أدب رقمي

سيرج بوشاردون: الأدب الرقمي. جذوره، تاريخه ومميزاته / ترجمة محمد أسليم

تمهيد:
مرحبا بالجميع. شكرا للـ INSPÉ (المعهد الوطني العالي للأساتذة والتربية) للترحيب بنا. أنا سعيد بوجودي هنا لأتحدث إليكم. أنا مهتم بكل ما هو ممارسة للكتابة الإبداعية الرقمية، وتدريسها، ومهتم بالكتابة الرقمية على نطاق واسع، ولكني سأركز مداخلتي في هذا الصباح على الأدب الرقمي. ولإعطاء مثال حي على ما سأقول، سأعرض عليكم في البداية مثالا موجودا على الخط، عنوان هذا العمل هو «فقدان السيطرة»(1)، وهنا سأتحدث من موقع المؤلف. يتعلق الأمر بعمل إبداعي يعود إلى عام 2010، وهو حكاية تفاعلية موجودة على الخط، وسنعيش معا تجربة سردية وتفاعلية للشعور بفقدان السيطرة هي حكاية شخص يفقد السيطرة على حياته، هذا ليس سعيدا جدا. سأحاول أن أقوم بالأداء قليلا.

• عرض عمل أدبي رقمي تفاعلي («فقدان السيظرة»):
الآن سنرى قليلا كيف ستسير الأمور، لأنَّ ما هو مطروح في المقابل هو مسألة التفاعلية التي ستجري. تقع الحكاية في ستة فصول وتجري بطريقة النكتة، يُطلب منا الضغط على أي زر من لوحة المفاتيح، وإذن فالحكاية تفاعلية. إذا لم أفعل شيئاً، فإن لا شيء يحدث.

المشهد الأول

«طوال حياتي، كنت أظن أن أمامي مجالا من الاحتمالات اللانهائية» (إذا أخذت الآن الماوس، سأصف في الوقت نفسه ماذا يحدث، سأمرر مؤشر الماوس فوق الجملة)، كنت أظن أن العالم كله ملك لي، وأملك الاختيار. أنا سيد مصيري (وهنا ندرك أن حركتنا كانت مُتوقَّعة، فقد تغير مؤشر الماوس، ولكن لا شيء يحدث، حسنا، سأنقر). يمكنني أن آخذ كل ما يعجبني. (حسنا، أنقر على مختلف الأماكن). سوف أصبح ما أريد، لقد رسمتُ، طريقي الخاصة. جُبتُ مناظر طبيعية خلابة، وكان ذلك طبيعيا، لأني اخترتها، لكن، منذ فترة تراودني شكوك، كيف أسيطر على ما يحدث لي؟ (الآن فقدت للتو مؤشر الماوس، كل شيء هرب، يمكنني مواصلة تحريك مؤشر الماوس، ومع ذلك فالجمل تظهر، أحاول استعادة مؤشر الماوس). ها هو كل شيء يفلت من بين أصابعي: الأشياء والأشخاص لدي أحساس بأني لم أعد أتحكم في شيء.
والآن، منذ وقت قليل لا أنتظر سوى شيء واحد: ما الذي سيلي إن أردت أن يكون موعدك بعد 10 سنوات اضغط على 1، بعد ثلاث ساعات، اضغط على 2، الآن اضغط على 3.
(سأختار أن يكون الموعد حالا، وأكتب ثلاثة).

المشهد الثاني، مشهد اللقاءات:
لكن الموعد كان متحيزا. لم أفطن لذلك إلا بعد مرور وقت طويل. المرأة التي أمامي، بدت مثالية، تركني فاغر الفم، استحال علي نطق شيء متناسق. الآن تظهر جمل على الشاشة، يمكنني أن أمرر فوقها مؤشر الماوس، هل تريدين أن نمشي قليلا؟ أحب طريقة ابتسامتك. أجدك حقا جميلة جدا، هل تأتين دائما إلى هنا؟ هل أهديك كأسا أخرى؟ حضورها قلبَ كياني. كان علي أن أطرح أسئلة أخرى لأكشفها (والآن بمساعدة مؤشر الماوس، يمكنني أن أرسم تدريجيا صورة المرأة الشابة، وحركة يدي هي التي تساهم في بناء الصورة التي ترونها تظهر
دون أن أفطن) فهذه المجهولة ستصبح زوجتي. تقاسمنا كل شيء، لكنني لم أستطع أبدا أن أعرفها حقا، واليوم أيضا أتساءل: من منا يتبع الآخر؟ عندما أحبها تحبني. مرت عشرون سنة على لقائنا. هذا الصباح أنا ضائع في كلمة تركتها لي. كل شيء يتشوش في ذهني. لا أعرف كيف أشرحها: كلمة حب أو إنهاء علاقة؟ (هنا أشاهد جملة تظهر، نسمع صوت كارمين في الخلفية، بصوت منخفض شيئا ما. أدرك أنني، من خلال تحريك مؤشر الماوس في جانبي الشاشة، يمكنني أن أعرض الجمل بطريقة مختلفة هنا، أسمع كارمين بوضوح، في الظاهر يتعلق الأمر بكلمة حب، بالأحرى، أحبك. منذ اليوم الأول لا أعلم كيف يمكنك تصديق أني لا أريد أن أبقى معك. وماذا سيحدث الآن إن أحرك مؤشر الماوس في جهة اليسار؟ أحصل على الجمل نفسها، لكن بترتيب معكوس، نسمع أيضا كارمين، لكنها تغني بطريقة معكوسة وهنا الكلمة هي كلمة «فراق». والفكرة هنا هي جعل المستخدم يعيش مجددا. هذه التجربة، وهي تجربة التفسير المزدوج للكلمة والغموض بواسطة الحركة التفاعلية: لقد انتصر حبنا وأدنى سوء تفاهم زال، اللامبالاة، اختفت. إنها كذبة، ليس لدي إلا الحب. إنها صدمة. إنها فكرة أننا نعيش بالفعل تجربة تفاعلية. نحاول أن نجعل المستخدم يشعر بما قد يشعر به عندما يفقد السيطرة ماذا يمكنني أن أفعل؟)

المشهد الثالث:
(لو كانت وحدهما لأمكنني قبول ذلك، ولكن ابني يملك نفس الأسلحة، يريد رأيي في كتابته، ولكنني لا أفلح في التركيز في نصه، وإذن، هنا لدينا تأثير الابن المراهق يأخذ مسافة من البطل لا يجد صورة البطل جذابة جدا. ولكن على الأقل، باعتباري أبا، لكي أجسد فعلا ذلك الدور، باعتباري مُستخدِما، فإني هنا أتماهى مع الراوي هنا، وهو الأب. لي بالطبع ميل إلى أن أقرأ بين السطور. أيضا معنى ضمني لسوء التفاهمات. في هذه الرسالة التي يوجهها لي الابن المتكلم. إذن كيف تجعل فكرة القراءة بين السطور تفاعلية؟ سنترك النص يُعرض كله هل النص مقروء أم لا؟ على كل حال، فهو هنا معروض على شكل بيكسلات شيئا ما. لدينا ولد لا يزال شابا. متعلم شيئا ما، هذه كتابة جيدة. إن أنقر على النص، نشاهد نصا آخر يظهر، وبالتالي فهنا أيضا حركة اليد تساهم في بناء المعنى، في هذه الحكاية التفاعلية لا يتم اللعب باللاخطية، وبمسارات مختلفة، بل نحن في مسار خطي (أو سطري)، ولكن التشديد يتم بالأحرى على مسألة تدخل القارئ التي يتم تنفيذها)

المشهد ما قبل الأخير
(بعد زوجتي وابني، الآن أنا نفسي، صورتي الخاصة التي تهرب مني بطريقة ما. هل أنا قابل للتشكيل؟ ها هي بصدد الانفلات مني، تهرب مني. الآن كاميرا الحاسوب تشتغل، يمكنكم مشاهدتي على المباشر. نسمع موسيقى أنشأها هيرفي زينودا، وهو موسيقي. أصوات احتكاكات غربية، وهنا أملك السيطرة، بنا أنني أستطيع أن أتحكم في صورتي، ولكني أشعر في الوقت نفسه بأنه مُتحَكَّمٌ فيَّ. بالتالي فأنا داخل هذا التناقض. أقدم لكم وِضْعَة أولى. أحسُّ بأني موضوع تلاعب)

المشهد الأخير
(إنه مشهد أكثر إيجابية، الآن سيكون وقت استعادة السيطرة. إن أحرك الماوس على الشاشة، أحصل على جمل قابلة للقراءة إلى حد ما العثور مجددا على اتجاه، ربط مسار الأحداث، منح معنى لأفعالي، التوقف عن الدوران في حلقة مفرغة، وبعد ذلك تظهر لدي نافذة للكتابة، لذلك. أخيرا سأكون قادرا على استعادة السيطرة وكتابة نصي الخاص لأقول لكم كم أنا سعيد لكوني معكم. ها أنا أكتب: أنا سعيد جدا بكوني معكم. ومن الواضح أنني أدرك بسرعة أنه مهما كانت المفاتيح التي أضغط عليها في إيقاع الكتابة، تظهر أحرف أخرى في الحقيقة هي نوبة فقدان السيطرة. أنا لا أتحكم مطلقًا في النص الذي يظهر كل ما أستطيعه هو قراءة هذا النص بالضغط على المفاتيح. أفعل كل شيء للتحكم في مجرى حياتي أختار، مشاعري، المعنى الذي أعطيه للأشياء. أخيرا أشعر بأني تعافيت).
هذا فيما يخص هذه الحكاية التفاعلية الموجودة في شبكة الإنترنت، في ستة مشاهد. سأغلقها.
سوف أنتقل الآن إلى شيء سيكون أكثر أكاديمية في العرض، وأردته تعليميًا جدًا بالنسبة لكم، بالنسبة لمعظم الذين لا يزالون في مرحلة التكوين الذين كانوا طلابًا وسيصبحوا مدرسين مستقبلا. هذا هو المثال الافتتاحي الذي يمكنك العثور على الانترنت.

• الأدب الرقمـــي: جذوره، تاريخه، مميزاته
في المقدمة، ما يهمني هو هذا التوتر بين الإبداع الرقمي والإبداع الأدبي. توتر يمكن تقسيمه إلى ثلاثة أسئلة:
– ما الذي تقدمه الرقمية كاحتمال للإبداع الأدبي؟
– انطلاقا من كائن الأدب الرقمي، ماذا تعلمنا الرقمية حول الإبداع الأدبي وحول التعبير الإبداعي بشكل عام؟
– وفي المقابل، ماذا يقول لنا الأدب الرقمي عن الكتابة الرقمية على نطاق أوسع؟ والفكرة هنا، هي أن الرقمية هي أيضًا كاشف للكتابة الرقمية. الكتابات الرقمية العادية، ممارساتنا اليومية، قيودها وإمكانياتها.
وهكذا، فمن زاوية التوتر الإبداعي، هذه، بين الإبداع الرقمي والإبداع الأدبي سأتناول موضوع الأدب الرقمي، هناك تمييز أول يجب القيام به: الأدب الرقمي.

1. الأدب المرقمن والأدب الرقمي:
الاصطلاحات هنا ليست جامدة: أدب معلوماتي، أدب إلكتروني، وأدب سيبراني، يقول البعض. هذا الأدب موجود بالفعل أكثر من 50 عاما. وإذا كانت الاصطلاحات ليست جامدة، فمن ناحية أخرى يتفق النقد عمومًا على التمييز بين شكلين رئيسيين: من الأدب في الوسيط الرقمي الأدب المرقمن والأدب الرقمي، ولو أن الحدود بين الاثنين تكون غير واضحة أحيانا وربما تميل إلى أن تكون غير واضحة بشكل متزايد. الشكل الأول، وهو الأدب المرقمن، الذي كُتب للورق وتمت رقمنته، يمكن تنزيله، وقراءته على جهاز الحاسوب المحمول، على هواتفنا أو على ألواحنا الرقمية. من المؤكد أن التكنولوجيا الرقمية قد حولت عمليات نشر هذا الأدب المرقمن، بل وفي كثير من الأحيان غيرت حتى وسائل قراءته، بحيث يمكن أن تكون لدينا روابط تشعبية، ويمكننا إضافة تعليقات توضيحية، ولكن طبيعة النص لم تتغير بشكل أساسي. يمكن دائما طباعته دون تغيير معناه، وسبب وجوده، وهو ليس الحال مع الشكل الثاني من الأدب، وهو الأجب الرقمي، الذي يُكتب للجهاز الرقمي وتتغير طبيعته بعمق إذا ما تمت طباعته. إذاً فالأدب الرقمي موجود منذ أواخر خمسينيات القرن الماضي، لكنه انطلق في ثمانينياته وتسعينياته. وعلى الرغم من أنه رقمي أصلاً، إلا أنه لم يظهر بالطبع في فضاء ثقافي فارغ
فهو غالبا ما يندرج في تقاليد الحركات الطليعية (الأدبية) التي حاولت بالفعل تجاوز إطار الصفحة الورقية الثابت بواسطة هذه الأجهزة النصية التشعبية أو العشوائية قبل الكلمة، سواء كانت خيالات نصية تشعبية أو قصائد متحركة أو أعمالا تستخدم التوليد الأوتوماتيكي للنصوص الإبداع الأدبي.
الرقمي الأصلي مزدهر حاليا، وخاصة في الأنترنت. بالنسبة للمؤلفين، يتعلق الأمر بتصميم وإبداع أعمال خصيصا للحاسوب والحامل الرقمي والسعي لاستغلال خصائصه: بعد الوسائط المتعددة، والتحريك النصي وتكنولوجيا النص التشعبي، ثم التفاعلية. حتى مؤلفين مكرسين في الطباعة مثل فرانسوا بون، يرون في الرقمية فرصة لتجربة أشكال سردية وشعرية جديدة. وسأتحدث عن جذور (أو خطوط انتساب) الأدب الرقمي، وتاريخه ما دام له بالفعل تاريخ منذ 50 عام، ثم أحاول تسليط الضوء على أربع خصائص لهذا الأدب.

2. جذور الأدب الرقمي (أو خطوط انتسابه):
في الخطوط الانتساب، أميز بين ثلاثة عناصر، سأعرضها بسرعة نسبيا ما دام الأدب الرقمي، كما قلتُ، يندرج في خطوط نسب معروفة.
1.2. التوليفية La combinatoire:
لطالما سكنت الممارسات النصية، منذ كتاب التحولات الكبرى(2) الذي كان عبارة عن متن للعرافة في الصين القديمة يتألف من 64 علامة، إلى الأوليبو(3) (Oulipo). وأفضل مثال معروف بدون شك هو مائة ألف مليار من القصائد(4). وبالمناسبة من المنطقي تماما أن بعض المؤلفين من جماعة الأوليبو (ورشة الأدب الاحتمالي) كانوا من بين الأوائل الذين اهتموا بالحاسوب باعتباره مولدا أوتوماتيكيا للنصوص الشعرية في الخط نفسه، يقدم برناردو سكيافيتا عمله رافيل(5) Raphèl، في شبكة الأنترنت، وهو عبارة عن كولاج من الاقتباسات، لن آخذ وقتا لعرضها عليكم، ينبني على شكل تعليق لامتناهٍ على جملة مأخوذة من الكوميديا الإلهية. إنه مقطع دوري يتكون من 10 أسطر يمكنه أن يعيد إنتاج نفسه إلى ما لا نهاية انطلاقا من روابطه. وهكذا تتغذى الكتابة التوليفية من استيهام الكتاب اللامتناهي.

2.2. الكتابة المقيَّدة l’écriture à contrainte:
واعتمادا على نهج آخر للتوليف، يضع ريموند روسيل عمله في ظل نظام تعليمات الكتابة
وبالتالي يعلن عن الكتابة المقيدة التي مارستها جماعة الأوليبو. ويصر العديد من المنظرين على هذه القرابة بين الكتابة المقيَّدة والأوليبو.

3.2. قضية المقطع (أو الكتابة الشذرية):
خط الانتساب الثاني هو قضية المقطع: يمكن اعتبار المقطع في بعض النواحي نوعا أدبيا، كالمثل، والمأثورات. وفي تاريخ الأدب الأوروبي الحديث، كان الرومانسيون أول من طالبوا بالمقطع كنوع أدبي في حد ذاته. وهنا أشير إلى شذرات نوفاليس الحاملة لعنوان Blüthenstaub الصادرة في نهاية القرن XVIII. وفي الأدب الرقمي، تقع مسألة المقطع والربط بين المقاطع في صلب إشكالية النص التشعبي والسرد النصي التشعبي. في الواقع، يعلق المقطع حزمة من الروابط، موضعه غير مستقر، ويتغير وفقا لمسارات القراءة. وللرواية الجديدة التي يمكن أن تشتغل فيها الكتابة المقطعية أيضا تأثير على كتابة الحكايات التشعبيىة. فالتسلسل الزمني للسرد في الرواية الجديدة غير مميز، والخلط بين العودة إلى الوراء والتقدم إلى الأمام، وتجزيء النص، وغيره، يزعزع استقرار القارئ الباحث عن معنى ينزلق بعيدا مع تقدم القراءة، في الرواية الجديدة. علاوة عن ذلك، فقد اهتم بعض مؤلفي الرواية الجديدة اهتماماً وثيقاً بالأدب الرقمي، مثل ميشيل بوتور الذي تعاون مع مجموعة أنفوليبو. لقد التقيت به، في الخريف الماضي، في كومبيني، وهي مدينتي، وأسر لي أنه لو كان الآن مؤلفاً شابا لكتب في الأدب الرقمي.
لقد وضعت مثالا على الحكاية النصية التشعبية لا يزال موجودا في شبكة الأنترنت يعود تاريخه إلى تسعينيات القرن الماضي، لكاتبة بلجيكية اسمها آن سيسيل براندربورجي(6)، بالتالي لن أقتطع وقتا لعرضه عليكم.

4.2. الكتابات التصويرية
هي ثالث خط انتساب كبير للأدب الرقمي. ومنذ تقاليد الكتابات التصويرية للعصور الوسطى، مرورا بقصيدة ضربة نرد لمالارميه وكاليغرامات أبولينير، فضل الأدب أحياناً الوجه المحسوس للعلامات اللغوية، ولاسيما في الإبداع الشعري. والعديد من مؤلفي الأدب الرقمي هم جزء من تقاليد الكتابة البصرية والصوتية، هذه، بدءا من شعر الحرفية Lettrisme لإيزودور إيزو، إلى الشعر الملموس Poésie concrète، مرورا بالشعر الصوتي Posésie sonore الذي سيصبح شعرَ أدَاءٍ Poésie-performance. وسنرى مثالا جميلا لفيليب بوانارد الموجود بجانبي.
وقد أدى ظهور الوسائط المتعددة، على وجه الخصوص إلى تطور هذه الآداب، من خلال استكشاف الجانب المادي للكلمات، نحو أشكال جديدة. هنا أيضا كنت خططت لعرض أمثلة عليكم، ولكن سأكتفي بوضع شرائح رهن إشارتكم إن شئتم، على سبيل المثال لا غير، وهي لفيليب كاستلان(7)، هي موجودة أيضا في شبكة الانترنت، وتسمح باللعب على الكلمات الثلاث: الحب، أنت، وأنا، وهي قصيدة بالتأكيد رائعة.

3. تاريخ الأدب الرقمي:
لهذا الأدب في حد ذاته تاريخه، وسأقوم باستعراضه بسرعة في خمس مراحل.
1.3. التجارب التوليفية:
تعود التجارب التوليفية إلى نهاية خمسينيات القرن الماضي، في ألمانيا مع ثيو لوتز الذي بدأ من أول 100 كلمة من ر واية القصر لكافكا، ومع بريان جيسين في الولايات المتحدة. الحاسوب هنا هو أداة مساعدة في الإبداع. يتدخل المؤلف لفرز النتيجة المحصل عليها وتعديلها. وفي فرنسا، لدينا مثال اشتهر أيضًا، وهو الآلة الكاتبة لجان بودو
يعود إلى عام 1964، ويوضح جيدًا مفهوم الأدب المدعوم بالحاسوب. فقد قام جان بودو بتصميم برنامج توليفي، ثم جمَّعَ النصوص التي ولَّدها الحاسوب. ومن الواضح أن المرجع يظل هو النص المطبوع أو الذي يتم إلقاؤه. وقد ظهر تدريجياً إدراك خصوصية الخوارزميات المحوسبة في نهاية سبعينيات القرن الماضي، حيث صمم بيدرو باربوزا في البرتغال، أعمالًا توليفية، خاصة بجهاز الحاسوب، ثم في عام 1980، تم إنشاء مجموعة ألامو ALAMO (جمعية الأدب المدعوم بالرياضيات والحاسوب) التي طالبت صراحة بأدبية معلوماتية. إن التطور المتزايد للوصف الخوارزمي إلى جانب القوة الحسابية لأجهزة الكمبيوتر يتيح نهجا «عِلميا»، هو التوليد الأوتوماتيكي Génération automatique للنصوص الذي طوَّره جان بيير بالب في أواخر سبعينيات القرن الماضي، وثمانينياته انطلاقا من عمله البحثي على التركيب الأوتوماتيكي لما يسمى باللغات الطبيعية. بالتالي، يتعلق الأمر هنا بطريق معلوماتية على وجه التحديد، غير قابلة للتنفيذ في حامل مطبوع. علاوة على ذلك، يواصل جان بيير بالب العمل في هذا الاتجاه. لذا، في شبكة الأنترنت، وهذا حديث جدا يواصل جان بيير بالب التوليد الأوتوماتيكي للنصوص. وهنا، لديكم أشعار هايكو(8). لقد أنشأ مجموعة كاملة من المدونات باسم «اختفاء الجنرال بروست»، وبالتالي فتلك الأشعار جزء من هذه المجموعة من المدونات. ولذا فليس لدينا أبدا بروست يقدم لنا أشعار الهايكو. شعر أيامنا هذه موجود: «أنا أرفض أن أكتب الهايكو ما لم تعربوا عن رغبتكم من خلال استخدام الزر أدناه، ولكن إذا أبديتم الرغبة في ذلك، فإنتاجيتي الشعرية لانهائية». بالتالي، سوف نقوم بتوليد هايكو:
تأخير الاستمتاع
الهواء يرفض
هكذا، فالكائن طالما هو كائن
هو آخر
آخذك في صدري
الكاتب يستيقظ
تجديد متطرف
وهكذا، بطبيعة الحال يكننا أن نولد أشعار هايكو إلى ما لا نهاية كان هذا فيما يخص التوليد الأوتوماتيكي للنصوص.

2.3. النص التشعبي
بعد فترة وجيزة، في 1980 ظهرت في الولايات المتحدة أول الحكايات النصية التشعبية بعد الحكاية التي تشاهدونها على الشاشة وهي قصة ما بعد الظهيرة، لمايكل جويس، وقد صدرت في عام 1987 في قرص مرن، ودشنت التطور المذهل للنص التشعبي الأمريكي الذي سيصل بعد ذلك إلى أوروبا. وهنا نرى أشياء على القرص المدمج: روايات تفاعلية. هنا فرانسوا كولون(9). وبعد ذلك، في شبكة الأنترنت، حيثُ ذكرت قبل قليل نص «تجليات مزعجة»(10) لآن-سيسيل براندنبورجر. وهناك نص تشعبي آخر لا يزال موجودا في شبكة الأنترنت ومُتاحا، يعود إلى أواخر 90، ألفته لوسي دُ بوتيني، تحت عنوان اللارواية(11). وهنا لدينا عنوان مثيرا جدا.

4.3. المرحلة الثالثة:
الفترة الثالثة من تاريخ الأدب الرقمي هي فترة متزامنة إلى حد ما مع الفترة السابقة في تلك الفترة نفسها، وفي فرنسا على وجه الخصوص ستقوم مجموعة Laire ومجلة Alire التي أصدرها فيليب بوتز بلعب دور حاسم، وسينظر فيليب بوتز لما يسميه “جماليات الإحباط (أو الحرمان) Esthétique de la frustration” التي يوضحها نص «ممر» ويصر (بوتز) على أن العمل الرقمي يفلت جزئياً من قارئه لأن برنامج العمل والخوارزميات غالبا ما يكونا غير مرئيين، لكنه يفلت أيضا من مؤلفه بسبب عدم الاستقرار الأساسي للجهاز. في الواقع، جراء التطور السريع لسرعة إنجاز أجهزة الكمبيوتر للعمليات الحسابية، وجراء التغيرات التي طرأت على الأجهزة والبرمجيات المستخدمة في الإبداع الرقمي، فإن بعض الأعمال صارت تُعرض بسرعة كبيرة جدا بحيث أصبحت اليوم غير قابلة للقراءة، كما أصبح من المتعذر حتى الوصول إلى أعمال أخرى لأن البرامج المستخدمة في تأليفها عفا عليها الزمن، في حين أدت هذه الملاحظات أحيانا إلى استكشاف شعري لأبعاد الأدب الرقمي العابرة.
تتحدث ألكسندرا زايمر عن جماليات الزائل esthétique de l’éphémère وتنطبق بشكل خاص على الشعر المتحرك. هذه لقطة فيديو لقصيدة لفيليب بوتز من تلك الفترة بعنوان “A bribes abattues”. هنا نحن حقا في التحريك المعجمي والتركيبي. هذا النص يعود إلى عام 1990. أريكم فقط البداية، النص موجود في شبكة الأنترنت. هذا كل شيء، إنه محبط. ولكن أتوقف هنا، لا أعرف هل خلق فيكم رغبة الذهاب لرؤية إبداع فيليب بوتز.
وأخيراً، فإن مراعاة شبكة الأنترنت في الممارسات، لا سيما بفضل ظهور أعمال جماعية، إلى جانب تأثير الفنون الغرافيكية والفنون الرقمية قد أدى إلى ظهور أعمال أدبية تشاركية هنا لدينا كتاب الموتى من تأليف كزافييه مالبريل وجيرار دالمون، نشر في أوائل 2000، وهو يعمل الآن بشكل مختلف قليلا عن ذي قبل. الآن نحن موتى ونكتب كتاب موتانا، نجيب عن أسئلة. في ذلك الوقت كان يمكننا استشارة الإجابات التي قدمها مستخدمو الأنترنت الآخرين في صالون القراءة. نحن هناك حقا في الأدب الإسهامي التشاركي.
والآن حول حرية الحكايات التشاركية، في الشبكات الاجتماعية، يوجد حاليا اتجاهان رئيسيان للأدب الرقمي في فرنسا: الأول هو كل ما يشكل أداء للأدب المبرمج والمولَّد بالحاسوب. فيليب بوانارد، حاضر هنا، هو أفضل مثال عنه في فرنسا مع رفيقته هورتانز غوتييه، ومن هنا جاء الاسم process HP. ولن أقول أكثر عنه مادام فيليب سيلقي مداخلته بعد قليل، ثم من جهة ثانية، هناك كل الوسائط التشعبية المتحركة الموجودة في شبكة الأنترنت المصمَّمة من أجل ما يسميه فيليب بوتز «القراءة الخاصة» على الحاسوب، ولكن أيضا على اللوح الرقمي وعلى الهاتف الذكي، والتي تستغل معا العرض الديناميكي للنص والبُعد متعدد الوسائط، وتركز على التفاعل مع القارئ. قدمت لكم قبل قليل مثالا، كان طبعا مجرد مثال، هو نص فقدان السيطرة، والآن أيضا هناك ميل إلى محاولة الخروج من الشاشة مع أكواد الرد السريع، والواقع المعزز، وتحديد الموقع الجغرافي، وهنا يتم إنتاج المزيد والمزيد من الأعمال الخيالية فيما يسميه الأنجلوساكسون السرديات محددة الموقع الجغرافي، كما تُستخدم أيضا المكانية، والمكان المادي أو الهجين، الفضاء الرقمي مع الفضاء المادي.
أود أيضا أن أذكر حقيقة أنه على الحدود بين الأدب الرقمي و«الأدب التقليدي» لدينا طبعا كل أعمال فرانسوا بون، وبيار مينارد، وأيضا سيسيل بورتييه. إليكم ثلاث لقطات شاشة منها. فرانسوا بون(12)، بيير مينارد(13)، سيشيل بورتييه(14)، كل هذا موجود في شبكة الأنترنت. كما لسيسيل بورتييه مدونتها المكتوبة بشكل جميل ولديها أيضا إبداعات يمكن ربطها بالأدب الرقمي. هذا مثال لها، هو شيء أنجزته مع طلابها في الثانوية بمدينة أوبيرفيلييه حول مسألة الآثار، وكذلك الأدب التشاركي، ثم هناك إبداعها، بالنظر إلى ما هو موجود يعتبر بالفعل إبداعا جميلا في الأدب الرقمي ستجدونه في شبكة الأنترنت.

4. خصائص الأدب الرقمي:
سأبرز أربع مميزات لهذا الأدب الرقمي، وهي أنه مُبرمَج، ومتعدد الوسائط، وتفاعلي:

1.4. الخاصية الأولى: البرمجَة:
سأوضحها بقصيدة في شبكة الأنترنت لجوليان دابيرجون بعنوان «استمتعوا برحلة عبر الزمن في لحظة لا نهائية»(15)، وهي قصيدة تعود إلى بدايات أعوام 2000. ماذا نلاحظ هنا؟ يقو لنا جوليان دابريجون إن سبب وجود هذه القصيدة هو أنها مهما يحدث فإنها تظل أكثر القصائد معاصرة، إذ من خلال تنشيط العمل يُشغل القارئ قصيدة متحركة تتألف من التاريخ والتوقيت الحاليين اللذين يظهران بخطوط مختلفة في فضاء الصفحة – الشاشة، وفي نهاية النص يظل النص مجمداً لبضع ثوان، قبل أن يُعاد توليده أوتوماتيكيا، مع مراعاة الوقت الجديد. لذا، فإن نص هذه القصيدة ليس متحركاً فحسب، بل ليس له أي استدامة. ومن الواضح أن نص القصيدة المحسوبة لن يكون هو نفسه لأن التاريخ والوقت بالطبع سيكونان دائمًا مختلفين، بالتالي فإن هذا الإبداع، في رأيي، مفيد جدا، لأنه يسلط الضوء جدا على حقيقة أن النص الرقمي يتكون في الواقع من نوعين من النصوص: نص مشفر، هو شكل من أشكال التسجيل الذي سيتم تفسيره، ونص معروض على الشاشة، أي شكل من أشكال الاستعادة. وعلى عكس ما يحدث على الحامل الورقي، هنا شكل التسجيل والحروف التي تم طباعتها، وأشكال الاستعادة التي قرأتها كقارئ هي متطابقة. لذا، فبين شكل التسجيل وأشكال الاستعادة، بين الاثنين هناك وساطة الحساب. لذلك من الواضح أن هذا يفتح العديد من الاحتمالات والعديد من أشكال الاستعادة المختلفة حتى وراء هذا اللعب بين النص الكود والنص المعروض للقراءة.
يمكننا أن نشير إلى الإخفاء البنيوي لكل برنامج معلوماتي. فالقارئ لا يعرف ما يقوم به هذا البرنامج وما هو بصدد حسابه. مسألة الرابط التشعبي، كثيرا ما يقال: نعم، ولكن هنا أيضا لدينا وثائق تشعبية لدينا الحواشي، لدينا فهرست المحتويات، ولكن الرابط هنا إذا نشطه القارئ فالآلة هي التي تعالج هذا الرابط، وعندما أنقر على وصلة تشعبية فأنا لا أعرف أبدا إذا كان هذا الرابط سيكون ثابتا أو ديناميا، كما لا أعرف إذا ما عدتُ لهذا الرابط هل سأحصل على شيء آخر، من خلال تفعليه إذ يمكن أن يكون رابطا مشروطا أو عشوائيا وهذا أيضا هو ما يثير الاهتمام في هذا البعد المبرمج الذي يستعمله كثيرا العديد من مؤلفي الأدب الرقمي هذا عن البعد الأول، وهو البعد التفاعلي.

2.4 التفاعليـة
الآن سأريكم بسرعة كبيرة قصيدة «الشاعر المِسْحَج»(16) لفيليب بوتز لأنها توضح جيدا جمالية الإحباط، أي أنها تفاعلية، حيث إن لم أقم بحركة ما فلا شيء يحدث. عندما يؤدي فيليب هذه القصيدة، يكون لديه مِسْحَجٌ حقيقي، ليس الروبوت robot الشاعر، بل لديه مِسحَح rabot لتنشيط النص، لذا يجب أن أسحج الشاشة لأجعل النص يظهر والقراءة تتقدم، وما يقوله فيليب هو أن «القراءة تمنع القراءة» بما أنني إن لم أقم بإيماءة لن أستطيع القراءة لأن لا شيء يحدث، ولكن إذا قمت بحركة فمن الواضح أنني سأجد صعوبة في القراءة في الوقت نفسه. هذا هو ما يسميه «جمالية الإحباط (أو الحرمان)» في قصيدة الشاعر المسحج.
بعد ذلك، ماذا لو لم أقاوم متعة أن أريكم نص «لا تلمسني»(17) لآني أبرامز هذا أيضا عمل إبداعي أحبه كثيرا، وهو بصيغة صوتية، بالتالي، سوف نسمع صوت آني: ننظر من النافذة. في الواقع، إنه حلم رأته عندما كانت مراهقة هنا أكشف لكم قليلا… يتحول جسد الفتاة عندما يوضع تحت ضغط عيون الرجال، والصدمة التي يمكن أن تولد قليلا، وهكذا أسمع هذه الحكاية الصوتية. ولكن بما أن لدي الماوس، وجسد امرأة يقدم نفسه إلي، فإنه يمكنني، بشكل قهري قليلا، إما أن أنقر أو أن أوجه مؤشر الماوس، ورأينا «لا تلمسني»، ثم تتوقف الحكاية وتعيد تشغيل نفسيها من البداية. سأحاول مرة ثانية. «لا تلمسني»، تتوقف الحكاية مجددا. ولذا، فهنا، في الحوار بين السردية والتفاعلية، يمنع التفاعلُ السَّرْدَ، أحاول مرة ثالثة. قلت: «لا». يحدث الشيء نفسه: تتوقف الحكاية وفي الأخير لدينا فقط شاشة بيضاء، ولكنها تعرض جيدا مسألة التفاعلية، كما تقودنا بالطبع إلى نهج تأملي فيما يتعلق بإيماءتنا المتفاعلة، وربما حتى بالنسبة للصور التي يمكن العثور عليها أحيانا في الشبكة. هذا فيما يخص البعد التفاعلي.

3.4. بعد الوسائط المتعددة:
ربما لن أصر على هذا الجانب، لأنه يعتبر البُعد الأبسط، رغم أن هناك احتمالات أخرى، كالعلاقة بين النص والصورة والصوت، وهي جوانب يتم الاشتغال عليها منذ وقت طويل حتى قبل الرقمية. ولكن هناك إمكانات أخرى تنفتح. حسنا، ستأخطى هذا الجانب.

4.4. البعد الزمني:
هذه الخاصية مثيرة للاهتمام، لأن الرقمية تتيح حقا اللعب على أنماط مختلفة من الزمن. هنا، على سبيل المثال، في قصيدة فاليري بودوان، نحن بالفعل في التدفق السمعي البصري. سأطلق الفيديو. إنه قصيدة فيديو. سوف تمر أمامنا. وهنا، يتطابق تدفق الوعي حقا مع تدفق الصور. علاوة على ذلك، فمع التفاعل، بالطبع، يمكننا الانتظار في كل مرة يحدث فيها إجراء. ومن ثم يمكننا أن نلعب بالاثنين معا. في الواقع، مع الرقمية هناك مجموعة كاملة للعب على الطريقة التي سندير بها زمانية القارئ. على سبيل المثال، وهذا قد يكون مثالي ما قبل الأخير، وهنا أيضا لن أعرضه كاملا. هنا، هنا، لديكم عمل يسمى «مجهول»(18) ألفته جماعة تسمى أيضا «مجهولة». هذه حلقة، أطلقت الفصل الثاني. لقد بدأ بإشعارنا أننا أمام عمل تفاعلي بما أن لدي امرأة تستولي على مؤشر ماوسي قبل أن تعيده لي. هناك لدينا زوجان يتناولان وجبة الغذاء إذا مررت هنا، فوق النص، يمكنني التحكم بطريقة ما في تدفق الفيديو. يمكنني أن أجعله يشتغل في هذا الاتجاه أو ذاك. هنا خادمة مع الرجل الذي يُسقط وعاءه عمدا. ما يهمني أيضا في جميع احتمالات إدارة الزمنية في الأدب الرقمي. يروقني كثيرا هذا الجانب من تتمة العمل، كما يعجب طلبتي كثيرا.
وهنا، لدينا عمل إبداعي يقوم على الكثير من الفيديوهات التي تلعب على الزمنية. هنا الأمل، يمكن أن أمسك به، وأضعه في مكان آخر. أين أضعه؟ هذا جميل. سأغلق على إيقاع هذه النوتة الموسيقية للزهرة الزرقاء لتوضيح البعد الزمني.

خاتمة:
قلت في المقدمة إن الإبداعات الأدبية الرقمية مزدهرة في الوقت الراهن، إلى أي حد يمكن أن نقول إنه حقل ناشىء؟ في مرحلة أولى، تشكل هذا المجال على الحدود، على هامش المجال الأدبي التقليدي، ثم مال إلى الاستقلال إلى حد ما، مع مؤسسات وشبكات لإضفاء الشرعية، خاصة إلى حد ما. في الواقع، حدث له ما جرى مع الشعر الصوتي والشعر الملموس. بما أن الحقل الأدبي قد نظم نفسه حول الكتاب-الشيء (أو الحسم المادي) objet Le livre، فقد واجه صعوبات كثيرة، على سبيل المثال، لدمج الشعر الصوتي وقبوله. وقد حصل الشيء نفسه تقريبا مع الأدب الرقمي في البداية. والآن هناك نوع من التقارب. فمؤلفو الأدب الرقمي مطلوبين، بما في ذلك من مجتمع الأدباء ومؤسسات إضفاء الشرعية، إذا لزم الأمر، إذ تنظم جوائز لإبداعاته، لذا، فقد جرى حقا تقارب. وإذن عن سؤال: هل يتعلق الأمر بحقل ناشىء، أميل إلى الإجابة بنعم. لماذا؟ لأن مسألة الأدبية على وجه التحديد هي ما تطرحه العديد من أعمال الأدب الرقمي. يقول جان بيير بالب: إن «الأدب المعلوماتي» (حسب تسميته) لا يهتم إلا بما هو أساس الخصوصية الأدبية نفسه، وأعماله في الواقع تميل إلى فتح مجال الأدبية، من خلال دفعنا إلى أن نصنف في خانة الأدب أعمالا أدبية يبدو أنها لا تفي بالمعايير الكلاسيكية للأدبية». النص غير راسخ ولا ثابت، البعد المتعدد الوسائط، التدخل المادي للقارئ من خلال طرح مسألة جمالية جديدة، ولكن أيضاً تغيير مهم في الإبدال الأدبي. تشكل أعمال الأدب الرقمي تجارب أدبية تقع على الحدود. وأخيرًا، لأنكم مدَرِّسون مثلي تمامًا، بصرف النظر عن تفاوت المستوى، لأن لدينا هنا الأعمال التي يمكن تقديمها حقا بعد تسوية قضايا مختلفة على المستوى التربوي. الأدب الرقمي يجرب طرقا. ولكن المدرِّس نفسه الذي يعلم الأدب الرقمي هو نفسه مُجَرِّب، وبالإضافة إلى كون الأدب الرقمي يشكل تجربة أدبية غير مسبوقة في كثير من الأحيان، فهو يسمح بمعالجة مسألة الكتابة على نطاق أوسع. قضايا الحكاية، والنص، وماديته، والمؤلف. ماذا يعني، على سبيل المثال، عمل أدبي كتبه مؤلفون عديدون، أو عمل بدون مؤلف أو عمل أصبح أنا نفسي «مؤلفه» إلى حد ما؟ يجب التفكير أيضا في هذا الأمر أيضا لأنه يعيد تكوين مفهوم المؤلف، واستكشاف إمكانيات الكتابة الرقمية مع التلاميذ وتحسيسهم بشكل أعم بخصائص ثقافة رقمية ناشئة. وشكرا.

مشاهدة المحاضرة:

 

________________________________________
هوامش

(1) «فقدان السيطرة» (النص مترجم إلى 11 لغة بما فيها العربية)
(2) كتاب للتنبؤ بالغيب، يعتمد 64 شكلا لتوليد عدد لا متناه من الأشكال، من خلال توليفها، ثم قراءتها بعد ذلك.
(3) Ouvroir de Littérature Potentielle : جماعة تأسست في فرنسا سنة 1960، وكان تأسيسها ثمرة لحلقة «البحث في الأدب التجريبي» التي نشأت قبل ذلك بعام على يد المهندس فرانسوا لوليوني والشاعر ريمون كينو.
(4) Raymond Queneau, Cent mille milliard de poèmes :
https://x42.com/active/queneau.html
(5) Bernardo Schiavetta, Raphèl:
http://www.gef.free.fr/raphelBS.html
(6) Anne-Cécile Brandenbourger, Apparitions inquiétantes: http://www.anacoluthe.be/bulles/apparitions/
(7) صفحة أِشعار فيليب كاستلان:
https://www.akenaton-docks.fr/DOCKS-datas_f/collect_f/auteurs_f/C_f/CASTELLIN_f/castellin.html
(8) http://www.balpe.name/Contre-Haikus
(9) https://francoiscoulon.com/
(10) http://www.anacoluthe.be/bulles/apparitions/
(11) http://www.synesthesie.com/boutiny/
(12) http://www.tierslivre.net/
(13) http://www.liminaire.fr/
(14) http://petiteracine.net/wordpress/
(15) http://tapin.free.fr/HEURE.htm
(16) https://www.akenaton-docks.fr/DOCKS-datas_f/collect_f/auteurs_f/B_f/BOOTZ_F/Animations_F/rabot.htm
(17) https://www.bram.org/toucher/
(18) http://www.anonymes.net/anonymes.html

السابق
ألبرتو مانغويل: مديح القراءة – قابلته: كاترين بورتفين / ترجمة محمد أسليــم
التالي
ميشال سير: التكنولوجيات الجديدة ثورة ثقافية ومعرفية / ترجمة: محمد أسليـم