحدث.

في العصور الوسطى، كانت الغابات أمكنة خارجة عن القانون. والشبكة هي نوع من الغابة بمعنى العصور الوسطى. ولأن تلك الغابات كانت مكانا للخروج عن القانون ولا يذهب رجال الشرطة إليها، يمكنكم أن تتخيلوا أن المغتصبين والقتلة واللصوص وكل الأشرار والمجرمين كانوا يذهبون لاستيطان تلك الغابة، حيث لن يقعوا تحت قبضة رجال الدرك والشرطة، وبالتالي كان الأشخاص الشرفاء يعبرون ذلك النوع من الأماكن بصعوبة، ما لم يكونوا تحت حراسة.

كانوا يتنقلون في فضاء ينعدم فيه القانون كما نفعل اليوم، ولكن في يوم من الأيام حدث أن اكتشف مسافرون شجعان أن أولئك الأشرار والمجرمين كانوا يتنكرون، وأنهم كانوا يرتدون نوعًا من سترة خضراء مع نوع من قبعة خضراء، وأنهم جميعا كانوا يطيعون قائدا. لا شك أنكم عرفتم القصة التي أحكي الآن: إنها غابة شيروود. كان الرئيس يُدعى روبان دي بوا (روبان الغابات)، وتعرفون ماذا يعني روبان دي بوا، لأن الجميع يعرفه، ولكن أظن أنه بوسعي أن أفيدكم بما تعنيه تلك الكلمة. دي بوا (des bois) تعني اللاَّ حَقّ، بما أن الغابة ليست من القانون، أنها خارجة عن القانون، وأنها مكان للخروج على القانون، ولكن روبان (Robin) هو من يرتدي رداء (Robe)، أي سترة القاضي.

وهذا هو القانون الجديد، أي ما سيحدث لأي تكنولوجيا جديدة. فبدلا من تطبيق قانون خارجي على هذا المكان الذي لا قانون فيه، من الضروري للغاية أن ينشأ، في ذلك المكان، وفيه فقط، بشكل أصلي وأصيل، قانون جديد. علاوة على ذلك، فقد وُلدت جميع القوانين التي نعرفها بهذه الطريقة ما دام حتى القانون الروماني قد وُلد، على حد علمي، من توأمين مولودين من ذئبة أو يرضعان ثديي ذئبة.

كان الاثنان ابني عاهرة في الغابة، وكانا في مكان ينعدم فيه القانون، ومن هناك خرجت مؤسسة روما، أي القانون الجديد. لذلك، فإن تغيير المكان له آثار ثقافية كبيرة تمس ما هو قانوني وما هو سياسي، وتعلمون بدون شك، أنني أعتقد أن عددا منكم، مثلي، قد وقعوا الأسبوع الماضي في حب امرأة أود أن أمدحها، ولو سريعا بالمناسبة، لأريكم إلى أي مدى يمكن للسياسة أن تتغير.

كتبت هذه السيدة التي تسمى هوارد، وهي من مواليد لييج، سنُّها 51 عاما، ومتزوجة بشخص اسمه إيدي، فلاماني، مهنتها منظِّمَة إدارية، كتبتْ في مدونةٍ يوم 10 أغسطس 2007، أنها حزينة جدا بشأن تقسيم بلدها إلى قسمين فصيلين متنافسين، أو إلى قسم والوني وقسم فلاماني، قسم ناطق بالفرنسية وآخر بالهولندية، وأنها تود أن تظل بلجيكا موحدة. قالت هذا، ثم نشرت هذا النص القصير في موقع www.petition.be، والذي يمكنكم زيارتهم متى تشاؤون. في الأربعاء التالي كان لديها 48 ألف توقيع، وبعد شهر جمعت 103 ألف توقيع، وفي نهاية نوفمبر كان لديها 160 ألف توقيع، فنظمت مسيرة في بروكسيل، ضمت أربعين ألف شخص.

إذا أجرينا المقارنة بين رجل سياسي، يسعى طوال حياته، طوال عشر سنوات، إلى الحصول على أصوات، فينال 600 ألف إلى 700 ألف بصعوبة، وهذه السيدة التي ليست سوى مدام هوارد، مثلما أنا ميشال سير، أو أي شخص، وفجأة يتم الحصول على 160 ألف صوت في غضون بضعة قليلة. لا مجال للمقارنة بينهما. لذا ترون أن التكونولوجيات الجديدة تسمح بحق جديد، كما قلت للتو، بسياسة جديدة، بلا شك. مدام هوارد هذه التي يبدأ اسمها بالحرف (هـ) هي طائر سونونو يعلن عن ربيع ديمقراطي كنت أتمناه منذ عقود.

ها أنتم ترون أن التنقل من الأماكن ليس لا شيء.. إنه تنقل من نوع سياسي وقانوني، وتنقل في السَّكن. والعيش في مكان جديد ليس أمرا بريئا. فهو له عواقب معقدة من وجهة نظر العلاقات الإنسانية والسياسة والقانون.

III. البشر والمعرفي

هل سيكون للتقنيات الجديدة تداعيات على طريقة حياتنا وخاصة على طرق معرفتنا؟ تحدثتُ قليلا عن ذلك حول تعريف علاقتنا بالأشياء الحية، بأشياء العالم، وبالعلوم الإنسانية وتحدثت أيضا قليلا عنه منذ اللحظة التي رأيت فيها إلى أي حد قد تغيرت الحرف أيضا لغويا وعمليا على حد سواء.

والآن دعونا نعود إلى أنفسنا، من فضلكم. عندما كنتم في فصل الفلسفة، لا شك أن مدرسين تقليديين علموكم أن المعرفة البشرية تشتمل على ما كان يُطلق عليه ذات مرة ثلاث ملكات:

  • هناك الذاكرة؛
  • ملكة الخيال؛
  • وملكة العقل.

وهذه الملكة كانت توصف، كان الفلاسفة يصفون الفهم البشري بهذه الأشكال الثلاثة، ثم كان هناك معرفيون تقدموا شيئا فشيئا، البيولوجيا، والكيمياء الحيوية للخلايا العصبية، لمعرفة كيف تعمل بالضبط هذه الأنشطة الثلاث.

أود أن أختار ملكة واحدة، بطريقة عشوائية شيئا ما، وأحاول تحليلها أمامكم بناء على هذه التقنيات الجديدة. لنأخذ، على سبيل المثال، الذاكرة أو تذكروا أني ميزت قبل قليل بين ثلاث ثورات: المرحلة الشفوية، ومرحلة الكتابة، ومرحلة الطباعة، ثم اليوم المرحلة الجديدة التي دخلناها للتو. في حقبة المرحلة الشفوية، كنا نجتمع في المساء للاستماع إلى (les aede)، وهم المنشدون اليونانيون الذين كانوا ينشدون الأوديسا أمام الفلاحين وأمام البلاط الملكي. علاوة على ذلك، يُعتقد أن هوميروس ليس مؤلف الملحمة، وإنما كان ببساطة الكاتب الذي نقل كتابةً كل التقاليد التي جمعها قدماء الشعراء اليونانيين في المرحلة الشفهية.

في ذلك الوقت،كان الشعراء المنشدون يتوفرون على ذاكرة كبيرة، لأنهم كانوا قادرين على سرد رحلات أوليسيس في 3000، 4000، 5000 من الأبيات الشعرية، ولدينا تقاليد مميزة تمامًا حول هذه الذاكرة. فعلى سبيل المثال، إذا فتحنا أي حوار من حوارات أفلاطون، وجدناه يبدأ دائما على النحو التالي: أحد المارة يتعرف عل صديقٍ، في الشارع أو في الساحة العامة، يناديه ويقول له: أنا أعرفك، يبدو لي أنه قيل لي إنك كنت حاضرا في يوم وفاة سقراط، يجيب الآخر: نعم غرفتكَ. آه نعم، نعم، كنت حاضرا في وفاة سقراط، قضيت الساعات الأخيرة معه، فيقول الأول: آه، اجلس، أخبرني بما قاله سقراط، فيوافق الآخر على الجلوس، ويخبره بما قاله سقراط، وتستغرق روايته 245 صفحة.

والشخص الذي يروي ذلك الحدث لا يضع فاصلة واحدة بين على الكلمات التي أدلى بها سقراط طوال الليلة التي سبقت شربه للسم. كان لديه ذاكرة. علاوة على ذلك، فقد دامت تلك الذاكرة لفترة طويلة جدًا، نظرا لأن تقنيات الكتابة والطباعة لم تنتشر في كل مكان. من الواضح تماما أنه، في العصور الوسطى، عندما كان ألبرت لوغران يُدَرِّسُ في السوربون، كان الطلاب يقفون أمامه وأيديهم خلف ظهورهم، ويستمعون إلى ما يقوله ألبرت لوغران في علوم الكونيات أو الفيزياء، وكان كل طالب منهم قادرا على أن يستظهر، بعد مرور ثمانية أيام، ثماني سنوات، بل بعد عشرين عامًا، بالنقطة والفاصلة تقريبا، كلّ كلمات أستاذه في علم الكونيات. كانت لديهم ذاكرة قوية.

الكارثة الأولى هي اختراع الكتابة، بمجرد ظهور الكتابة، علاوة على ذلك فكل الأفلاطونية هي الصراع بين سقراط الذي لا يريد الكتابة ويمدح الكلمة الحية، ضد أفلاطون الذي يريد الكتابة ويمدح الكلمة الميتة الممددة على الرق. هذه المعركة معروفة جيدا، لأنها أدت إلى اختراع هذه الفلسفة، ولكن في ذلك الوقت، كان هناك فقدان كبير للذاكرة، وهو فقدان نعترف به كل صباح، عندما، أثناء الاستماع إلى محاضرة أو غيرها، نقوم بتدوين نقط لعدم نسيان ما يقوله المتحدث أو الرئيس أمامنا، بالتالي فنحن ليس لدينا ذاكرة كافية للاستظهار، كما كان عليه الأمر في المرحلة الشفوية.

إذاً المرحلة الأولى: فقدان الذاكرة، لكن هذا الفقدان للذاكرة لا علاقة له بكارثة عصر النهضة أو بالتحديد باختراع المطبعة التي أفقدت معاصريها الذاكرة تماما. ولدينا ذلك هنا البراهين الواضحة، بما أن مونتانييه، في نص معروف جيدا لدرجة أنكم كتبتهم عليه عندما كنتم تلاميذ دون أن تفهموه بقدر ضئيل مثلي، يقول (مونتاننيه فيه): «أفضل الرأس الجيدة على الرأس الممتلئة.»، أي أفضل الرأس المصنوعة بشكل جيد على الرأس المملوءة جدا. ماذا يقصد بذلك؟ يعني ببساطة أن المؤرخ الذي يريد، في ذلك الوقت، أن يعمل في تخصصه، كان ملزما بأن يحفظ عن ظهر قلب تاسيتوس، وتيتي ليف، وهيرودوت، ثم ديانا صقلية، وما إلى ذلك. يجب عليه أن يحفظ المكتبة بأكملها عن ظهر قلب، لماذا؟ لأنه لا يمكن الوصول إليها إلا عن طريق المخطوطات، في القاهرة، وروما، في ثلاث أو أربع مكتبات، في باريس في جامعة السوربون، وربما في أكسفورد، لذلك فهو ملزم أن يحفظ عن ظهر قلب.

إذا كنت فيزيائيا، كان عليك أن تحفظ عن ظهر قلب كل من الفلاسفة اليونانيين ما قبل سقراط، وأرسطو، وما إلى ذلك. ولكن بمجرد وجود المطبعة، لا تعود هناك أي حاجة للحفظ ظهر قلب. يكفي أن يُحفظ عن ظهر قلب المكان الذي يوجد فيه الكتاب، على الرف. يا له من اقتصاد! كارثة! فقدنا ذاكرتنا تمامًا، يُفضل الرأس جيد الصنع على الرأس الممتلئة بشكل جيد، وفجأة، اليوم، لدينا جميع المعلومات في الشبكة، مثل المكتبة الكبرى، بالإضافة إلى ويكيبيديا، وأنتم أعلم مني بكل ما لدينا، لم نعد في حاجة إلى الذاكرة، لم تعد لدينا الذاكرة، فقدنا الذاكرة، لم تعد لديكم أي ذاكرة. كيف يمكن أن نقيس أن ملكة قيل لنا إنها كانت ضرورية للعقل البشري لها تاريخ كهذا بحيث يمكن أن نقيس اختفاءها؟

لمحاولة فهم ما تعنيه هذه الخسارة، يجب علينا أن نحلل كلمة (فَقَدَ). لقد فقدنا ذاكرتنا، ولكن ماذا ربحنا؟ لأن (خَسِرَ) هو عكسُ (رَبحَ). ولكي أشرح الفرق بين الخسارة والفوز من وجهة نظر معرفية، يسرني أن أستحضر أحد أساتذتي القدامى، كنتُ مُعجبا به كثيرا، كان أستاذا لمادة عصور ما قبل التاريخ، وكان يُدعى لورا غورون، شرح لنا معنى (خسر) بشيء من المحاكاة.

قال: كنا فيما سبق رباعيي الأرجل، كنا من ذوات أربع أقدام، ثم وقع حدث، دام لآلاف السنين طبعا، جَعلنا نقف على قدمين، وبالتالي، قال، فإن الأطراف الأمامية فقدت وظيفة حمل الجسد. آه نعم، كان يقول، صحيح أنهما فقدا وظيفة الحمل، ولكن مقارنة بحوافر الحصان، ومخلب السلطعون، ومقارنة بالعضو النهائي للأطراف الأمامية الحيوانات، انظروا المعجزة التي تحدث. لقد ابتكرنا اليد. علاوة على ذلك، فقد كتب كتابا في اليد، وقال: إنها أداة عالمية، بمعنى أن اليد غير مجدية مقارنة بمخالب السلطعون وبمخالب الأخطبوط أو مقارنة بحوافر الحصان، هي لا تُستخدم في وظيفة واحدة، بل تُستَخدَم في كل شيء. فباليد يمكننا الإمساك بمطرقة، ويمكننا لمس صديقتنا، ويمكننا العزف على الكمان، وغدا ربما سوف يبتكر أحفادنا إيماءات أخرى أو وظائف أخرى لليد. فهي أداة عالمية. فقدنا شيئًا منسقًا، فاكتشفنا شيئًا عالميًا. نعم، لكن خلال ذلك الوقت، في الفترة التي كنا نمشي على أربعة أرجل، كان للفم وظيفة الإمساك: كان يصطاد ما نأكل، كان يصطاد فرائسه.

نعم، لكن بمجرد ظهور اليد، فاليد هي المسؤولة عن وظيفة الإمساك، وبالتالي يفقد الفم هذه الوظيفة تمامًا، فَقَدَ وظيفة الإمساك. نعم، فقدها، ولكنه أصبح أداة عالمية. وها نحن هنا، بمعنى أنه أصبح يتحدث، وبالكلام يمكننا أن نقول أي شيء. وهذا يعني أنه يمكننا تخزين المعلومات ومعالجة المعلومات، وإرسال المعلومات وفجأة، أصبحنا تحت تصرفنا، لأننا فقدنا وظائف معينة، لذلك اكتسبنا أدوات تشبه إلى حد كبير الأداة التي وصفتها أو التي حددتها سابقًا، أدوات عالمية.

إذن ماذا فقدنا؟ هنا فقدنا ذاكرتنا. ماذا ربحنا؟ ولكن يمكننا أن نعود إلى التاريخ ونرى أنه بالضبط لأننا فقدنا الذاكرة، استطعنا خلال عصر النهضة، أن نبتكر العلوم الفيزيائية، لأننا لم نكن بحاجة إلى أن نحفظ عن ظهر قلب الدوكسوغرافيا القديمة حول الفيزيائيين، فكان يكفي المرء أن يلاحظ، ولأنه فقد هذا النوع من الذاكرة أو ذاك، فقد تمكن من أن يجد نفسه قد تحرر بالفعل من وجوب التذكر الساحق. وبالتالي، وجدت الخلايا العصبية نفسها حرة في القيام بهذا النشاط الجديد أو ذاك، وبالتالي هذا هو الفرق الذي يمكن أن يوجد بين الخسارة والربح. الخسارة على صعيد ما يمكن التعرف عليه، والمنسق، والقابل للتنسيق، والربح على صعيد النظام المبتَكِر، غير المحدَّد، بدون هدف محدد، باختصار ربحنا أننا أصبحنا بشرا.

حتى الآن، حددت فقط الخسارة مقارنة بالربح، ولكن في الفرنسية، كما تعلمون، للفعل خسر (perdre) معنى مختلف تمامًا. (خسِر) يعني أيضا عندما تثقب المقلاة من الأسفل، فأسفلها يخسر جراء التنقيط. أليس كذلك؟ الإنسان حيوان وحش جسده يخسر. الإنسان حيوان جسده يخسر. نعم، في كل مرة نخترع أداة، ولتكن المطرقة، على سبيل المثال. إذا نظرتم إلى المطرقة، أنا أرى في المطرقة ساعدا ونقطة. بدلاً من أن أضرب بساعدي، أمسك المطرقة التي هي ساعد ونقطة بحد ذاتها، وبطريقة ما فقَدَ الجسد البشري ساعده، والمطرقة التي اقترنت بالجسد، وظائف للجسد، ليصبح هذا التخارج للوظائف. نحن نستعين بوظائف خارجية. ليس من الصعب معرفة كيفَ اختُرِعَت العجلة، يكفي الاستعانة بمصادر خارجية لزوايا دوران الشباب أو الكاحلين وما إلى ذلك، وأنت تستعين بمصادر خارجية لشيء ما.

أعتقد أن كلمة ذاكرة لها معنيان فقط، وأنتم تستخدموها بكلا المعنيين:

  • المعنى الذاتي: له ذاكرة، لا ذاكرة له، فلان له ذاكرة أكثر من ذاكرتنا، هذا هو المعنى الذاتي.
  • لكنكم تقولون أيضا ذاكرة الحاسوب.

وبالتالي فالكتابة ذاكرة، والمطبعة ذاكرة، واليوم لديكم ذاكرات أفضل بكثير من ذاكرات أسلافكم. لقد فقدنا الذاكرة، لكننا خسرناها بوجه آخر. لقد فقدناها ذاتيا، لكنها استعانت بمصادر خارجية، موضوعيا. وخسارتنا لذاكرتنا لها معنيان: فقدناها لأننا لم نعد نمتلكها، لكننا اكتسبناها لأنها أمامنا، وبالتالي هذا ما أسميه في كتب أخرى «الداروينية الخارجية للتقنية»، أي هناك الاستعانة بمصادر خارجية من الأشياء، وهذه الأشياء تتطور بدل أجسادنا. باختصار، هذا لا يهم، ولكن يمكنك أن ترى هنا أن ما كنتم تعتبرونه في السابق ملكة معرفية، أي الذاكرة، هو ليس ملكة معرفية معطاة ودائمة في النوع البشري أو الفرد البشري أو في ثقافة ما، بل يعتمد على تاريخ الحامل، وسأعمم هذه المسألة بكل سرور. فنحن لا نعود نملك نفس طريقة التفكير، ولا نعود نمتلك نفس العلوم، ولا نعود نمتلك نفس الثقافات، ربما لا نعود نمتلك نفس السياسات ونفس الأديان، بمجرد ما نغير الحامل.

فالحامل المكتوب حول الحضارة بطريقة نسينا بها تماما ربما المرحلة الشفهية، والحامل المطبوع غير حضارتنا تماما عما كانت عليه قبل مرحلة المطبعة. وأخشى كثيرا أننا اليوم في تغيير ثقافي مماثل، بحيث لا يغير فقط المحتوى الثقافي والمحتوى العلمي، ولا يغير فقط المحتويات الدينية أو غيرها، على سبيل المثال، ولكن يغير الطريقة التي نعرفها، والطريقة التي نعرفها، وباختصار المعرفي بشكل عام

لماذا؟ لأن هذا النوع من الملكات يتغير اعتمادا على الحامل. وبطبيعة الحال، فإن البرهنة التي قمت بها للتو بخصوص الذاكرة، أي بخصوص ملكة الاستذكار، يمكن القيام بها أيضا بخصوص العقل، والخيال. ففي حواسيبكم توجد مليارات من الصور أكثر مما يمكنكم أن تتصوروه أو تحلموا به في أي وقت مضى، وبالتالي فملكة خيالكم نفسها تتحول بطريقة مساوية لملكة الذاكرة.

في هذا الصدد، أنصحكم بأن تقرأوا باهتمام كبير كتابا ألفه شخص أظن أنه موجود في هذه القاعة، يسمى جيل داوك، وعنوان الكتاب هو تحولات الحساب، أو على وجه التحديد كيف أن مشكلة الحساب، ومشكلة العقل، قد تطورت بشكل غير عادي على مدى عدة آلاف من السنين بحيث يكون هناك أيضا تحول عميق في طريقة المعرفة، أي النشاط العقلاني.

علاوة على ذلك، فقد فاز هذا الكتاب، بواسطتي، بالجائزة الكبرى للفلسفة في الأكاديمية الفرنسية. لذا ترون، أن في الإينريا فلاسفة أفضل من هذا الذي يتحدث إليكم. هذا الاستدلال المتعلق بالمعرفة (أو الإدراك)، والذي اقتصرتُ فيه على الذاكرة، والتي يمكن أن نقوم بها بخصوص المخيلة والعقل، ذلك الاستدلال ينبغي أن يقنعكم بأن الثورات الثقافية التي ذكرتها تدخل الآن ثورة معرفية كبيرة، وأن طريقة المعرفة تتغير بمجرد ما يتغير الحامل، أو بالأحرى تتغير بمجرد ما تطور الاقتران حامل-رسالة بهذه الطريقة.

وختاما، أود أنتهي عند المعرفة (أو الإدراك)، وبها أنهي محاضرتي. في قديم الزمان، كانت هناك مدينة تدعى (لوتيس). لم تكن تسمى بعد باريس. التاريخ: القرن الثاني إلى الثالث الميلادي. السياسة: الإمبراطور دوسيس يحكم روما. القانون والشرطة: أصدر الإمبراطور ديسوس مرسوماً يقضي، في جميع أنحاء الإمبراطورية، باضطهاد المسيحيين الأوائل وسجنهم وإلقائهم للأسود. ولوتيس، عن طريق الجزر البريطانية وأيرلندا وبروتاني، كما تعلمون، وليس من الشرق والغرب، ظهرت المسيحية منذ القرن الأول في لوتيس. وفي إحدى الأمسيات، تجمع المسيحيون الأوائل في قاعة.

نحن لا نعرف حقا في أي مكان في مدينة باريس، وقد انتخبوا للتو في الإليزيه، في ذلك الوقت، أسقفهم، وكان يدعى دُينيس – الاسم لا يهم – وحدث ذات مساء، بعد ظهر أحد الأيام، أن كان المسيحيون الأوائل مجتمعين في قاعة، كما نحن الآن، وكانوا يستمعون بعناية إلى ما كان يقوله أسقفهم الذي كان في مكاني، والذي كان يحثهم، لا أعرف جيداً ما كان يقوله لهم، ولكنهم قبل كل شيء عمدوا إلى إغلاق كل السدَّادات، كل الأبواب، كل النوافذ، تحسبا للحالة المرعبة، وهي أن يأتي الفيلق الروماني ويقتحم القاعة، ويضطهدهم ويدخلهم السجن. وبشعور من التقوى، كانوا يتابعون حديث أسقفهم دنيس عندما حدثت المأساة فجأة.

حطم الفيلق الروماني الأبواب والنوافذ، واقتحم القاعة، ومر قائد الفيلق عبر الممر المركزي، واعتلى المنبر، واستل سيفه وقطع رأس دونيس، فتدحرجت الرأس على الأرض. ذهول: رهبة، قلق، ولكن معجزة. المعجزة: ينحني الأسقف دنيس، ويمسك رأسه بكلتا يديه. عندما حكت لي جدتي هذه القصة، قلت لها: ولكن كيف تعرف على رأسه؟ لكنّكم تضحكون، لكن هذه هي المعجزة، قالت لي جدتي، هذه هي المعجزة. يأخذ الأسقف دنيس رأسه ويقدمه إلى رعيته، وبالطبع فإن أفراد الفيلق الروماني بما فيهم قائد المائة، هربوا مرعوبين من المعجزة المذكورة. المعجزة. وهي معجزة يمكنكم مشاهدتها بها في البانتيون رسمها رسام إطفائي دعا بونا، فيما أظن، ولكن الرسم معروف باسم معجزة القديس دنيس التي تم تمثيلها، والتي هي في كل ذكريات التاريخ تقريبا. هذه هي الحكاية التي أردت أن أنهي بها محاضرتي.

عندما تقفون في الصباح، أمام حاسوبكم، فأنتم تقفون أمام رأسكم مثل رأس القديس دنيس، لأنَّ في رأسكم توجد الملكات التي حدثكم عنها للتو: هناك الذاكرة، هناك الخيال، هناك العقل.  لديكم مائة ألف برنامج للقيام بعمليات لن تنجزوها بدون رأسكم، ولكن رأسكم أصبحت خارج الجسد. لقد فقدتم رأسكم، أي أن الإنسان الحديث هو إنسان سأدعوه، محاكيا عنوان رواية دوميزيل الشهيرة، «الإنسان بلا ملكات»، أي أن الملكات الآن موجودة هناك. فقدتموها، وهي هناك قبالتكم، والمعرفة كلها، والخيال كله، وجميع الوظائف العقلانية هي موجودة أمامكم. رأس القديس دنيس تحت تصرفكم.

السؤال الآن، وهو السؤال الختامي والقاطع والحاسم، هو: ماذا تبقى لكم فوق العنق؟ إذا نظرتم إلى اللوحة المذكورة، لوحة بونات، التي أنا بصدد وصفها، وجدتم أنه وضع على رأس القديس دُنيس المقطوعة نورا شفافا متوهجا إلى حد ما. ماذا بقي لنا فوق الرقبة؟ حسناً، سيداتي سادتي، أود أن أختتم هذه المحاضرة بكلمة كارثية، كارثية. لقد حكمت علينا التكنولوجيات الجديدة بأن نصبح أذكياء.

لقد أصبحنا أذكياء، بمعنى أن لدينا المعرفة أمامنا، كما لدينا الخيال أمامنا، وما إلى ذلك، ولكن نعم، نعم نحن محكوم علينا بأن نصبح مبتكرين، وأن نصبح أذكياء، وأن نصبح شفافين، وهذا يعني أي أننا نوجد على مسافة من المعرفة، على مسافة من الخيال، على مسافة من الإدراك بشكل عام، وكل ما يتبقى لنا بالضبط هو الإبداع. هذا خبر كارثي بالنسبة للمتبرمين، لكنه خبر مثير بالنسبة للأجيال الجديدة، بمعنى أنَّ العمل الفكري اليوم مُلزم بالتأكيد بأن يكون عملاً ذكيا وليس تكراريا كما كان حتى اليوم. شكرا لكم.

مشاهدة المحاضرة:

السابق
سيرج بوشاردون: الأدب الرقمي. جذوره، تاريخه ومميزاته / ترجمة محمد أسليم
التالي
كربستين رامات: الكتابة الرقمية فضاء جديد للتجريب الأدبي والبيواغوجي