قضية الكتاب

ألبرتو مانغويل: مديح القراءة – قابلته: كاترين بورتفين / ترجمة محمد أسليــم

• ألبرتو مانغويل، شكرًا لاستضافتنا. أنت كاتب ومترجم وناشر وقارئ بصفة خاصة
– بصفة خاصة
• وهذا الفن للقراءة هو ما سنتحدث فيه معك. أنت ولدت في الأرجنتين ومواطن كندي، نشأت في الأعوام الأولى من حياتك في تل أبيب، في لغتين لم تكونا لغتك الأم، وهما الإنجليزية والألمانية. ليست هذه سوى بعض اللغات التي تمارسها بما أنك تمارس أيضًا الإسبانية التي هي لغتك الأم. وماذا عن الفرنسية والعبرية؟
– لا
• واللاتينية؟
– طالما أننا نمارسها
• والروسية؟
– لا
• أترى أنك عمليا ما زلت تفتقر إلى العديد من اللغات؟!
– نعم، بالتأكيد
• وربما كانت الكتب هي لغاتك أيضا، فأنت تقول إنك تفكر بالاقتباسات. فعندما يراك المرء يكون لديه مكتبة كاملة أمامه وأطنان من الأصوات الأصوات والكلمات، التي تأتي من جميع اللغات. بدأت حياتك كقارئ عمليا في سن مبكرة جدا وبدأت حياتك كقارئ بشكل مختلف في وقت معين بما أنك كنتَ من يقرأ على بورخيس
– أحد من كانوا يقرأون له
• أحد قرائه. عندما كنتَ مراهقا، في مدينة بوينوس أيريس، كنتَ تذهب إلى منزله لتقرأ له
– نعم
• ويبدو أن هذه التجربة مع بورخيس والقراءة قد ظلت التجربة الأساسية في وجودك تجربة القراءة، اللقاء مع بورخيس وحده
– أمر مهم بالتأكيد ولكني كنت قارئا قبل ذلك
• نعم، نعم، لذلك دعنا نتحدث عن هذا الفن للقراءة. لقد نشرت كتابك الأخير بعنوان «عن الفضول»، وبدأتَه قائلا: أنا فضولي حول الفضول، وهذا الكتاب الذي يشبه كثيرا ما يُعتقد أن القارئ، القارئ الكبير، لديه حلم المكتبة العالمية، وبالتالي تعددية من الكتب. وأنت هنا تنطلق، بخصوص الفضول، من هذه الفكرة. فكرة كتابٍ، في لحظة معينة من الحياة يلخص ويجسد كل ما أنت عليه، كل ما تسعى إليه. كل أسئلتك، كل الأجوبة، كل الشكوك هذا الكتاب هو دانتي، الكوميديا الإلهية. هل يمكن أن تشرح كيف يتم المرور من الاتساع من المكتبة العالمية، إلى كتاب واحد؟
– هذان المفهومان ليسا متناقضين، كل قارئ، كبيرا كان أو صغيرا، لديه المكتبة العالمية أمامه.  وسخاء القراءة هو الذي يقدم لنا كل ما كُتب. إذا أردنا أن نختار صفحة، فإننا، نختارها، وإذا أردنا تنتظرنا، فإنها تنتظرنا، وإذا أردنا أن ننساها، فإنها تُنسى. لذلك، فقدرة القارئ على تصفح المكتبة العالمية هي قدرة موجودة هناك منذ التعلم الأول للقراءة. فنحن نتعلم القراءة، وفي الوقت نفسه نصبح سادة هذه المكتبة الضخمة، في الوقت نفسه نقوم باختيارات. في كل لحظة من حياتنا، كل لحظة من قراءاتنا، نكون شخصا آخر. وهذا الآخر يفضل اليوم أو بعد ظهر اليوم رواية لأغاتا كريستي وصباح الغد حوارا لأفلاطون وليس في هذا أي تناقض أيضا. فكلمة «قارئ» بالمعنى الحقيقي تدل على حرية هائلة ليست مقيدة بالإملاءات الأكاديمية أو الثقافية أو الجوار. إن نحن نبقى أوفياء لهوية القراء هذه، فعلينا أن نعترف بأنه لا يمكن تبرير حبنا بأسباب منطقية سوف يقدرها الآخرون، إذ يمكننا دائما أن نبتكر هذه الأسباب في وقت لاحق ولكن هناك، في كل لحظة نختار فيها كتابا ما فإما أن يكون حب من النظرة الأولى أو لا يكون عندما بدأت في كتابة هذا النص حول الفضول بدافع الفضول، اعتقدت أنه سيكون من الجيد أن يكون هناك كتاب يرسخ أسئلتي. وكان من الممكن أن يكون هذا المؤلف حول الملك لير، أو مونتانييه، أو أليس في بلاد العجائب، وهي كتب مهمة بالنسبة لي. ولكن قبل عشر سنوات، اكتشفت الكوميديا الإلهية لدانتي، وكنت حاولت قراءة الكوميديا عدة مرات في حياتي، ولكني لم أشعر في أي وقت بالراحة في الكوميديا، ولكن الكتب صبورة جدا. تنتظرنا. وقد انتظرتني الكوميديا حتى قبل عشر سنوات، وهنا دخلت إلى هذا النص، فقمت بهذه الرحلة الأولى مع دانتي، وأحسستُ فجأة بأني في عالم من الثراء اللانهائي تقريبا، والعمق المذهل عالم طرحَ، وفي الوقت نفسه أعطى صوتا للأسئلة التي كانت لدي، والتي لدي دائما لأن الأدب لا يعطي إجابة، يطرح أفضل الأسئلة، وهكذا قلتُ لنفسي دانتي والكوميديا الإلهية هما الكتاب الذي سأبني عليه هذا النص
• وفي الأسئلة، علاوة على ذلك، فالأسئلة التي تعطي إيقاعا للعمل هي جميع الأسئلة الكبرى التي قد لا تكون لها أجوبة وبالتأكيد ليس في أي مكان آخر، ماذا نريد أن نعرف؟ كيف نتساءل؟ كيف نفكر فيما نرى؟ ما اللغة؟ من أنا؟ إنه برنامج كبير، إنه برنامج حياةٍ تقومُ به، وتعبره مع هذا الكتاب وحول هذا الفضول الذي تحفره، أنت تشير في لحظة ما إلى الطبيعة الترحالية للفضول، لذا، يمكن ربطه بكون دانتي عندما كتب الكوميديا الإلهيةـ فهو نفسه كان في المنفى
– نعم
• وبالتالي كان مفصولا عن مكتبته
– نعم
• بالتالي، فالكوميديا هي أيضا كتاب منفى، ما العلاقة التي تقيمها بين الترحال، والمنفى، والفضول؟
– الكائن البشري هو كائن رحَّال. فنحن سافرنا، منذ أصول نوعنا، وجميع قصصنا تحكي رحلة. إما رحلة البطل الأول لأدبنا، وهو الملك جلجامش، الذي ذهب إلى لقاء هويته الأخرى، وهي هوية الإنسان البري إنكيدو، وبعد ذلك يذهبان معا في رحلة تأهيلية، إلى الرحلة حول غرفتي. كل شيء سفر، ومن المثير للاهتمام بين قوسين أننا نكون باستمرار في مواجهة هذه الفكرة فكرة تغيير الأرض، والانتقال، والسفر. واليوم، أمام هذه الهجرات السياسية التي تنضم إلى سلسلة الهجرات يمكن القول منذ سِفر الخروج، ولكن أيضا منذ أن عبر أجدادنا مضيق برينغ. لذلك أعتقد أن هناك شيء أساسي في فعل الانتقال من مكان إلى آخر. شي تأهيلي، واستكشافي، وأيضا شيء من المخاوف لأننا إذا سافرنا فالآخرون أيضا يسافرون. وإذا توقفنا في مكان ما، فسيأتي الآخرون إليه، ونحن دائما نخشى من نقلنا من مكان إقامتنا. في حالة دانتي، الرحلة سفرٌ يعبر ممالك الماوراء الثلاث، ولكنه أيضا، سفر فيه يقوم دانتي باستكشاف نفسه، هي رحلة من أجل التعرف على النفس. وكما هو الحال في أية رحلة، هناك سيرة ذاتية وهي حالة دانتي جغرافيا مادية واضحة جدا، وهناك أيضا مرشدون، هناك فيرجيل، بياتريس، القديس برنار. ما كنت أود كثيرا القيام به وأنا أقرأ دانتي وأعيد قراءته، لأنني انغمست في قراءته للمرة الأولى، كما أقول قبل 10 سنوات، ولكنني أعيد زيارته في كل صباح، بالتالي، فهي رحلة تبدأ من جديد، بالنسبة لي، في كل يوم. ومنذ المرة الأولى هو سفر يُعادُ القيام به لأنه يجب علينا ألا ننسى أن دانتي، وهو في المنفى يكتب هذا العمل الذي يصف رحلة تمت بالفعل. هو عاد من السفر، وبالتالي فنحن نعرف النهاية بالطريقة التي نعرف بها نهاية الأوديسا، تُحكى الرحلة عدة مرات، لذلك نحن نعرف بالفعل ما يحدث، ومع ذلك نعيد الرحلة من جديد مع البطل. في حالة دانتي، عنصر استثنائي من بين عناصر عديدة، هو أن دانتي يرافقنا بالعودة إلى الطريق الذي اجتازه ولكنه يترك لنا الانطباع كأننا نقوم بالرحلة لأول مرة. ففي كل لقاء، نحن هم الحاضرون، وفي كل اكتشاف نحن هم الحاضرون، وعندما يصل دانتي إلى الرؤية النهائية التي لا يمكن وصفها بالكلمات نحن هنا شهود على هذه الرؤية، وعاجزون مثل دانتي، بل أكثر عجزا منه، عن إخراج هذه الرؤية للوجود.
• ما هو رائع جدا في فكرة هذه الرحلة، هو أنها تكاد تكون استعارة للكتاب، لما هو الكتاب، وهذا ما تشير إليه، إلى أي حد هذه التجربة منتهية. فالكتاب له دائما نهاية، وسوف يكون دائما هناك شخص ما ليكتب الكلمة الأخيرة. شخص ليقرأ على الخصوص، ليقرأ الكلمة الأخيرة، ولكن ما لا يقال في كثير من الأحيان هو أن ليس هناك بداية. هناك مشكل مع البداية
– نعم
• الاستهلال. وهذه هي تجربة للقراء أيضا. متى تتم البداية؟
– يمكن أن أقول إن الإنسان هو حيوان رحَّال، ولكنه أيضا حيوان راوي، فمخيلتنا التي هي ميزة، جودة العنصر الذي به نبقى على قيد الحياة في العالم تجعلنا نجد قصصا، وحكايات حولنا، وفي الوقت نفسه الذي نخلق فيه هذه القصص، لأن هذه القصص ليست موجودة هنا. في هذه الغرفة لا توجد قصص، وفي الحديقة ليس هناك قصص نصنع قصة نقرأها في الوقت نفسه، في هذا العمل المتزامن لخلق حكاية وقراءتها نحن نعبر أنحاء العالم. تحدثِ عن الكتاب كاستعارة، لهذه الرحلة في الحياة. منذ وقت ليس ببعيد، فكرتُ فيما أظنه واضحا بالتأكيد بالنسبة إليك، وهو أن كلمة ترجمة وكلمة رحلة هما نفس الكلمتين، أي «ترجمة» التي تريد قول حمل شيء من مكان إلى آخر، والترجمة اليونانية لكلمة «استعارة»، بمعنى حمل شيء من مكان لآخر. وفي حين تحمل الترجمة هذا الشيء اللغوي من لغة إلى أخرى، تحمله الاستعارة من مجال للرؤية إلى مجال آخر، من متخيل إلى آخر. لطالما فكرتُ في الاستعارة باعتبارها دليلا على ضعف اللغة. فلو سمحت لنا اللغة بالتعبير عن أنفسنا، بشكل كامل وعميق لما احتجنا إلى استعارة. الاستعارة هي تقريبا عكازات اللغة، وبالتالي عندما نتحدث عن الكتاب كاستعارة للحياة. فنحن نتكلم عنه كرمز للسفر، وهي استعارة مشار إليها في الجزء الآخر من العبارة، لأنه إذا كان الكتاب استعارة للحياة، فالحياة أيضا هي استعارة للكتاب. وفي العبارتين معا ليس هناك بداية حقيقية، وليس هناك صفحة أولى، وليس هناك صفحة أخيرة، لأننا حتى لو كنا في الولادة نصل إلى هذا العالم في ثانية محدَّدة ونغادره في ثانية محددة، فإننا نكون داخل سلالة من الدم والأفكار ليس لها بداية معروفة وليس لها نهاية معروفة.
• عندما تقول إن فن القراءة هو عكس فن الكتابة، ماذا تقصد بالضبط؟
– لقد لخص بورخيس هذا بجملة، إذ قال: الكاتب يكتب ما يستطيع، بينما القارئ يقرأ ما يريد. وبين هذا القيد وهذه الحرية، هناك فرق يقابل بين حركتي الكتابة والقراءة. أيضا القراءة تأتي قبل الكتابة؛ فعندما ابتكرنا اللغة المكتوبة لأول مرة، وجب علينا أن نعرف أولاً فن القراءة، لأنه بدون قدرة على فك شفرة ما لا يمكننا وضعها على الصفحة، أو على الطين.
• نعم، ولكن كيف يمكننا البدء في القراءة إذا لم هناك شيء مكتوب؟
– لأن علينا أن نتخيل شفرة نفك رموزها لحظة اختراعها، قبل أن نضعها كتابة، وهذا يعني أنه يجب عليك التفكير في أن هذه الدائرة ستمثل هذا الصوت، وأن هذا الشكل الهندسي الآخر سيمثل ذلك الصوت الآخر، وأن هذين الصوتين مجتمعين سيعطيان الصوت لكلمة نتعرف فيها على حصان أو حجر. ولكن كل هذا قبل كتابة هذه العلامات أيضا، الكتابة تنتهي في اللحظة التي يضع فيها الكاتب النقطة الأخيرة. ففي تلك اللحظة، يموت الكاتب ويختفي ويظل النص معلقاً حتى يعطيه القارئ أول انبعاث له. بالإضافة إلى ذلك، كل ما قرره الكاتب لنصه: النوع النبرة، القصد، الأخلاق، يمكن أن يغيره القارئ الذي يقرر، ولديه القرار النهائي، على الأقل بالنسبة لجيله في شأن القراءة التي سيُقرأ بها هذا النص، وبالتالي في ماهية هذا النص؛ فقد كتب جوناثان سويفت رحلات غوليفير باعتبارها هجاء سياسيا لعصره، ولكن القراء بعد سويفت قرأوا رحلات غوليفير باعتبارها كتابا للأطفال، وهذا القرار للقراء بوضع غوليفير على رف كتب الأطفال يعطي هوية لهذا الكتاب ولا يستطيع سويفت القيام
بأي شيء للعودة إلى قصده هو ومع ذلك، يظل الكتاب هو نفسه، ومع ذلك فهو لا يزال نفس الكتاب، لكنه ليس دائما نفس النص.
• نعم، وهذا هو أيضا هو المشكل الذي تطرحه بخصوص الترجمة، أي أن كل كتاب هو مترجم قليلا ولكن يمكننا أن نقول هذا حتى لو لم يكن الكتاب مُترجما؛ فهو دائما يشبه تقريبا قارب صيادي العنقريط؛ يعود وكل قطعه قد تغيرت ومع ذلك يبقى قارب صيادي العنقريط.
– نعم
• ما الذي يجعل الأمر لغزاً تقريبا
– نعم
• حوله أنت تتساءل
– وهذا هو جوهر الشعر. الشعر هو ما يبقى عندما يتم تفكيك القصيدة وترجمتها؛ ما يوجد في فضاء هذا التفكك، وهذه الإعادة للبناء، هو الشعر.
• أنت تتساءل، أنت باعتبارك قارئا، لا تجعل القراءة نشاطا بدون جانب مادي؛ هناك مادية الكتاب، والكتاب-الشيء، والصفحة والحروف المكتوبة في الصفحة، والكلمة المكتوبة. كل هذا في غاية الأهمية، وأنت تتناوله بتفصيل في كثير من الأحيان. عندما تقول إن لا شيء يمكننا قوله دون أن نستطيع كتابته، لأن لديك رؤية ليست عادية. عادة يقال إنه تم الانتقال من الشفوية إلى الكتابة، ولكن في الوقت نفسه الكتابة تُجَمِّدُ ما تحفظه الشفوية في حريته. أنت تقول على العكس من ذلك إن الكلمات المكتوبة تطير، ماذا تقصد بذلك؟
– العبارة اللاتينية « scripta manent verba volant» يمكن ترجمتها بطريقتين: الكتابة، كما تقولين، تُجَمِّد الكلمات وتُجذِرُها، والقراءة والشفوية هي الهواء. تذهب إلى أي مكان. ولكن يمكن فهم هذه الجملة نفسها بما يلي: الكتابة تضع الكلمات في تابوت وتدفن الكلمات، والقراءة تعطي للكمات أجنحة، تعطيها حرية لا تملكها الكتابة.
• أنت تضع القراءة إلى جانب الشفوية في نهاية المطاف!
– هي على جانب الشفهية، ولكن يجب القول بأن الأمور ليست بهذه البساطة، لأن هناك مجتمعات شفوية، بطبيعة الحال، ومجتمعات للكتابة يسود فيهما شكل من أشكال التواصل، ولكن في كلتيهما لا توجد النصوص والكلمات بدون جانب مادي. ففي الشفوية يجب أن يكون هناك شخص يتحدث، وآخر يستمع، وبالتالي يجب أن يكون هناك لسان، وشفتان، وأسنان وأّذنان، وكل هذا هو مادي وفي مجتمعات الكتابة، يجب أن يكون هناك طين، وحجر، وورق، أو شاشة، وكل هذه المواد لا توفر فقط إطارا، أو حاملا للنص، بل لها أيضا تأثير على النص وطبيعته. فنحن لا نقرأ نفس الكلمات المطبوعة، وعلى الشاشة، وفي المخطوط، أو في لوح طيني. هذا أمر لا يجب نسيانه. عندما نختار القراءة في حامل ما، فإن هذا الحامل يُغير طبيعة النص.
• بما أنك تحدث كثيرا عن حبك للمادية، وكذلك للكتاب-الكائن، هل تخشى اختفاءه لصالح قراءة رقمية، وما الذي سنخسره بهذا الاختفاء؟
– لا، بالتأكيد لا. فكما تعلمين، هناك نوع من الوثنية وبعض الحنين الذي يقوم لدى كل جيل تجاه ما يفعله المرء طوال حياته. لدي حنين، على سبيل المثال، إلى القدرة على السير في الشوارع دون وجود حركة مرور كثيرة. عندما كنت طفلاً، كنت أذهب إلى المدرسة أحياناً في سيارة مكشوفة. لم أولد في القرن 19، ولكن في حيي ببيونس آيرس، كانت لا تزال هناك سيارات مكشوفة. وأحيانا كانوا يأخذونني إلى المدرسة في سيارة مكشوفة. لذا، هناك هذا الحنين. هذا ليس لقول إن أحدهما أفضل من الآخر. يجب الانتباه كثيرا إلى هذه التقابلات الزائفة التي ترجع إما إلى تفكير كسول أو إلى إرادة تجارية لبيع شيء أفضل من آخر. لا شك أنه في وقت ظهور ورق البردي، تأسف قراء اللوح الطيني اختفاء ألواح الطين لصالح الرولو، وهلم جرا. القراءة الرقمية هي فرصة متاحة لنا اليوم، وهي تترسخ، لكن ربما ليس أكثر من الطباعة. فحتى الآن، للطباعة حياة جيدة وطويلة. أيضا يجب علينا ألا ننسى أن الرقمية ليست المرحلة الأخيرة من تكنولوجيتنا. ستكون هناك تكنولوجيات أخرى، أمامها سوف يسخر أحفادنا منا. نحن الذين كنا نستخدم هذه التكنولوجيا التي عفا عليها الزمن المتمثلة في الرقمية. هذا لا يجب نسيانه.
• هل تتوصل إلى تخيل ما سيلي، إذا كان لك أن تتخيل القادم؟
– ليس لي أن أتخيل ذلك. هناك بالفعل إمكانية تثبيت رقائق في الدماغ، وهذا ما يُفعل للمكفوفين الذين يتلقون نبضات كهربائية تسمح لهم بالتعرف على نص ما. بالتالي، ها هي إمكانية، لكنني لا أعرف ما إذا كنا سنقوم بذلك أم لا، ولكن من المؤكد أن التكنولوجيا تتيح حوامل أصغر حجما، وأخف وزناً، ومتزايدة الدقة. ولكن مهلا. هذا نادر. الأمر متروك لنا لاختيار ما إذا كنا نريد أن نقرأ على هذا الحامل أو على ذك.
• ولكن أنت، اختيارك على أي حال هو فقط إلى الكتب والمكتبات واحتياجات حياتك.
– نعم، ولكنني أفضل المطبخ الإيطالي على المطبخ الفرنسي. بالطبع، مكتبتي تتألف أساسا من كتب ورقية
• وهذه المكتبة، بنيتها ماديا لأنها تجسدت في ذلك المخزن الذي حصلتَ عليه في قرية ببواتو.
– نعم بالفعل
• هل هناك فرق، في رأيك، بين هذه المكتبة المادية الموجودة في مكان ما والمكتبة التي لديك في رأسك؟
– بالطبع، وخاصة، على سبيل المثال، أني الآن بعد أن لم أعد في مكتبتي من أجل الكتابة يجب أن أرجع أساسا إلى هذه المكتبة التي أحملها في رأسي، والفرق الأكبر هو فرق في الجودة، واختلاف في الأرقام أيضًا. فللمكتبة المادية الكثير من الكتب التي فتحتها بالتأكيد، ولكن لم أقرأها، لذلك لا أعرف ما تحتويه. أما مكتبة ذاكرتي، فهي مكتبة يمكنني الرجوع إليها لكي أعمل ولكنها ليست صلبة أو موثوقة مثل المكتبة المادية. ومع ذلك، فأنا أحب كثيرا العمل الآن مع هذه المكتبة التي أحملها في رأسي. فقد رأيت، على سبيل المثال، في نصوص كتبتها مؤخرا، أنني تذكرت أشياء أكثر مما كنتُ أظن حتى ولو أني اضطررت بعد ذلك إلى ضبط إحالات ولكنه تمرين مفيد حسب ما أظن.
• هل يُعتَبر من المثالي بالنسبة لقارئ مُحترف، قارئ حقيقي – فقد جعلت من القراءة حياتك – هل من المثالي أن يحمل المرء مكتبته في رأسه؟
– ولكن، نحن جميعا نحمل مكتباتنا في رأسنا. في بعض الأحيان تكون مكتبات ضخمة، على سبيل المثال، ممثل شكسبيري عظيم، كجان غيلغود، الذي كان في ذهنه كل مسرحيات شكسبير، وبالطبع العديد من النصوص الأخرى أو أي قارئ يثق فيما يتذكره لأننا جميعا نحتفظ ببعض النصوص في ذاكرتنا. لذلك فالمثالي، ليس هذا ضروري، ولكن من الجيد أن يكون للمرء ذاكرة الصفحة. ليس لي ذاكرة للأسماء، والتواريخ، والرؤوس، وجغرافية الأماكن، ولكني أميل إلى تذكر الصفحات التي قرأت.
• وفي هذا الفعل للقراءة الذي تدافع عنه، ما هو خاص جدا لديك مقارنة بمؤرخين للكتاب حقيقيين (كأني هنا أستثنيك منهم!) هو أن لديك معاشرة حيوية للكتب، وهي معاشرة – أنت تقول لنا – شخصٍ علَّم نَفسَه بنفسه. هذا من الصعب قوله، لأنك تابعتَ دراسات، وبالتالي فلستَ عصامي تماما. ولكن هذا النوع من التسكع الذي تدافع عنه في طريقة التحرك عبر الكتب هو الذي يحتوي، في اعتقادي، على شيء مُطَمئن جداً أيضاً للقارئ العادي الذي نحن إياه.
–  ربما هو جانبي الفوضوي. أنا لا أثق بتاتا بالسلطات، أو ما يسمى بالسلطات. أميل إلى مساءلة الأفكار السائدة وعدم اتباع أوامر. لذلك من الأسهل علي، ربما مقارنة بآخرين، عدم الالتزام بما يجب القيام به وما يتم قراءته، وما ينبغي تقديره، وما يجب تركه. لا أسترشد إلا بذوقي، وهذا الاختيار يأخذني أحيانا بعيداً عن نصوص معينة لمؤلفين معينين، لا أتذوقها، ولا أقدرها. ولكننا لا نشكك في فن الطبخ في أن بعض الناس يتذوقون المحار، وآخرين لا يحبون المحار، فلماذا قول: على الجميع أن يحب موباسان أو ويلبيك أو بروست؟ أنا أحب بروست، وموباسان بدرجة أقل، وأكره ويلبيك.

• نعم أنت على حق، على حق لأنك قارئ، لكني أعني بهذا أن لديك ذوقا جيدا.
– أنا محق ربما، لأنك إذا وافقت، ولكن بالنسبة لشخص آخر.
• لا، لا، ليس ذلك. أعني أنك محق بالضرورة بما أنك قارئ، ولكننا جميعاً نملك هذا الحق، بل وأقول حتى هذه الضرورة.
– هذا لا يعني أنني لن أستمع إليك إذا دافعت عن ويلبيك، فقط سوف أطلب منك آنذاك أن تظهري لي في النص ما تحبينه، وأن تثبتي لي على الصفحة الأشياء التي تحبين، ولكن حتى الآن لم أتمكن من العثور على أي شخص يمكن أن يثبت لي تميز هذا المؤلف، حسب ما يقال.
• ولكن دعنا نعود إلى دانتي، لأنه مثال جيد، ما دمت تقول إن هناك لحظات في الحياة، في حياة كل واحد منا، نكون على استعداد للوصول في هذا العمل أو ذاك، كيف تصف، لنفسك، تلك اللحظة التي تجعلك تلتقي في رحلة دانتي؟
– من الصعب التعبير عنها، لأنه بالتأكيد بعد إجراء عملية جراحية، كنت في فترة النقاهة. بالتالي فقد تباطأ إيقاع حياتي، فشعرت بمزيد من الصبر، وإمكانية تركيز أكبر، وكذلك الإرادة، بل حتى الحاجة إلى إجراء محادثة ذكية. أنا لا أقول
• (مُقاطِعةً) ما تقصد بمحادثة ذكية؟
– أعني بالمحادثة الذكية مؤلفا يتحدث إلي بطريقة ذكية، يعلمني أشياء. لا أقصد أن أقول أنني أضع نفسي في مكان مؤلف كتاب دانتي، كنت أصغي بالطبع. هناك كتاب نود أن نحتسي معهم كـأس نبيذ، مثل ستفنسن، وراسين ربما، لكن هناك آخرين أنا معجب جدا بهم، ولكن لا أود الجلوس معهم حول المائدة، كسيلين، على سبيل المثال، أو دانتي، لكني أسمح لدانتي بأن يعلمني، هناك فرحة من الذكاء والموسيقى والرؤية والتصوير والإنسانية عند دانتي، بحيث أشعر حقا بامتنان كبير تجاه تلك اللحظة التي أتاحا لي فرصة اكتشاف الكوميديا الإلهية
• بأي لغة قرأتها؟
– أتكلم الإيطالية، ولكن إيطالية دانتي ليست هي التي أتحدث بها، لذلك قرأتها باللغة الإيطالية، ولكن بترجمة مقابلة. ومنذ هذه القراءة الأولية أقرأ النص كثيرا، مع ترجمة أخرى باللغات الإنجليزية والفرنسية والألمانية والإسبانية. الترجمات الإسبانية ليست جيدة جدا، وبهوامش، ولكن دائما بالإيطالية، لأن هناك كتاب تسمح ترجماتهم بمعرفة المعنى، وأحيانا الاقتراب من الموسيقى، ولكن هناك آخرين تكون الموسيقى في نصوصهم قوية وأصيلة بحيث لا تقترب منها أي ترجمة في الإسبانية، يملك سان خوان دي لاكروز هذه النبرة غير القابلة لإعادة الإنتاج، ولكن مع ذلك تحدث المعجزات: فقد نجح لوي كامبل، الشاعر الناطق باللغة الإنجليزية في صياغة نسخة بالإنجليزية لجان دُ لا كروا، تقترب جدا من الأصل. لم يكن هذا هو الحال مع دانتي، إذ لا أعرف أي ترجمة تقرِّب النص الأصلي.
• ولإتمام الاستمتاع به، وحمله هل لديك رغبة في ترجمته الآن؟
– أبدا، لا، لا
• للأسباب التي قلتها للتو؟
– ترجمتُ وأترجم الاقتباسات من الإنجليزية، من النص الإنجليزي الأصلي، ولكنها ترجمات حرفية. لا، فأنا لست شاعراً، ولن أحاول الانتصار حيث أخفق الشعراء الكبار. لا، لا، أعتقد أنه ربما سيأتي في يوم من الأيام شاعر يستطيع القيام بذلك، لكنه عمل ضخم جداً، لأن دانتي لديه ميزة اللغة الإيطالية التي تسمح بالكثير من القافية، وتُسَهِّلُ بعض التغييرات في النبرة، من اللغة الشعبية حتى الاقتراب من اللغة اللاتينية، ودانتي يلعب بكل ذلك. كما يبتكر شكلاً للكوميديا هو هذا المقطع الشعري الثلاثي الذي يسمح له باللعب على فكرة الرقم 3، وبالتالي على الثالوث الذي يظهر. لذلك هناك الأناشيد الثلاثة، وأجزاء القصيدة الثلاثة، ثم 33 نشيدا، بالإضافة إلى نشيد، آخر هو المقدمة لصنع 100 نشيد، وكل نشيد يتألف مقاطع شعرية ثلاثية. وهذا الشكل الذي ابتكره ممكن وسهل بالإيطالية. هذا مهم جدا أيضا، وهو فكرة شيء يبدو أنْجزَ دون عناء، وأي ترجمة له تبدو بالضرورة قسرية أو تبتعد كثيرا عن الأصل بحيث لا تملك نكهة النص الأصلي.
• تقول، محيلا على بيترارك الذي يتحدث عن الكتب التي أغرقت جذورها في قلبي بعمق، لدرجة أنني أنسى في كثير من الأحيان من كتبها، وأنني أظن أني مؤلفها، وأعتبرها مؤلفاتي. هل هذا هو ما تقوله لنفسك أيضًا؟ وفي هذه الحالة، شعار أن الكتب لا تزال تغذيك، وهكذا تكتب؟
– نعم أقول إنني أفكر بالاقتباسات، وأكتب أيضا بالاقتباسات. كما تعلمين، إن فكرة الأصالة، أصالة التعبير، هي فكرة حديثة جدا. فدانتي لم يكن يجد حرجا في الاقتباس من أرسطو، وشكسبير كان يستلهم مؤلفين إيطاليين، وما إلى ذلك، حتى باقتباسات حرفية، إذ كانت هذه الاقتباسات تعتبر جزءاً من اللغة. نتحدث عن زراعة حديقتي بنبرة كانديد، ولكن دون الإحالة على فولتير، لأنها جزء من اللغة وجزء من اللغة هي الكتب العديدة التي قرأتها، بالتالي فإني أسمح لنفسي بالتفكير انطلاقا من الكلمات التي يعبر عنها آخرون. ومثل بيترارك، أنسى أحياناً من كتبها، لأنها تتوافق مع تفكيري. وكما تعلمين، فنحن جميعا قادرون على امتلاك الأفكار التي كانت عند أفلاطون أو شكسبير أو رامبو، ليس التعبير عنها مثلهم. ولكن الأفكار، نعم. فكرة إن عالم الألوان شيء نشعر به، ومن ثم فإن أخذ كلمات رامبو لقول هذا ليس استحواذا على فكرة رامبو، بل هو استعارة كلمات رامبو لقول فكرة خاصة بنا، وإذن، فجميع الكتب هي كالعالم كله تحت تصرفنا. إنها ليست سرقة أدبية. قال فاليري إن الأدب العالمي يجب أن يُنظر إليه بدون المؤلفين مثل كل عمل، على أنه فصل من عمل ضخم، يظل مؤلفه مجهولاً.
• بالطبع، في هذا العبور للجحيم، من مطهر وجنة دانتي، الذي قمتَ به معه، في هذا الكتاب الأخير، سؤال يرد باستمرار، هو لك، وهو قضية اللغة: ما هي اللغة؟ إنها جزء من الفصول التي يتألف منها كتابك، ولكن وراء هذا الفصل البسيط، تساءلت باستمرار عن قوة اللغة، وعجزها، وكذبها، وعلاقتها بالواقع. هي أسئلة فلسفية عميقة للغاية لستَ أول من يطرحها بالفعل، أنا أتفق مع رأيك
– لحسن الحظ
• لحسن الحظ، لكني أود أن نتحدث قليلاً عن هذه المسألة: عن العلاقة بين الكتاب والقراءة والواقع والحقيقة. هناك ميل شائع لمعارضة الأدب بالواقع، والخيال بالحقيقة. أنت، بالطبع، تحاول الدفاع عن رؤية أخرى للكذب، أو الوهم. هل يمكنك أ، تقول لنا المزيد عن ذلك؟
– هنا مفارقة تطرحها اللغة نفسها
• عندما تقول الكذب والحقيقة، والخيال، فهي أسئلة تحمل إجاباتها الخاصة.
– أود أن أفصل في هذا. بداية، تعتمد معرفتنا بالعالم على القصص التي نرويها عن العالم. لذا، كما قلت في البداية، لأننا حيوانات تروي، فنحن نقول واقع هذه المدينة، وهي باريس.. ولكن مصدر هذه الفكرة عن الواقع توجد في متخيلنا الذي يغذيه بلزاك، وهويسمان، وغيرهما، لذلك من القصص التي نرويها عن الأشياء تصبح الأمور واقعية. وأولئك الذين يمتهنون حكاية هذه القصص، وبالتالي يكتبون أعمالا خيالية، هم يكتبون ما كان يسميه دانتي نفسه أخطاء غير كاذبة. ماذا كان يقصد بذلك؟ كان يقصد بالأخطاء عبارات خيالية، وبالتالي أكاذيب، ولكنها ليست خاطئة، وهذا يعني أنها صحيحة. والدليل لدينا كل يوم. فعندما نتواصل مع الآخرين، عندما نفكر في علاقتنا بالعالم، فإننا نقوم بذلك من خلال العلامات التي اخترعناها، التي نسميها كلمات، والتي تشكل جملا نبنيها بأنفسنا، والتي هي عاجزة، بضعفها، بضعف الأداة اللغوية عن إفادتنا ليس فقط بالواقع الكامل لشيء ما، إن لم يكن حتى بالتجربة التي قمنا بها من هذا الشيء لتشيسترتون عبارة جميلة حول هذا الموضوع في أحد مقالاته حيث يقول نحن نعرف مدى ضعف اللغة، ومع ذلك نعتقد أن من داخل عداء سوق الأسهم يمكن أن تخرج أصوات الشخير وصرخات تدل على كل أسرار العاطفة، وجميع نيران الرغبة إنه شيء نقوم به باستمرار، نريد أن نعبر عن الحب، والرعب، والخوف، والأفكار الفلسفية العظيمة ونستخدم هذه الأداة الصغيرة الخرقاء التي تسمى اللغة.
• لديك هذه الصورة، في نهاية صعودك إلى الجنة لما قام به دو بينكيو لما سماه كذبة الساقين القصيرين.
– نعم، هكذا قالت بينوكيو.
• ما الفرق بين الأكاذيب طويلة الأنف والأكاذيب قصيرة الأرجل. هو ذاك، بينوكيو الذي كرست له كتاباً صغيراً بعنوان بينوكيو وروبنسون؟ وما هي هذه الكذبة قصيرة الساقين؟
– هي غير مشروحة بالمرة في رواية Collodi. ليست مشروحة. كذبة الأنف الطويل هي الكذبة التي تمنعك من فعل ما تريد القيام به. عندما يكبر أنف بينوكيو، يمنعه من مغادرة الغرفة، يمنعه من اجتياز الباب
• ولكن ما هي هذه الأكاذيب ذات الساقين القصيرين؟
– في أول نشيد الجحيم، وقد أشرت إلى ذلك، يتحدث دانتي عن المشي بساق واحدة أقصر من الأخرى. إنها إشارة إلى مجاز قديم من العصور الوسطى كان يعطي للساقين وظيفتين مختلفتين متعلقتين بالفكر والعاطفة، بالحب. ويبدو أنَّ ما يفتقر إليه دانتي في الصورة هو الحب. في بعض الأحيان، يُفسَّر ذلك بأن لديه الكثير من الحب، ولكن ليس ما يكفي من الفكر للمضي قدما. وأرى أن التفسير الممكن لهذه الأكاذيب قصيرة الأرجل هو أنها أكاذيب الأدب، وهي أكاذيب تقول الحقيقة. أكاذيب تساعدنا على المضي قدما حتى لو لم يكن لدينا ما يكفي من العاطفة أو عدم وجود ما يكفي من الذكاء للقيام بذلك بشكل صحيح. هذه الأكاذيب تساعدنا على فهم من نحن، ما هو العالم، وتساعدنا على إعطاء الكلمات، لطرح هذه الأسئلة.
هل الأدب يَعْرَجُ بين تجربة العالم وتجربة الكلمة؟
– بالتأكيد
• كان ميرلو بونتي يقول إن الفلسفة كانت تعرَج أيضًا.
– نعم إنها صورة مفيدة، لأن لا أحد يسير في خط مستقيم، والأساطير مليئة بالشخصيات التي لديها مشاكل مع القدمين أو الكعب.
– نعم، ربما لأسباب أخرى.
• وفي وقت ما، أنت تتحدث عن شخص التقيته في شبابك تحدث لك عن فن مربي النحل، وهي لحظة جميلة جدًا عندما يقول لك هذا الشخص.
– نعم، نعم، كان قسا من منطقة باسكي، من مقاطعة بوينوس أيريس.
• كان يقول لك إن مربي النحل الحقيقي يلازم دائما الحذر عندما يأخذ العسل عندما يذهب إلى جمعه من الخلية، في اختبار الخلية
– بالطبع
• بل ويضيف أيضا: أتمنى يوم أختفي أن يذهب شخص ما إلى نحلي وإخباره بأنني لن أعود، وأنت تضيف: آمل يوم أختفي أن شخصا ما سيقول لكتبي إنني لن أعود أبدا
– نعم، نعم، آمل ذلك، آمل ذلك.
• هل أنت أيضا تترك العسل في مكتبتك؟
– نعم
• للمكتبة؟
– أغلبه
• تأخذه، وتترك دائما قليلا منه؟
– معظم مكتبتي هو هذا العسل الذي أتركه، لأنني لن أستطيع أبدا قراءة كل كتبي، وبالتالي فالعسل هو الكلمات التي أتركها على الرفوف. أعتقد، دون إجراء مقارنات رائعة أو استعارات معادية أن الكتب تتغذى من بعضها البعض، أن حتى القرب النصي نفسه الذي يعطي الترتيب الأبجدي. فعلى سبيل المثال، ينتج تقاربات مفيدة وخلاقة. جرى لي في كثير من الأحيان أني كنت آخذ كتابا ورؤية الكتاب الذي بجواره، فأدرك أن هذين الكتابين، لهما علاقة بينهما في موضوع ما. لقد قال أمين المكتبة الألماني العظيم Abid Ware إن هناك قانونا في المكتبة، هو قانون الجار الحسن. وهذا القانون هو القول بأن المعلومات التي تبحثين عنها في كتاب غالبا ما توجد في الكتاب الذي بجانبه. وقد لاحظتُ هذا مرات عديدة. هناك علاقة كلية داخل المكتبة يظهر بأذواقي، وبالحظ، وبمسار بحثي، ولكن أيضا من خلال الروابط التي تنسجها الكتب بينهما. إذا كنت قد قسمت الفئات الأكثر أهمية مقسمة حسب اللغة التي كتب بها الكتاب، وبالتالي فالترجمات مختلطة وفئات أخرى بالترتيب الأبجدي، وبالتالي فبين فيرلين وفيركور يتضح وجود علاقة غير متوقعة.
• يمكننا البحث بالفعل
– نعم، نعم، إنه تمرين قراءة جيد، تمرين البحث عن هذه العلاقات التي تقدمها الصدفة.
• اليوم، لإعطاء ذوق القراءة لطفل، لفتاة صغيرة، لشاب، هل تأخذه إلى مكتبتك؟ إلى مكتبة؟ هل ستعطيه كتابًا ما؟ هل ستقول له كلمات ما؟ ماذا ستفعل؟
– لن أقوم بأي شيء. أظن أنه لا يمكن تعليم حب القراءة. يمكننا أن نتعلمه وربما يمكن تعلمها بالمثال، لكنني أعرف العديد من الحالات، حيث الآباء يقرأون كثيرا والأطفال لا يقرأون أو حيث الآباء لم يكن لديهم أبدا كتاب في المنزل، في حين الأبناء قراء كبار. إنها ظاهرة ملغزة: لماذا يتحد الكثير من الناس حول هذه السعادة؟ للتلمود عبارة تعجبني كثيراً، تقول إننا سنُحاسب في الآخرة على ما هو أبعد من كل لذة مباحة أنكرناها. أعتقد أنَّ صفَّ الذين لم يختاروا أن يكونوا قراء سيكونُ طويلاً جدّا جدّا. إنه أمر يزعجني، ربما لأن مجتمعاتنا تركز كثيرا على القيم الزائفة. على سبيل المثال، قول إن الصعوبة شيء يجب تجنبه، وما هو سريع أفضل مما هو بطيء، وما هو سطحي وفوري أفضل مما هو عميق. أظن أن هذه القيم تساعد على جعل معظم الناس يتجنبون محاولة القراءة، لكنني لا أرى حلا دون تغيير المجتمع كله، وأظن أن هذا التغيير ضروري للغاية. إذا كنا سنبقى على قيد الحياة.

مشاهدة المقابلة

السابق
روبوت من ديزني من دون جلد يوهم بأنه حي
التالي
سيرج بوشاردون: الأدب الرقمي. جذوره، تاريخه ومميزاته / ترجمة محمد أسليم