ثقافة رقمية

خومينير ماتشادو دا سليـﭭـا: السحر التكنولوجي للصورة الرمزية نظرية الكائن الجامد / ترجمة: محمد أسليم

لقد خلط الأدب ما بعد الحداثي الأنواع بصفة نهائية، بحيث يمكن أن تكون الروايات مقالات، ويمكن للخيال أن يلعب دورا نظريا. ففي رواية وحيد في الظلام(1) (2009) Seul dans le noir، ابتكر پول أوستر شخصية غريبة نوعًا ما: ناقد أدبي متقاعد، تحركاته محدودة بسبب حادث سيارة، ويقضي معظم وقته في مشاهدة الأفلام مع حفيدته كاتيا التي تقلصت حركاتها بشكل كبير منذ وفاة صديقها الذي ذهب إلى الحرب. ابنة الناقدة مريم التي كانت وحيدة منذ خمس سنوات، تعيش معهما أيضًا. كاتيا غادرت مدرسة السينما في نيويورك. والدها لديه ساق ضامرة. الإطار داكن. ولتزجية الوقت وتفادي قلة النوم، يبتكر الناقد قصة تلازمه.

يخلق شخصية تجد نفسها في حفرة، يُسحَب الشخص منها ليجد نفسه في خضم حرب. هذا الجزء من كتاب أوستر هو بمثابة طعم لإمساك القارئ. في بداية الرواية، يقدم الناقد الأدبي ما يبدو أنه الفرق الجذري بين القراءة ومشاهدة فيلم:

«لا يشبه الاستغراق في متابعة فيلم الانغماس في مطالعة كتاب. الكتاب يلزمك بالتفاعل معه، واستخدام ذكائك وخيالك، بينما يمكنك مشاهدة فيلم – وحتى الاستمتاع به – في حالة من التفكير الخامل(2).»

من الجيد أن نتذكر أن پول أوستر ليس غريبا على عالم السينما. والكلمات السابقة لشخصيته.

تعرض كاتيا «نظرية الأجسام الجامدة» على أبيها. ووفقا لها، فهذه الأجسام هي التي تحدد عظمة السينما: «الأجسام الجامدة وسيلة للتعبير عن العواطف البشرية. هذه هي لغة السينما. المخرجون الجيدون وحدهم يفهمون كيفية الوصول إلى ذلك(3). وهي تقدم ثلاثة أمثلة من أفلام ڤيتوريو دي سيكا V. De Sica، وسارق الدراجة الهوائيةThe Bicycle Thief لجان رينوار J. Renoir، والوهم الكبير وعالم أپوLe Monde d’Apu لنيكولا راي N. Ray. تصف الشابة بداية سارق الدراجة الهوائية. يعود الزوج إلى البيت، منغمسا في مشاكله – يحتاج إلى استعادة دراجته التي وُضعت في الرهن حتى يتمكن من الذهاب إلى وظيفته الجديدة – ولا يلاحظ حتى أن زوجته منهكة جرّاء حمل سطلين من الماء. وفي الشقة، تقترح زوجته أن يرهنا الفراش، ثم تركلُ السَّطلَ بغضب.

تلخص كاتيا نظريتها: «الأشياء الجامدة والعواطف البشرية(4).» امرأة تبيع غطاء سرير. يحدث المشهد عند مُقرض بالرهن، «نوع من مخازن الأشياء التي لا يريدها أحد»، حيث تجد نظرية كاتيا ذروتها:

«أولاً، الرفوف لا تبدو مرتفعة جدا، ولكن بعد ذلك تعود الكاميرا إلى للخلف، وعندما يبدأ الرجل في الصعود، نرى أنها تصعد وتصعد إلى السقف وأن كل الرفوف محشوة بحزم مطابقة لتلك التي انهمك الرجل في ترتيبها، وفجأة يبدو كما لو أن جميع العائلات في روما قد رهنت أغطية أسِرَّتها، أن المدينة بأكملها في الوضع البائس نفسه الذي يعيشه البطل وزوجته(5).»

تمثل أغطية الأسِرَّة المرهونة شبه استعارة لمجتمع مدمَّر. وفي المثال الثاني، المأخوذ من رينوار، ينفصل جان ݣابان عن المرأة الألمانية التي يحبها ويستعد لعبور الحدود السويسرية مع شريكه داليو. يغادر الرجلان وتبقى المرأة مع طفلتها الصغيرة والأطباق المتسخة لتناول العشاء. الأطباق «تحولت إلى علامة على غيابها وعلى المعاناة الوحيدة للنساء عندما يكون الرجال في الحرب، وإلى شيء في الوقت نفسه. وبدون أي كلمة، تجمع الصحون، وتنظف المائدة»(6). لكن بالنسبة إلى كاتيا، فالفيلم كله يتركز في هذه الصورة.

أما المثال الثالث، فيبدو أكثر دقة. يتزوج أپُو Apu الهندي بالصدفة من امرأة بالكاد يعرفها. كان الخطيب الذي اختير للمرأة الشابة غبيا. وخلال بحث الأسْرة اليائسة عن حل، أقنعت أپُو بأن يحل محل الخطيب السابق. أما المشاهد المثيرة للاهتمام، فتجري في كلكتا حيث يُحضر أپُو زوجته رغما عنه. الصورة الأولى مدمِّرة بكل بساطة: الرجل يعيش في مكان فقير وقذر. نافذة غرفة النوم مغطاة بقطعة من قماش الخيش. في المشهد التالي، ذات صباح، تم استبدال قماش الخيش بنسيج منقوش نظيف (الجسم 1). ثم تظهر الكاميرا إناء مزهرية (الكائن 2). ثم عندما تستيقظ المرأة، لا تستطيع المشي، فتدرك أن ساريها(7) (الجسم 3) مرتبط بملابسها، وأن زوجها هو الذي ربطه. وأخيرًا، عندما تقوم بتحضير القهوة، يجلس أپو على السرير متكاسلا، مثل زوج راض، ويواجه خصلة شعر بين وسادتين» (الجسم 4).

وتختتم كاتيا قائلة: «هذه هي اللقطة الحاسمة. يمسك الدبوس أمامه لفحصه، وعندما ننظر إلى عينيه، ندرك دون أدنى شك أنه عاشق مجنون، وأن هذه المرأة هي امرأة حياته. يعرض المخرج راي شيئا دون استخدام كلمة حوار واحدة (8).» ماذا وراء أشياء كاتيا الجامدة؟ هناك نظرية.

تأثير التغليف

هناك أعمال تقلب كل شيء رأساً على عقب، ولكن كيف يتم ذلك؟

أ) يمكن رواية قصة جديدة بشكل جديد (هذا حلم جميع الفنانين الطموحين).

ب) يمكن رواية قصة قديمة بشكل جديد (هذا هو حلم كل فنان حديث تقريبًا).

ج) يمكن رواية قصة جديدة بشكل قديم (هذا هو مشروع أولئك الذين لا يزال لديهم أمل).

د) يمكن تغيير وجهة النظر.

هـ) في حالة الفيلم، يمكن سرد سلسلة من القصص القديمة بغلاف جديد بفضل التطورات التكنولوجية والمؤثرات الخاصة.

يمكن اعتبار الصورة الرمزية، وهو فيلم ثلاثي الأبعاد، للكندي جيمس كاميرون J. Cameron بأنه الفيلم الأكثر سخافة والأكثر استثنائية في الأعوام الأخيرة في آن واحد. ومما لا شك فيه أنه ثورة في تكنولوجيا السينما، مؤثراته الخاصة رائعة. من ناحية أخرى، يمكن اعتبار القصة متواضعة، على غرار جلسة ضخمة من فيلم بعد الظهر(9)، مع كل كليشيهات الأفلام الأمريكية. مزيج من طرزان ورامبو، الأسد الملك والغرب الأقصى Far-West. غلاف جديد لقصص قديمة. يمكن تقديم ملخص فظ وغير دقيق للحبكة على النحو التالي: يذهب رجل أبيض في مهمة مع «الهنود»، باسم حضارتهم، فيقع في حب «هندية»، ويجتاز كل طقوس التأهيل التي يمكن تخيلها، وفي النهاية ينقلب ضد الجماعة. هل شاهدتَ هذا الفيلم من قبل؟ هل قرأتَ هذه القصة من قبل؟ هل تعرف بالفعل الأسطورة؟ إنه جون واين J. Wayne المستقبل.

من الناحية الرمزية، يمكن وصف الفيلم وتصنيفه باعتباره انتهازية متفوقة: إذا أراد العالم شراء خيال معادٍ لأمريكا، فإن هوليوود تبيعه، وتبيعه بشكل جيد، فرقم المعاملات يبرر كل شيء. ونهاية الفيلم سعيدة: يتعرض الجيش الأمريكي – وهذا أكثر من ضمني – للذبح من قبل أفراد الشعب الذين أراد هذا الجيش غزوهم للاستيلاء على أراضيهم الغنية بخام الحديد. الصورة الرمزية هي فيلم طفولي. نوع من الغرب الأقصى التكنولوجي، أمازونيا شديدة الواقعية. إنه طفولي، لأنه موجه للأطفال، ولكن يمكن اعتباره أيضًا صبيانيا. ويستغل الفيلم السوق البيئية بهذه الطريقة.

وهكذا، يمكن وصف سخرية هوليوود وتصنيفها بأنها جذابة ورائعة، وتحقق العديد من النجاحات بسبب عبقريتها الساخرة. كل شيء سلعة. لا جديد على جبهة الترفيه. ولكن من عجيب المفارقات المثيرة للسخرية أن نلاحظ أن أكثر الأفلام المعادية لأمريكا الحالية ليست فرنسية، بل أمريكية. يثبت فيلم الصورة الرمزية Avatar أنه لا يزال من الممكن والمرغوب فيه ابتكارُ عمليات تعبئة وتغليف جديدة وتأثيرات خاصة جديدة لقصص قديمة وجميلة (أو ليس هو الشيء الوحيد المهم) وناجحة. والأمر الصعب حقًا هو ابتكار محتوى جديد. لم يكن يخامر المخرج السينمائي الصغير وناقد مجتمع الفرجة ݣي ديبور G. Debord أدنى شك في هذا الموضوع: «إن الفرجة، باعتبارها مؤسسة اجتماعية حاضرة لشلل التاريخ والذاكرة والتخلي عن التاريخ الذي ينتصب على أساس الزمن التاريخي، هي الوعي الزائف للزمن (10).» الزمن المشلول.

ويبدو أن حس جيمس كاميرون التسويقي لا يُضاهى. البطل عاجز. جندي من المشاة يعمل في قوات المارينز، محجوز في كرسي متحرك، يتغلب على حالته بفضل التكنولوجيا، شجاع ومغامر، يدافع عن الكوكب والغابة والاختلافات داخل ثقافة السكان الأصليين. والجيش الأمريكي القوي الذي يقوده شبيه بوش، والمجهز بأحدث التقنيات، ينتهي بهزيمة على يد قبيلة مسلحة بأقواس وسهام، ولكنها تفيض بمشاعر مشدودة إلى الأرض. وفيلم الصورة الرمزية الصوفي والهيپي والصحيح سياسيا، يؤلب العلماء المثاليين ضد العسكريين البسطاء المدربين على الدفاع عن المصالح الاقتصادية الجشعة. كان يمكن تجربة النهج نفسه في العراق وأفغانستان من أجل تحقيق نجاح مماثل. لذلك يمكننا أن نشك في أن الفيلم سيفرض نفسه باعتباره الفيلم المفضل لدى العديد من «الإرهابيين المحبين للسينما»، من أولئك الذين يُظهرون حساسية للقيم العالمية الجديدة.

يعرف جيمس كاميرون الكثير عن الصناعة الثقافية: فالجمهور يريد شيئا مختلفا. يجب خلق صدمة في إدراك المتفرج. وهذا الشيء المختلف يمكن أن يحدث من خلال تغليف جديد أو من منظور جديد. لا حاجة إلى أن يتم من خلال قصة جديدة. «هنود» كاميرون هم قرود من البشر زرق يصبغون أنفسهم للحرب مثل الناﭬـاجو(11) ويدافعون عن الطبيعة مثل مؤسسة السلام الأخضر غرينپيس Greenpeace. كان التأثير متوقعا. يعمل فيلم الصورة الرمزية بمثابة عرض توضيحي على أن كل ما يمكن نسخه يمكن أيضا إعادة تدويره. في الحقيقة، إن فيلم الصورة الرمزية هو خرافة (فضية): تم بناؤها وتطويرها لتكون أكبر نجاح في بيع التذاكر في كل العصور. وقد وضع كاميرون الخيال في خدمة فكرة. وكل هذا في خدمة فكرة أكبر: كسب الكثير من المال من خلال إرضاء جمهوره.

الشلل والرسوم المتحركة

هل يمكننا تطبيق «نظرية الأشياء الجامدة» لكاتيا (بول أوستر) على فيلم الصورة الرمزية؟ لن يكون من الصعب إثبات أن مفهوم «الشلل» الذي يشير إليه ديبور يظهر في الأمثلة التي قدمتها كاتيا وفي المحتوى الذي صوره كاميرون على السواء. في كلتا الحالتين، يرتبط هذا الشلل بالذاكرة الفردية العاطفية وبفقدان الفئة التاريخية للزمن. الشخصية التي ابتكرها أوستر، وهو ناقد أدبي متقاعد، لتسكين وحدته وأرقه، تستيقظ في حفرة وفي حرب دون أن يكون لديها أدنى فكرة عما يحدث. ولكن أيضًا، تتحرك ابنتها وحفيدتها بشكل متناقص بسبب الخسائر العاطفية المتتالية والتي لا يمكن إصلاحها. وهنا، يُشلُّ الزمن.

بطل فيلم الصورة الرمزية هو شخص مشلول يعيش في زمن آخر، ولكن ساقيه المشلولتين لا تمنعان حركات خياله. والشيء نفسه يحدث مع شخصية أوستر. يبدو أن هذين «المشلولين» يحاولان إيجاد الزمن المفقود. من الممكن الجمع بين العديد من المشاهد حيث تمثل الأشياء الجامدة شيئًا أقوى في فيلم كاميرون. في فيلم حيث يوجد العديد من رسومات الكمبيوتر المتحركة، تكون كل الكائنات في البداية جامدة. على سبيل المثال، يُظهر كاميرون عددا كبيرا من الحيوانات يقوم الحاسوب بوضع نماذج لها. يمكن تقديم «شجرة الأرواح»، وهي مكون أسطوري لشعب الناﭬـي(12)، باعتبارها ذروة هذه الأشياء الجامدة. الشجرة، مع ذلك، هي كائن حي. كائن حي مشلول. وسيكون من الممكن استكشاف فكرة أن المجتمع الذي يضطر للدفاع عن نفسه فقط بأسلحة الأقواس والسهام كأسلحة هو مجتمع مشلول.

ومع ذلك، ففي كتاب پول أوستر، من المرجح أن الأشياء الجامدة الحقيقية ليست عبارة عن حزمة من الأغطية والملابس المرهونة أو الأطباق المتسخة أو خصلة شعر زوجة أپو. فالأب والابنة والحفيدة أصيبوا بالشلل في منازلهم بسبب صراعات حياتهم. إنهم أناس تحولوا إلى أشياء لا حياة فيها، مثبتون على الأريكة، ويشاهدون الأفلام لنسيان زمن المآسي الشخصية. إن «نظرية الأجسام الجامدة» لأوستر تشبه الدمى الروسية، حيث تختفي داخل كل واحدة دُمى أخريات. فهي تعبر، في المقام الأول، عن فكرة أن السينما هي صورة ويجب أن تعبر بالصور عن خيال بأكمله. يجب على السينمائي العظيم أن يكون لديه «سلاسل» قادرة على إظهار الكل من خلال الجزء.

ثانيًا، ربما تخفي نظرية أوستر حول الأفلام نظرية الشخصيات في الكتاب. ثالثًا، ربما تخفي أيضا نظريةً حول دَور النظرية. وهذه هي النقطة المثيرة هنا للتفكير في فيلم الصورة الرمزية وفي أهمية النظرية في العمل الخيالي على السواء. من المهم ملاحظة أن نظرية شخصية كاتيا ليس لها أي ادعاء علمي، ولو أنها «برهان» متماسك. وظيفتها في الكتاب ليست إظهار أن مؤلف الكتاب يدافع عن أطروحة ويجعل روايته رواية أطروحة، بل هي جعل الشخصيات تملك قراءة للعالم، رؤية للعالم، نظرة متباينة عن الخارج. إذا كانت نظرية أوستر تبدو مماثلة لنظريات أدبية أخرى يسهل دحضها، فإنها تضطلع بالدور نفسه: الحمل على التفكير، الحمل على الرؤية، إنتاج تأويل وقراءة.

بعبارة أخرى، فإن خيال العمل الأدبي يستمد قوته من النظرية التي يحتوي عليها والتي يحاول أن يعطيها معقولية. ويبدو أن الكاتب الفرنسي ميشيل هوليبيك M. Houellebecq هو مثال على هذه النظرية. ففي رواية توسيع مجال النضال (1997) Extension du domaine de la lutte، يطلب من القارئ تقييم فرضية محيرة: الجنس باعتباره نظاما للتراتبية الاجتماعية. تكمن جودة الكتاب في حقيقة أن «الأطروحة» لا تقدم باعتبارها أطروحة المؤلف أو الرواية، بل تقدم نفسها مباشرة باعتبارها دليلا على صحتها. إنها «أطروحة» القصة، ونظرية الشخصية، وقراءة ليست للإقناع، بل للإرباك وتشكيل عالم خيالي.

لفيلم الصورة الرمزية نظريته الخاصة. صحيح أنه يقدم نفسه بطريقة سريعة إلى حد ما ووفقا لإطار مفتوح. لم يتم إدخاله في صيغة توضيحية. على عكس أوستر الذي يشرح «نظريته حول الأشياء الجامدة» ليخفي «نظريته حول النظرية» بشكل أفضل، يبتكر كاميرون قصة مسلية نموذجية للصناعة الثقافية لإلهاء القارئ وحقنه بنظرية متطورة ومتعرجة. إنه يقوم بعمل رائع. ومثل أوستر، يبدو أنه يقوم بتهريب النظرية تحت أنوف المتفرجين. ربما لا يلاحظ هذا أغلب الجمهور. إنها نظرية شمولية، بمعنى أنها تؤكد أن أجزاء الكل مترابطة مع اهتزاز مشترك وغير مباشر. في لحظة معينة، تفكر عالمة في الفيلم تفكيرا شديدا في نظرية أن الأشجار في الغابة مترابطة من خلال جذورها، مثل شبكة ضخمة مماثلة لاتصال الشبكة العصبية بمشابكها. ومن ثمة، فقد تكون الطبيعة نظام اتصال تفاعلي.

قد يقول البعض إن عظمة كتب پول أوستر وميشيل هوليبك لا تكمن في مسوداتهما النظرية، أو حتى إن هذه التمارين تؤدي وظيفة أقل نبلاً بكثير، أي ما يسميه الفرنسيون «الملء» ونسميه نحن البرازيليون «ملء النقانق(13).» والشيء نفسه ينطبق على كاميرون. قد يعتقد المرء أن قوة فيلم الصورة الرمزية تكمن في التكنولوجيا وليس في نظرية مشكوك فيها مثل «رفرفة أجنحة فراشة في الصين تسبب زلزالًا في هايتي»(14). ولعله لا يزال دائما من الضروري أخذ هذه الفرضية في الحسبان. و«أطروحة كاتيا»، مع ذلك، تشد القارئ إليها منذ بداية القصة. أما نظرية ميشيل هوليبك، فتنبجس في نهاية السرد مثل وحي، في حين يصل كاميرون مثل رسالة.

في كتاب الشاشة الكلية: الثقافة-الوسائط والسينما في العصر ما بعد الحداثي، يدافع جيل لپوﭬـتسكي وجان سيروي عن فكرة يبدو أنها تدعم الفرضية المُدافَع عنها هنا:

«إذا كانت السينما تؤدي وظيفة سردية-تعبيرية حلمية كبيرة، فإن هذا البعد ليس فريدًا، إذ هناك وظيفة أخرى لم يتم تسليط الضوء عليها بشكل كاف ولكنها مع ذلك بالغة الأهمية وتفتح منظورا مختلفا تماما: فالسينما هي التي تبني تصورًا للعالم. ليس فقط وفقا للدور الكلاسيكي الذي يُعطى للفن، الذي تتمثل وظيفته الجمالية في جعل المرء يرى، من خلال العمل الفني، ما لا يُرى على الفور من الواقع. ولكن، بشكل أكثر جذرية، من خلال إنتاج الواقع(15).»

وهذا ما يسميه ميشيل مافيصولي بالخيالي.

السينما سحر تكنولوجي للمتخيل، نظارة تشكِّلُ وتحرِّف، وتحوِّل. انتهت المعارضة الطويلة للأعمال التفسيرية والتوضيحية، ما يسمى بـ «روايات الأطروحة»، إلى إبراز، والإفراط في تحديد أبعاد، الدور السردي-التوضيحي–الحلمي للروايات والأفلام، لإخفاء الأفكار الواردة فيها وسحب جوهرها. لقد أصبح الوصف هو القيمة القصوى المرفوعة إلى الأعلى باعتباره عامل نظافة، وقد اكتسب هذا الاقتراح الجمالي مناطق إثنوغرافية خالية من هذا الثراء الباروكي للدفاتر الميدانية لعلماء الإثنولوجيا. كان من الضروري إنقاذ الأفكار دون منحها دورها السابق. عبقرية ڤيتوريو دي سيكا وجان رينوار ونيكولاس راي كانت ستحول الأفكار إلى صور. يقوم فيلم الصورة الرمزية بتعبئة النظرية في رواية ذات إمكانات تعبيرية وشبه حلمية أعلى من المتوسط. مثلما يبيع الإعلان مفاهيم في الوقت نفسه الذي يبيع فيه منتجات، فالسينما أيضا «تبيع تصورات عن العالم» في الوقت نفسه الذي تبيع فيه صورها.

إن «الأجسام الجامدة» لكاتيا هي «نظريات متحركة» لپول أوستر وميشيل هوليبك وربما لجيمس كاميرون: فالأفكار التي تعطي الحياة بكيفية ماهرة للقصص المروية. لقد استمد أوستر نظريته، في إحدى رواياته، من صور الأفلام التي تستغني عن الكلمات. وتكمن عبقرية هوليبك في أن صورته للجنس باعتباره تسلسلا هيكليا للمجتمع تنبع من الكلمات المستمدة من تجارب شخصياته. يضع كاميرون على لسان شخصيته الكلمات التي تصور وهمه الحالم. هناك نوع من القلب اللذيذ والمتناقض: يبلور الكتاب نظرياتهم في الصور. يغلق المخرج دائرة الصور ببضع كلمات مضيئة. العرض غائب. هنا يكمن الفرق بين استخدام الأفكار في الحداثة وما بعد الحداثة. يكمل لپوﭬـتسكي وسيروا: «إن ما تعرضه السينما للرؤية ليس فقط عالما آخر، وهو عالم الحلم واللا واقع، بل هو العالم نفسه أمام مزيج من الواقع والصورة-السينما، وهو واقع خارج السينما انتقل إلى قالب المتخيل-السينما(16)». هذه «السينما-الرؤية cinévision» هي معادل «أطروحة كاتيا»، و«نظرية «الأشياء الجامدة» لأوستر، وهي الفكرة التي تحل شلل الأجساد والعقول وتَنقُلُ الأفكار في الصور.

وهكذا، في عصر إزالة الحدود بين الأنواع، يصبح پول أوستر المرجع النظري لتحليل اجتماعي للمتخيل. إن فيلم الصورة الرمزية لجميس كاميرون يقدم نفسه باعتباره أطروحة شاملة وبيئية حول تفسير الحداثة المفرطة. أو باعتباره إنتاجا هوليوديا ضخما ذكيا وساخرا وبراغماتيا، موجها نحو بيع تصور للعالم الذي نمتلكه بالفعل.

كل شيء هناك: في ساقي جندي المشاة الثابتين.

كل شيء هناك: في الآلات التي هزمتها المثل العليا.

كل شيء هناك: في المشابك العصبية للأشجار في الشبكة.

كل شيء هناك: في السحر التكنولوجي الذي يجعل شاشة السينما استمرارًا لشاشة الكمبيوتر.

كل شيء هناك: في الحياة المصوَّرة التي تشبه كونًا من الثقافة السيبرانية مصنوعا من أشياء سحرية.

وكما قال ميشيل مافيصولي بصيغة دقيقة: «يصبح الهروب ضرورة عندما يتصلب كل شيء أو يتقنن». بالإضافة إلى ذلك، «هناك تقارب منطقي بين طقوس الانقلاب، حيث تكون الانفعالات الاحتفالية هي أبسط الرسوم التوضيحية، وطقوس التمرد الموجودة في جميع المؤسسات مهما كانت»(17). والسينما يمكن أن تعمل بمثابة هروب سحري من خلال التكنولوجيا. تكنولوجيا المتخيل.

خومينير ماتشادو دا سليـﭭـا: السحر التكنولوجي للصورة الرمزية نظرية الكائن الجامد

ترجمة: محمد أسليم

هوامـش

(1)  مترجمة إلى اللغة العربية: بول أوستر، رجل في الظلام، ترجمة: أحمد ت. أحمد، بيروت، دار الآداب، الطبعة الأولى 2010، (232 ص.). (م).

(2) P. Auster, Seul dans le noir, Arles, Actes Sud, 2009, p. 24.

(3) Ibid., p. 25.

(4) Ibid., p. 25.

(5) Ibid., pp. 25-26.

(6) Ibid., p. 27.

(7) الساري: ثوب نسائي هندي. (المترجم).

(8) Ibid., p. 30.

(9) NdT : Sessão da tarde est un programme brésilien de films nord-américains.

(10) G. Debord, La société du spectacle, Paris, Gallimard, p. 158.

(11) الناﭬـاجو Navajo: «أحد الشعوب الأمريكية الأصلية في الجنوب الغربي من الولايات المتحدة الأمريكية. وهي ثاني أكبر قبيلة معترف بها فيدرالياً في الولايات المتحدة الأمريكية بعد قبيلة شيروكي، حيث يبلغ تعدادهم 300,460 نسمة اعتبارا من 2015. تشكل أمة نافاجو هيئة حكومية مستقلة تدير محمية نافاجو في منطقة الزوايا الأربع، تشمل أكثر من 27,000 ميل مربع من الأراضي في أريزونا، يوتا، ونيو مكسيكو. يتحدث اللغة نافاجو في جميع أنحاء المنطقة مع معظم القبيلة الناطقة باللغة الإنجليزية أيضا. الولايات التي يقطنها أكبر عدد من النافاجو هي أريزونا (140,263) ونيو مكسيكو (108,306). حيث أن أكثر من ثلاثة أرباع سكان نافاجو يقيمون في هاتين الولايتين». عن موسوعة ويكيبديا، النسخة العربية، مادة (نافاجو). (م.)

(12) الناﭬـي Na’vi: شعب خيالي من ابتكار فيلم الصورة الرمزية، يتحدثون لغة بالاسم نفسه هي أيضا من ابتكار الفيلم ذاته. عن موسوعة ويكيبيديا، النسخة الفرنسية، مادة (Na’vi). (م).

(13) NdT : Encher a linguiça.

(14) تعتبر مجازي يخصر أيضا في صيغة «تأثير الفراشة» للإشارة إلى أن العوامل الأولية داخل نظام ديناميكي، مهما تكن صغيرة وغير ملحوظة، يمكن أن تترتب عنها على المدى البعيد عواقب ضخمة غير منتظرة على الإطلاق. وهذا التأثير هو أحد أشهر اكتشافات نظرية الفوضى théorie du chaos الفيزيائية التي تُستخدم أيضا في تفسير ظواهر اجتماعية وسياسية واقتصادية. (م).

(15) G. Lipovetsky, J. Serroy, L’Écran global : culture-médias et cinéma à l’âge hypermoderne, Paris, Seuil, 2007, p. 336.

(16) Ibid., p. 337.

(17) M. Maffesoli, Du nomadisme. Vagabondages initiatiques, Paris, Le Livre de Poche, 1997, p. 126.

ببليوغرافيا:

 

Auster P., Seul dans le noir, Arles, Actes Sud, 2009.

Baudrillard J., Écran total, Paris, Galilée, 2001.

Borges J.L., Œuvres complètes, Paris, Gallimard, 1993.

Bourdieu P., Sur la télévision, Paris, Raisons d’agir, 1996.

Debord G., La Société du spectacle, Paris, Gallimard, 1967.

Dantec M.G., Les Racines du mal, Paris, Gallimard, 1999.

Derrida J, Marges de la philosophie, Paris, Éditions de Minuit, 1972.

Durand G., Les Structures anthropologiques de l’imaginaire, Paris, Dunod, 1992.

Feyerabend P., Contre la méthode, Paris, Seuil, 1988.

Houellebecq M., Extension du domaine de la lutte, Paris, J’ai lu, 1997.

Lyotard J.-F., La Condition postmoderne, Paris, Éditions de Minuit, 1972.

Lipovetsky G. et Serroy J., L’Écran global : culture-médias et cinéma à l’âge hypermoderne, Paris, Seuil, 2007.

Maffesoli M., La Connaissance ordinaire, Paris, Klincksieck, 2007.

Maffesoli M., Du Nomadisme. Vagabondages initiatiques, Paris, Le Livre de Poche, 1997.

Morin E., La méthode. 3. La connaissance de la connaissance, Paris, Seuil, 1992.

Silva Juremir Machado (da), Les Technologies de l’imaginaire, trad. Erwan Pottier, Paris, La Table Ronde, 2008.

Wolfe T., Le Mot peint, Paris, Gallimard, 1978.

Mis en ligne sur Cairn.info le 01/07/2011

https://doi.org/10.3917/soc.112.0137 Auster P., Seul dans le noir, Arles, Actes Sud, 2009.

Baudrillard J., Écran total, Paris, Galilée, 2001.

Borges J.L., Œuvres complètes, Paris, Gallimard, 1993.

Bourdieu P., Sur la télévision, Paris, Raisons d’agir, 1996.

Debord G., La Société du spectacle, Paris, Gallimard, 1967.

Dantec M.G., Les Racines du mal, Paris, Gallimard, 1999.

Derrida J, Marges de la philosophie, Paris, Éditions de Minuit, 1972.

Durand G., Les Structures anthropologiques de l’imaginaire, Paris, Dunod, 1992.

Feyerabend P., Contre la méthode, Paris, Seuil, 1988.

Houellebecq M., Extension du domaine de la lutte, Paris, J’ai lu, 1997.

Lyotard J.-F., La Condition postmoderne, Paris, Éditions de Minuit, 1972.

Lipovetsky G. et Serroy J., L’Écran global : culture-médias et cinéma à l’âge hypermoderne, Paris, Seuil, 2007.

Maffesoli M., La Connaissance ordinaire, Paris, Klincksieck, 2007.

Maffesoli M., Du Nomadisme. Vagabondages initiatiques, Paris, Le Livre de Poche, 1997.

Morin E., La méthode. 3. La connaissance de la connaissance, Paris, Seuil, 1992.

Silva Juremir Machado (da), Les Technologies de l’imaginaire, trad. Erwan Pottier, Paris, La Table Ronde, 2008.

Wolfe T., Le Mot peint, Paris, Gallimard, 1978.

السابق
فيليب بوتز: الأدب الرقمي في خمسة أجيال
التالي
نيكولاس ميلان: السحر الرقمي والسحر الأنثروپولوجي. المانا في بناء الفعالية الطقوسية / ترجمة محمد أسليم