قضية الكتاب

أمبرتو إيكو: الكتاب لن يموت ( ترجمة: محمد أسليـم)

تقديم :

تنقلت الكتابة عبر تاريخها الطويل من حامل إلى آخر أكثر من مرة، وانعكس كل انتقال على الكتابة والقراءة بأشكال متفاوتة أدت أحيانا إلى تغيير طرق التفكير، والعلاقات الاجتماعية، وتنظيم المعلومات وتخزينها، وما إلى ذلك. عقب ظهور كل حامل جديد انقسم الناس إزاءه إلى فريقين: أحدهما يرفضه ويتمسك بالقديم، والثاني يتحمس له ويدعو إلى الانتقال إليه. وهذا هو ما يحدث في أيامنا هذه بعد أن ظهر الحاسوب، وانتشرت الأجهزة الرقمية انتشارا واسعا، في سياق هيمن فيه الكتاب الورقي طيلة القرون الخمسة الماضية، إذ أصبحت الكتابة، كتابتين: ورقية ورقمية، كما أصبحت القراءة قراءتين: «تقليدية»، ورقمية، وظهرت أصواتٌ تتوقع حتمية نهاية الكتاب، في حين رأت أخرى استحالة زواله. وقد ساهم في هذا النقاش عالم السيميائيات أمبرتو إيكو في كتابه المشترك مع جان كلود كاريير «لا تأملوا التخلص من الكتب» الذي أخذ شكل حوارات أدارها جان فيليب دي توناك، وتمَّ افتتاحه بالمقابلة التالية:

 

  • جان كلود كاريير: في قمة دافوس الأخيرة، في عام 2008، في معرض التطرق للظواهر التي ستهز البشرية في الخمسة عشر عامًا المقبلة، اقترح عالم مستقبليات خلال حوار معه الإبقاء منها فقط على أربع رئيسية، بدت له مؤكدة: التوقع الأول: أن يقفز سعر برميل النفط إلى 500 دولار. الثاني أن يصبح الماء سلعة تجارية تمامًا كالنفط، فتخصص له سوق أسهم. الثالث أن تصبح إفريقيا بلا شك قوة اقتصادية في العقود القادمة، وهو ما نأمله جميعا. أما التوقع الرابع، حسب هذا العالم المتخصص في التنبؤ بالمستقبل، فهو اختفاء الكتاب. وبالتالي، فالسؤال هو هل يمكن أن يؤدي الاختفاء النهائي للكتاب، إذا اختفى بالفعل، إلى عواقب على البشرية مماثلة لعواقب نضوب المياه القادم، على سبيل المثال، أو نهاية النفط؟

أمبرتو إيكو: هل سيختفي الكتاب بسبب ظهور الإنترنت؟ سبق أن كتبت حول هذا الموضوع في وقته، يوم كان يبدو السؤال ملحا. أما الآن، فكلما يطُلب مني أن أتحدث في الموضوع لا أستطيع فعل أي شيء سوى إعادة كتابة النص نفسه. لا أحد يلاحظ ذلك، قبل كل شيء لأنه لم يظهر أي جديد أكثر مما تم نشره بالفعل؛ ثم لأن الرأي العام (أو الصحفيين على الأقل) له دائمًا هذه الفكرة الثابتة المتمثلة في أن الكتاب سوف يختفي (أو أن هؤلاء الصحفيين هم الذين يعتقدون أن للقراء هذه الفكرة الراسخة) والسؤال نفسه لا يكل الجميع من طرحه.

في الواقع، هناك القليل جدا مما يمكن قوله في هذا الموضوع. مع الإنترنت، عدنا إلى العصر الأبجدي. إذا كان سبق أن ظننا بأننا دخلنا حضارة الصورة، فها هو الحاسوب يُعيدنا مجددا إلى مجرة جتنبرغ والجميع يجد نفسه الآن مضطرا للقراءة. وللقراءة يجب أن يكون هناك حاملٌ. ولا يمكن أن يكون هذا الحامل هو الحاسوب وحده. اقضوا ساعتين أمام حاسوبكم في قراءة رواية، ستنتفخ عيونكم وتصير مثل كرات مضرب. عندي في منزلي نظارات بولارويد لأحمي بهما عيني من الآثار الضارة للقراءة المستمرة على الشاشة. وعلاوة على ذلك، فالحاسوب يعتمد على وجود الكهرباء ولا يمكن للمرء أن يقرأ فيه أثناء وجوده في حوض الاستحمام، ولا حتى وهو ممدد على جانبه في سرير. وبالتالي، فالكتاب يشكل أداة أكثر مرونة.

واحد من أمرين: فإما سيظل الكتاب هو حامل القراءة، أو سوف سيوجد شيء آخر سيشبه ما كان الكتاب إياه على الدوام، حتى قبل اختراع المطبعة. والتنويعات التي عرفها الكتاب لم تغير وظيفته، ولا تركيبه، منذ أكثر من خمسة قرون. الكتاب مثل الملعقة، والمطرقة والعجلة أو المقص. هو من الأشياء التي تُخترَعُ مرة واحدة، فلا يمكن الإتيان بما هو أفضل منها. لا يمكنك صناعة ملعقة أفضل من الملعقة. على سبيل المثال، يحاول بعض المصممين أن يحسنوا اللولب الفليني، فينجحون إلى حد ما، لكن معظم تلك اللوالب لا تعمل. حاول فيليب ستارك أن يُدخل تجديدات على عصَّارة الليمون، ولكن عصارته (جراء حرصه على المحافظة على نقاء جمالي معين) تتغاضى عن البذور. لقد أثبت الكتاب أدلته، ولا نرى كيف يمكننا ابتكار ما هو أفضل منه لنستعمله للغرض نفسه الذي نستخدم به الكتاب. قد يتطور الكتاب في بعض مكوناته، كأن لا تعود صفحاته ورقية، ولكنه سيبقى كما هو.

– جان كلود كاريير: يبدو أن أحدث إصدارات الكتاب الإلكتروني تضعه الآن في منافسة مباشرة مع الكتاب المطبوع. يحتوي نموذج «القارئ Reader» بالفعل على 160 عنوانًا.

أمبرتو إيكو: سيوفر الكتاب الإلكتروني في العديد من المجالات راحة رائعة للمستخدم. فعلى سبيل المثال، من الواضح أنَّه سيكون في استطاعة القاضي أن يحمل بسهولة كبيرة أكثر من 25000 ملف محاكمة جارية إذا تم تخزين تلك السِّجلات في جهاز إلكتروني. إلا أنني ما زلت أتساءل ما إذا كان سيكون من المناسب جدا، حتى مع التكنولوجيا الأكثر استجابة لمتطلبات القراءة، قراءة رواية الحرب والسلام في كتاب إلكتروني. سوف نرى. وعلى أي حال، لن نتمكن بعد الآن من قراءة تولستوي وجميع الكتب المطبوعة على عجينة الورق لمجرد أنها بدأت بالفعل في التحلل في مكتباتنا. فالكتب الصادرة عن دار غاليمار Gallimard ودار Vrin للنشر في خمسينيات القرن الماضي قد اختفت بالفعل. ومصنف الفلسفة في القرون الوسطى الذي ألفه جيلسون Gilson، والذي أفادني كثيرا أيام كنت أعدُّ رسالتي الجامعية لا يمكنني اليوم أن أمسكه حتى باليد، لأن صفحاته تنكسر حرفيا. لا شك أنه يمكنني شراء نسخة جديدة منه، لكني متمسك بالنسخة القديمة، بكل شروحاتي التي كتبتها بألوان مختلفة، والتي تشكل تاريخ استشاراتي المختلفة لهذا الكتاب.

  • جان فيليب دي تونياك: من خلال تطوير حوامل جديدة تستجيب أحسن فأحسن لمتطلبات سائر أنواع القراءات، سواء أكانت قراءة موسوعات أم روايات منشورة في شبكة الأنترنت، لماذا لا تتصور على أي حال وجود استياء تدريجي من هيئة الكتاب في شكله التقليدي؟

أمبرتو إيكو: كل شيء يمكن أن يحدث. قد لا تهم الكتب غدًا سوى حفنة من المعجبين الذين سيذهبون إلى متاحف أو مكتبات لإرضاء هوايتهم المتخلفة.

  • جان كلود كاريير: إذا بقيت هناك متاحف ومكتبات.

أمبرتو إيكو: لكن يمكننا أن نتخيل أيضا أن الابتكار الرائع المتمثل في الإنترنت سوف يختفي هو الآخر في المستقبل، تماما كما اختفت المناطيد من أجوائنا، حيث مات مستقبلها عندما اشتعلت النار في منطاد هيندنبورغ في سماء نيويورك، قبل فترة وجيزة من الحرب. والشيء نفسه ينطبق على طائرة الكونكورد، حيث وضع حادث غونيس في عام 2000 حدا لوجودها. لا تزال الحكاية غير عادية، إذ تم اختراع طائرة لتقليص زمن عبور المحيط الأطلسي من ثماني ساعات إلى ثلاث ساعات فقط. من كان يستطيع معارضة مثل ذلك المشروع؟ لكن بعد حادث غونيس، تمَّ التخلي عنه بحجة أن طائرة الكونكورد مكلفة للغاية. هل هذا سبب مقنع؟ أليست القنبلة الذرية مكلفة أيضا للغاية؟!

  • جان فيليب دي تونياك: أقتبس هذا التصريح الذي أدلى به هيرمان هيس في خمسينيات القرن الماضي، ورأى فيه أنه من المحتمل أن يسمح التقدم التقني بـ «إعادة توطين» الكتاب: «مع مرور الوقت، كلما أمكن لاختراعات جديدة أن تلبي احتياجات الترفيه والتعليم الشعبي كلما استعاد الكتاب كرامته وسلطته. نحن لم نصل بعد إلى النقطة التي تنزع فيها الاختراعات الشابة المنافسة، كالراديو والسينما وغيرها، من الكتاب المطبوع هذا الجزء من وظائفه والذي يمكن أن يخسره على وجه التحديد دون أضرار».
  • جان كلود كاريير: بهذا المعنى، لم يكن هيس مخطئا، إذا لم تنتزع السينما والإذاعة، وحتى التلفزيون، من الكتاب أي شيء، لا شيء ضاع منه «سدى».

أمبرتو إيكو: في مرحلة ما، اخترع البشر الكتابة التي يمكن اعتبارها امتدادا لليد. بهذا المعنى، فالكتابة تكون بيولوجية تقريبًا. إنها تقنية الاتصال المرتبطة مباشرة بالجسم. عندما اخترعتم ذلك، لم يعد بإمكانكم التخلي عنها. مرة أخرى، يشبه الأمر اختراع العجلة. فعجلاتنا الحالية هي عجلات عصور ما قبل التاريخ، في حين أن اختراعاتنا الحديثة، كالسينما، والراديو، والإنترنت، ليست بيولوجية.

  • جان كلود كاريير: أنت محق في الإشارة إلى ذلك: لم نكن بحاجة أبدًا إلى القراءة والكتابة كما نحن اليوم، إذ لا يمكننا أن نستخدم الكمبيوتر ما لم نعرف الكتابة والقراءة، بل صرنا في حاجة إلى الكتابة والقراءة بطريقة أكثر تعقيدًا من ذي قبل، لأننا قمنا بدمج علامات جديدة ومفاتيح جديدة، فتوسعت أبجديتنا، وأصبح تعلم القراءة أصعب أكثر فأكثر، وقد نعود إلى المشافهة إذا تمكنت أجهزة الكمبيوتر التي نستعملها من نسخ ما نقوله مباشرة. ولكن هذا يطرح سؤالًا آخر: هل يمكننا أن نعبر عن أنفسنا جيدًا إذا كنا لا نعرف القراءة والكتابة؟

أمبرتو إيكو: لا شك في أنه لو طُرح هذا السؤال على هوميروس لقال: نعم.

  • جان كلود كاريير : لكن هوميروس ينتمي إلى تقليد شفهي، واكتسب معارفه بواسطة هذا التقليد في اليونان قبل أن يكون فيها أي شيء مكتوبًا. هل يمكن أن نتخيل اليوم كاتبًا يملي روايته دون وساطة الكتابة ودون أن يعرف شيئًا عن الكتابات الأدبية التي سبقته؟ ربما سيكون لعمله سحر السذاجة والاكتشاف وإمتاع الأذن، ومع ذلك يبدو لي أنه سيفتقد ما نسميه الثقافة، في غياب تسمية أفضل. قد كان رامبو شابًا موهوبًا للغاية، ومؤلف أبيات شعرية فريدة من نوعها، لكنه لم يكن عصاميا، إذ في السادسة عشرة من عمره كانت ثقافته كلاسيكية ومتينة، بحيث كان ينظم أبياتا شعرية باللغة اللاتينية.
السابق
ماكسنس غروجييه: طوباوية السايبورغ[1] إنسان جديد في مستقبل مُشبع بالتكنولوجيا