ما بعد الإنسانية

جيل بيبو: أي نزعة إنسانية للعصر ما بعد الجينومي؟

ملخص الدراسة:

ضد »النزعة الوراثية« التي تميل إلى إرجاع تعقيد الكائنات الحية، بما في ذلك الإنسان، إلى برنامج مدرج في الجينات، تسلط الأنثروبولوجيا الضوء على تشابك التاريخ البيولوجي والاجتماعي للبشر، مع اعتبار اشتغال الوقت والثقافة. أمام علوم التكنوبيولوجيا (أو التكنولوجيا الحيوية) التي أصبحت الآن قادرة على إعادة صياغة الطبيعة وإعادة تشكيل الأنواع الحية، سأظهر أنه لم يبق لبني الإنسان سوى واجب مسؤولية تجاه الحياة ووجوب التضامن مع جميع الأنواع الحية. يحب على الإنسانية التي سيتم ابتكارها أن تكون إنسية تترك حيزا، في صميمها، للثورة الجينوبروتيومية والبيوتكنولوجيا مع إعادة دمج البشرية في التاريخ التطوري الطويل للأحياء الذي تنهيه الآن بطريقة ما.

 

مقدمة

»تنص نزعة مركزية الإنسان بوضوح، وبشكل لا لبس فيه، على المسؤولية المطلقة للبشر، وتقول ليس هناك أي إله ولا أي طبيعة سيأتيان لإنقاذ الإنسان من الإنسان، ولا حتى من حوادث السير الكونية».

(Gilbert Hottois: 2002, 56)

مع فك شفرة الجينوم والبروتيوم[1] البشري، دخلنا واحدة من أكثر الفترات إثارة في التاريخ العلمي للإنسانية. يؤكد علماء الوراثة أننا سوف نعرف المزيد حول أصل الحياة، وتطور الأنواع، وطبيعة تفكيرنا، وبكلمة واحدة سنعرف عن إنسانيتنا أكثر مما عرفناه خلال القرون الثلاثة أو الأربعة الأخيرة. يتردد كثيرا أنَّ اكتشافات غير مسبوقة سوف تثوِّرُ علوم الحياة، والطب، والأنثروبولوجيا، وعلم الإحاثة (أو الأحياء المادية القديمة)، والفلسفة، وربما سائر باقي العلوم. يُطالِبُ علماء وراثة اليوم بالحق في مواصلة دفع الحدود إلى ما هو أبعد، من خلال تأكيدهم، على غرار ما قام به موخرا جيمس د. واطسون (2000)، أنهم يمتلكون اليوم القدرة على تصحيح أخطاء الطبيعة، والتدخل في قلب الجينوم لتغيير الجينات المعيبة، وتحييدها أو استبدالها. ومن منظور أكثر تشكيكية وربما أكثر وضوحا، وأكثر عددا حسب ما نتمنى، يقول آخرون إن الاكتشافات الجديدة، بدلا من أن تحيي أو تجدِّد سبُلا جديدة واعدة وغير مسبوقة، سوف تساهمُ في إعادة فتح نقاش الألفية حول الحتمية والاستقلال الذاتي، والضرورة والحرية، والطبيعة والثقافة، والفطري والمكتسب، والعديد من التقاطبات التي تحدث عنها مشكل السببية القديم (Keller: 2000).

مع فك شفرة جينومات النباتات والحيوانات والإنسان، تغير شيء ما في طريقة تمثلنا لمكانتنا في عالم الأحياء برمته، وفهمُنا لعلاقتنا بباقي أشكال الحياة، وتساؤلنا عن مستقبل الحياة نفسها. فقد وجدنا أنفسنا أمام أزمنة طويلة شاسعة، أمام هذه الحوالي ثلاثة ملايير وثمانمائة من الأعوام التي قادت، عبر مسارات متعرجة، إلى ظهور الإنسان. نعرف الآن أنَّ جميع الكائنات الحية، بدءا من البكتيريا أحادية الخلية، مرورا بالنباتات والحشرات والأسماك والثدييات والرئيسيات غير البشرية، ووصولا إلى الإنسان، كلها تتكون من مادة وراثية واحدة، وأن وصفة واحدة قد استُخدمت لصنع مجموع حوالي ما يقارب خمسة أو ستة ملايين الأنواع التي ظهرت على وجه الأرض منذ أن بدأت الحياة فيها، كما عرفنا أيضا أننا نتقاسم 70٪ من جيناتنا مع الموز، و90٪ مع الفيل، وأكثر من 99 مع الشمبانزي. (Ridley: 2000).

رافقني على امتداد هذا المقال سؤالان حاولت أن أقدم جوابا أوليا عنهما:

1) هل لا زال للأحياء، ومن بينهم الإنسان، مستقبلٌ في مكان ما بين تطور الأنواع البطيء، في إعادة برمجة الجينوم، وظهور أشكال جديدة من الحياة؟

2) أي ملامح يمكن أن تأخذها نزعة إنسانية مَّا لعصرنا، نزعة إنسانية تفسح المجال، في لبها، لثورة الجينوبروتيمية والبيوتكنولوجيا (أو التقانة الحيوية)؟

سأقدم أجوبة محتشمة وجزئية عن هذين السؤالين، أصوغها من ثلاثة أماكن[2]:

في فقرة أولى، تحمل عنوان «حرب البيولوجيات»، سأضع أجوبتي في قلب النقاشات الدائرة اليوم بين علماء الوراثة، لاسيما عندما يناقشون المعنى الغامض في كثير من الأحيان لمفاهيم علم الوراثة الأساسية (جين gène، نمط ظاهري، نمط وراثي، وراثة)، وعندما يستخدمون استعارات «لغة»، و«كود code»، و«برنامج»، أو عندما يحصون ثغرات معرفتهم حول الحمض النووي غير المُرمِّز non codant (الإنترونات[3] والحمض النووي التابع (أو المحيط) ADN- poubelle)، على سبيل المثال، في اشتغال الكائنات الحية[4]. سأتساءل في هذه الفقرة الأولى عمَّ إذا كان بإمكان البيولوجيا الجزيئية أن تدمج ما سعى علماء الأحياء الفرنسيون، وعلى رأسهم فرانسوا جاكوب وجاك مونو (1970)، إلى اسكتشافه من خلال فتح الـ «جزيء» على النظرية «النشوئية émergentiste» للحياة، من جهةٍ، وأن تدمج، من جهة أخرى، ما تردده الأنثروبولوجيا من أنَّ الإنسان كائن بيولوجي تاريخي واجتماعي.

وبالاستناد إلى الفيلسوف الألماني بيتر سلوتردايك، سأتساءلُ في الفقرة الثانية عمَّ إذا كان يمكن (وبأي شروط) ابتكار نزعة إنسانية مناسبة لعصرنا البيوتكنولوجي. لقد قال بيتر سلوتردايك إن هناك ضرورة ملحة لظهور نزعة إنسانية قادرة على أن تُدمج، بدون خوف، المعارفَ الجديدة عن الحياة والبيوتكنولوجيا؛ في حين رأى خصومه أنه يمتدح الإنسان الأعلى النيتشوي. سأحذو حذو سلوتراديك، وأتساءل عن الوضع الاعتباري لما هو إنساني في الإنسان؛ سأستكشف أيضا خصائص ما يطلق عليه بعض الكتاب اسم «ما بعد الإنسانية»؛ وسأرسم أخيرا ملامح ما يمكن أن يكون نزعة إنسانية تأخذ على محمل الجد الإمكانات الهائلة التي فتحتها الجينوبروتيمية الجديدة، وهي ملامح لازالت غامضة. هل يمكن لنزعة سلوتردايك الإنسانية الأنثروبولوجية التقنية أن تجهزهنا، نظريا وأخلاقيا، لإعادة مكانة الإنسان المرموقة في عالم الكائن الحي برمَّته؟ هذا هو السؤال الذي أطرحه من خلال تعقيبي على تفكير سلوتردايك.

أخيرا، سوف أظهر، في الفقرة الثالثة، ذات المحتوى الأخلاقي أنَّ البيوتكنولوجيا تعرض الثقافة الغربية المعاصرة كلها للمحاكمة، ثقافتنا كما تشتغل في عالم مشبع بالتكنولوجيا على أساس أن التحكم في «كود الحياة»، وفي اقتصاد نيوليبرالي موجه نحو أسواق جديدة في جميع أنحاء العالم، وفي عالم تهيمن عليه معرفة الخبراء. إذا كان هناك واجب يفرض نفسه على الإنسان، فهو واجب المسؤولية تجاه الحياة والتضامن مع جميع أنواع الكائنات الحية.

حرب البيولوجيات

وُضعَ مفهومُ الجين في الأصل لتقديم شرح شكلي لقواعد الوراثة، لكنه، بشكل مفارق وبمقدار اكتشاف تعقيد ركائزه الكيميائية، أصبح أكثر إرباكا وتنوعا وأكثر اعتمادا على استعارتي البرنامج والكود، وأصبح أخيرا يخضع بشكل متزايد للتفكير انطلاقا من نماذج الحاسوب والبرامج المعلوماتية (Pichot: 1999). بعد تشبع الجين لفترة طويلة بنزعة بيولوجية قوية تمَّ شحنه تدريجيا، بداية تحت تأثير توماس هونت مورغان Thomas Hunt Morgan الذي تدخَّل في جينوم ذبابة الفاكهة باستعمال مادة كيميائية، فتحول الجينُ بعد ذلك من التأمل في «الذاكرة الوراثية» الذي اقترحه إرفين شرودنغر Erwin Schrödinger إلى نزعة مادية فيزيائية. فقد أعلن د. واطسون وفرنسيس كريك في عام 1953 أنَ سلسلة الحمض النووي اللولبية المزدوجة تحتوي على سر عمل الجزيئيات، سِرٌّ يرد على شكل كود (أو شفرة) مودَع في البنية الوراثية لجميع الكائنات الحية (Watson et Crick: 1953). هذا الكود المسجل في الحمض النووي تحديدا هو ما أعلن مفككو الجينوم البشري في عام 2000 أنهم قد نجحوا أخيرا في فك رموزه (International Human Genome Sequencing Consortium 2001).

وقد اعتبر الفيزيائي إرفين شرودنغر، وهو أحد آباء ميكانيكا الكم، قبل أعمال واتسون وكريك، أن بنية الكروموزوم «هي الأداة التي تشغِّلُ التطورَ الذي تستبقه» وأنها في آن واحد «تصميم المهندس المعماري وفن البنَّاء» (1994, 72)[5]. مهما بدا هذا مفاجئا، فاستعارات «تصميم» و«كود» و«رسالة» التي استعملتْ لأكثر من نصف قرن، في وصف عمل الجينات، كان أول من استخدمها هو فيزيائي منظر للمادة. أما التشابه القديم بين اللغة والجينوم السابق بفترة طويلة عن الاستعارات التي اقترحها شرودنغر، فقد تعزَّزَ في بيولوجيا الجزيئات نفسها بعد أن عرَض عالما الأحياء الفرنسيان فرانسوا جاكوب وجاك مونو وأندري لووف ظاهرتي الترجمة والاستنساخ في سنوات 1960 باعتبارهما آليتين وسيطتين أساسيتين في نشاط الجينات والبروتينات[6]. وتحت تأثير المعلوماتية والبيوتكنولوجيا، تغذَّى فكرُ اختصاصيي البيولوجيا الجزيئية حديثا بنزعة مادية معلوماتية أدت في نهاية المطاف إلى جعل استعارتي برنامج وبرمجية موضةً (Keller 1999: Maurel et Miquel 2001).

نجد أنفسنا اليوم إزاء مفهوم للـ «جين» متعدد الأوجه، ومتعدد الأشكال كتعدد الاستعارات نفسها: فجين عالم البيولوجيا الجزيئية ليس هو جين المتخصص في علم الوراثة الذي يدرس السكان؛ وجين عالم الأنثروبولوجيا الطبية ليس هو جين عالِم الكيمياء البيولوجية؛ وجين عالِمُ الإحاثة الذي يعيد بناء التطور البشري ليس هو جينُ عالِم الأجنَّة الذي يدرس تطور حياة الجنين؛ وأخيرا، فجينات عالِمُ البيولوجيا المعلوماتية ليس هو الجين الذي يدرسه الطبيب أثناء علاجه للمرضى. لقد احتفظت كلمة «gêne» المستعارة من «genos» اليونانية التي تعني (أصل)، عند معظم هؤلاء المختصين، بدلالتها النمائية الأصلية القريبة من «وراثة» المدرسيين التي تحمل فكرة النشأة والنمو، كما ورثت (كلمة «gêne») من علم الأجنة الحيوي الأرسطي الذي يرى أن الدجاجة موجودة ضمنيا في البيضة. ولم يكتب الفيزيائي إرفين شرودنغر، في عام 1943، شيئا آخر غير هذا عندما أكد أنّ الجين يحتوي، في آن واحد، على مُخطَّط لتطوير كائن حي وعلى القدرة على تنفيذ هذه الخطة.

يمكننا القول، مع هنري أطلان (1995, 1999) Henri Atlan، دون أن نخشى الوقوع في التناقض، إنَّ «الوراثي» لا يوجد فقط في الجين الذي يغمره من كل الجوانب، وأنه لهذا السبب بالذات غير قابل للاختزال إلى برنامج حاسوب ولو كان من أقوى الحواسيب. ففي حين تُدرَسُ الجينات باعتبارها وحدات برنامج من التعليمات، ترتبط هذه الجينات، خارج بنيات الحمض النووي، بمجموعات بروتينات مُركَّبة (أو معقَّدة) هي في الواقع الجزيئات الوحيدة «النشطة» فعلا في الخلايا والأنسجة، والوحيدة القادرة على ضمان تنظيم «تعبير» التعليمات الجينية والوحيدة التي تتدخل باستمرار في التكييف الداخلي والخارجي للكائنات الحية مع بيئتها. نتيجة لذلك، لا تخلو الخطابات الوراثية من غموض، خاصة لدى أولئك الذين يسيئون استعمال استعارتي «برنامج» و«كود» بهدف تأكيد فكرة أنَّ الجينات تحتل موقع مهندس الحياة. والمقارنة، التي كانت بالأمس مثمرة جدا، بين لغة علم الوراثة ولغة الإنسان، تبدَّت في وقت لاحق، ضيقة، وساذجة على المستوى الإبستيمولوجي وغير كافية إلى حد ما، على الرغم من فوائدها التعليمية الأكيدة في فهم تعقيد القواعد البيولوجية التي تشتغل داخل العمليات التي تجري داخل الكائنات الحية.

يجب على علماء الأنثروبولوجيا أن يُشاركوا في «حرب البيولوجيات»، ويقولوا إن هناك حاجة ماسة للخروج من الطريق المسدود الذي تزجُّ بنا فيه النزعة الاختزالية لتيار علم الوراثة الذي يقتصر في كثير من الأحيان على شرح خصائص الكائنات ووظيفتها بخصائص الجزيئات الصغرى وحدها، من جهة، والخروج من غموض النظرية «النشوئية» التي لم تفلح بعدُ في إثبات بطريقة مقنعة كيف تتمفصلُ مختلف مستويات تنظيم الحياة، من الخلايا إلى الأنسجة ومن الأنسجة إلى الأعضاء، مع البرنامج الجيني نفسه[7]، من جهة أخرى. أظن أن تجاوز هذه الطريق المسدودة الوحيد الممكن يوجدُ لدى البيولوجي الذي يمشي على قدميه، ويفترض في نهج واحد مفهومَ «البرنامج الوراثي» ووجهة النظر «النشوئية»، مسلطا الضوء بالخصوص على الدور الرئيسي الذي تلعبه البروتينات في اشتغال أجسام الكائنات الحية.

في كتاب صدر حديثا بعنوان «هذا هو علم البيولوجيا» (1997)[8]، يقيم العالم البيولوجي المتخصص في التطور البشري إرنست مايير موازاة بين المذهب الحيوي القديم و«النزعة الوراثية» موضة اليوم، فيكتب: «كانت العديد من الحجج التي طرحها أنصار النزعة الحيوية تهدف إلى شرح الخصائص المحددة للكائنات الحية، ويتم شرحها الآن بواسطة البرنامج الوراثي» (1997: 12). في الواقع، لا يمكن استيعاب نشاط «البرنامج» المسجَّل في جيناتنا حقا – وليس مايير هو عالمُ الأحياء الوحيد الذي يصر على هذه النقطة – ما لم يتم إعادة هذا النشاط في عمل الخلايا والأنسجة والأعضاء، من جهة، وإعادة ترسيخه في البيئة التي تعيش فيها الكائنات الحية، من جهة أخرى. هذه هي جميع المستويات التي تقع، على الأقل جزئيا، داخل مجموعة هرمية من قواعد للاشتغال لا يمكن اختزالها بأي حال من الأحوال إلى البرنامج وحده الذي تحمله الجينات. يرى إرنست مايير، مذكرا بالأخطاء المشتركة بين مذهب الحتمية والمذهب الحيوي، وجوب بناء البيولوجيا المعاصرة على ركيزتين في الوقت نفسه: قبول ما يسمى بالنظرية النشوئية، ومفهوم البرنامج الوراثي.

في كتاب منطق الكائن الحي: تاريخ الوراثة (1970)، يذكرُ فرنسوا جاكوب الثورات الأربع الرئيسية التي هزَّت علم الأحياء على مدى السنوات المائة والخمسين الماضية، وجزأت تاريخ تفكيرنا في الحياة، ويرى أنها قد انتظمت حول المفاهيم التالية: «التنظيم»، و«التطور»، و«الجين»، ثم «الجُزَيْء». مع جيرار مندل G. Mendel وخلفائه، وصف علماء الأحياء لأول مرة «تصميم نظام» أشكال الحياة، وهو الهندسة المخبأة في الكروموسومات، ثم سلَّط (مندل) الضوء على ذاكرة الميراث المسجلة في هياكل الجينات الفيزيائية-الكيميائية؛ بعد ذلك، مع داروين ووايزمان وآخرين، اكتشفوا «الزمن»، زمن المدى الطويل الذي جعل الأنواع تتوالد من بعضها البعض في تاريخ تطوري يتكوّن من تحولاتٍ وتنويعات وأشكال من النَّقل؛ وبعد ذلك، بدأ علماء الوراثة العملَ، مع التركيز على «الجين» الذي استخرجوا من داخله في آن واحد الأنماط النووية[9] لكل نوع من الأنواع، وتعدد أشكالها، والقرابة المشتركة بينها، وكذلك البرنامج المنتِج للخاصيات الفريدة للأفراد؛ وأخيرا في عام 1953، مع اكتشاف بنية الحمض النووي الريبي منقوص الأكسجين ADN، انتصر «الجزيء» وأطلق في الوقت نفسه ثورة البيولوجيا الجزيئية الوقت نفسه.

أعادت كل واحدة من هذه القطيعات الأربع تشكيل الحقل البيولوجي فاتحة في كل مرة المجال أمام علماء الأحياء لطرح تساؤلات غير مسبوقة، ومُجبرة إياهم على إعادة تكييف برامج بحثهم واختراع أدوات تقنية أخرى وصياغة فرضياتهم ومفاهيمهم ونظرياتهم بلغة مختلفة في كل مرة. يقول فرانسوا جاكوب إنه يعثر، فيما وراء هذه الهزَّات الأربعة، على استمرارية عميقة لنظرية الوراثة والجينات، من جريجور ج. مندل Gregor J. Mendel إلى توماس هانت مورغان Thomas Hunt Morgan، ومن شارل داروين Charles Darwin إلى جيمس د. واطسون D. Watson، ومن أوزوالد أفِري Oswald Avery إلى فرانسيس هـ. س. كريك Francis H.C. Crick. ونحن اليوم غداة القطيعة الخامسة الناتجة عن فك رموز الجينوم البشري وغير البشري التي يحدثنا عنها فرانسوا جاكوب في كتابه الأخير «الفأرة والذبابة والإنسان» (2000). في السطور الأخيرة من الكتاب، ينظر عالِم البيولوجيا الفرنسي الكبير، بمزيج من القلق والأمل، إلى مستقبل الإنسان الذي يبدو له رائعا بقدر ما هو غير مؤكَّد: «نحن خليط هائل من الأحماض النووية والذكريات، الرغبات والبروتينات. لقد اهتم القرن الماضي كثيرا بالأحماض النووية والبروتينات، وسيركز القرن الحالي على الذكريات والرغبات، فهل سيُفلحُ في حل مثل هذه القضايا؟» (F. Jacob: 2000, 220).

هل تستطيع البيولوجيا الجزيئية الحالية أن تؤسس نظرية للجينات والبروتينات تمنح مكانا، كما يأمل فرانسوا جاكوب، لـ «الذكريات» و«الرغبات»، بمعنى وراثة تؤنسنُ نظرية الوراثة والجين، مع إبقاء الإنسان مُدرجا في المستوى نفسه في هذا «الخليط الرهيب من الأحماض النووية (…) والبروتينات» الذي يجعلنا مختلفين وبَشراً في قلب عالم الأحياء نفسه؟ إذا كان الأمر كذلك، فبأي شروط؟ لا يوجد علم وراثة دون تاريخ وبيئة ومجتمع، كما لا يوجد فرد بدون أسْرَة ونسب وتبادلات، ولا إنسانية بدون مجتمعات وجماعات عرقية ومتاع وراثي، تُنقلُ على المدى الطويل، ما وراء الجينات، من خلال ممارسات ثقافية فريدة من نوعها داخل مجتمعات محلية. هذا ما يُذكر به علماء الأنثروبولوجيا المتخصصون في علم الأحياء الجزيئي.

ترويض الإنسـان: صدى نقاش مُجهَض في ألمانيا

في يوليوز 1999، ألقى الفيلسوف بيتر سلوتردايك[10] في مدينة ألمو Elmau بألمانيا محاضرة بعنوان «قواعد للحديقة البشرية»، كانت بداية نقاش مفيد جدا حول القضايا التي تطرحها البيوتكنولوجيا على النزعة الإنسانية المعاصرة. وفي يوم 2 شتنبر، نشر الصحافي توماس أسْهُوير Assheuer مقالا في أسبوعية دي تسايت Die Zeit ذائعة الصيت ندَّد فيه بقوة بـ «مشروع زرادشت» لترويض البشر الذي اقترحه فيلسوف كارلسوو Karlsruhe، على حد تعبير الصحفي: مشروع تحسين نسل وفاشي. وقد صرح بيتر سلوتردايك علنا بأنه اشتم في هذه التهمة رائحة الفيلسوف يورغن هابرماس[11] وحلفاءه الأقوياء المقيمين في الجامعات وكبريات الصحف، بما فيها أسبوعية دي تسايت Die Zeit. دافع هابرماس عن نفسه موضِّحا أنَّ أفكار سلودايك حول «ترويض» البشر نفسها قد أثارت سخطا صائبا بين العديد من المفكرين الألمان الذين لا زالوا تحت وقع صدمة فظائع تحسين النسل ونظريات الاشتراكية القومية العرقية وتجارب معسكرات الإبادة النازية[12].

وهكذا انطلق الجدل من اتهام الفيلسوف وأنصاره بتشجيع الإنسان الأعلى النيتشوي من خلال الدفاع عن استخدام البيوتكنولوجيا الجديدة[13]. كانت بعض أطروحات سلوتردايك (أصاب هابرماس في التنبيه إليها) عرضة للانتقاد، خصوصا بسبب صياغته إيالها على شكل أسئلة، وتلميحات ونصف مقترحات، وكذلك بسبب مفردات «انتقاء»، و«ترويض»، و«تدجين» التي لا تخلو من إثارة شبح تحسين النسل. على سبيل المثال، فالسؤال التالي الذي يطرحه سلوتردايك، لا يخلو من لُبس: «هل ستستطيع البشرية أن تنفذ، في نوعها بكامله، انتقالا من قدَرية الولادة إلى الولادة الاختيارية والانتقاء قبل الولادة؟» (1999 : 43). وقد وجد بعض نقاد سلوتردايك في عبارة «الانتقاء قبل الولادة» إشارة ضمنية من لدن سلوتردايك إلى إيديولوجيا تحسين النسل التي أكسبت الأطباء النازيين سمعة سيئة، مع أن العبارة نفسها تشير أيضا إلى أن التكنوبيولوجيا تتيح اليوم إنتاج «أطفال مُصمَّمين».

أظن أن تأمل بيتر سلوتردايك يقع في مكان آخر. فهو يدق ناقوس الخطر مؤكدا أن هناك حاجة مستعجلة لكي يأخذ المثقفون اليوم على محمل الجد التقدم الذي تُحرزه علوم الوراثة التي تسمح الآن للإنسانية بالتحرر مما يُسميه، بطريقة لا تخلو من غموض، بـ «قدرية الولادة». والطريقة الوحيدة لاحتواء انحرافات البيوتكنولوجيا المحتملة – سلوتردايك واضحٌ هنا – هي ابتكار نزعة إنسانية جديدة على أساس القوانين والقواعد القادرة على تأطير الإمكانيات غير العادية التي تفتحها المعارف الجديدة في علم الجينات البروتيومي. لا شك أن الفيلسوف سلوتردايك كان متهورا في بعض تعابيره، لاسيما في إشاراته المتكررة إلى الإنسان الأعلى لنيتشه، بل وأيضا في إعادة قراءته لنص هيدغر «رسالة في الإنسية (أو النزعة الإنسانية)» [14] قراءة تضفي عليه طابعا تكنولوجيا جدا (1946)، وهي نقطة انطلاق تأمله في الوضع الاعتباري للتكنولوجيا داخل تمثلنا الممكن للإنسان.

قال الفيلسوف إنه منزعجٌ ومضطربٌ، بل ومصدومٌ من استقالة المفكرين الغربيين تجاه التعامل مع التكنوبيولوجيا في هذه اللحظة التي يمرُّ الجنس فيها البشري من أحد منعطفاته التاريخية ويحدُث فيها منعرج كبير يمنح لعلوم الحياة إمكانيات غير مسبوقة. تتطلب القدرات الجديدة لعلماء البيوتكنولوجيا على وجه الاستعجال – يقول سلوتردايك – حكمة أخرى غير الحكمة التي سادت حتى الآن، حكمة قادرة على إبداع نزعة إنسانية أنثروبوتكنولوجية مختلفة عن تلك التي وجدَت إلى وقت قريب، نزة إنسانية ذات محتوى بيولوجي يأخذ على محمل الجد القدرات التي تملكها التكنولوجيا الحيوية.

يُعارضُ سلوتردايك مشروعَ تدجين الإنسان العزيز على النزعة الإنسانية الكلاسيكية وعلى نظيرتها الحديثة لاحقا (وكلتهاهما متجاوزة، حسب سلوتردايك) بمشروع التحرير الأفلاطوني تجاه التدجين، والترويض، والانتقاء، الذي حملته كل النزعات الإنسانية، فيعود إلى مفاهيم «الرعاية soin» (أو العناية)، والانهمام «sorge» المستعار من هيدغر، ومفهوم «التدجين»، ليُحدِّدَ دور المثقفين في المدينة ويدعوهم ليواجهوا، من داخل الالتزام، التحديات التي تطرحها البيوتكنولوجيات على النزعة الإنسانية اليوم. في أفق هذه الإنسية الجديدة الأنثروبوتكنولوجية يجب فهم حنين الفيلسوف تجاه الاختفاء المقبل، حسب قوله، للنزعة الإنسانية الأدبية والإنسانيات الكلاسيكية التي كان تضطلعُ بمهمة إخراج الإنسان من التوحش، من خلال جعله متحضِّرا، أي من خلال تدجينه وترويضه. يستخدم سلوتردايك هنا كلمة «Zähmung» التي توحي في اللغة الألمانية بأفكار تربية المواشي أو الدَّواجن، والترويض، والانتقاء.

يعيدُ سلوترداك في مقالاته باستمرار أنّه يجب وضع الإنسان، كما فعل هيدغر، في أفق مضاد للحيوان، أي أن يُجرَّد من الحيوانية بطريقة جذرية. وبهذا الثمن فقط يمكن لنزعة إنسانية جديدة أن تنشأ على أنقاض إنسيات الماضي. يضع سلوتردايك الإنسان إلى جانب الآلهة، بعيدا جدا عن الكائنات الحية الأخرى، إلى حد أنه كتب: «الطبيعة الإلهية أقرب إلينا من المخلوق الحي غير المعتاد» (1999, 24). لأن الإنسان مالكُ اللغة، فهو من أقارب الله، وبُستانيُّ العالم الحي في آن، بالتالي فهو مُكلَّفٌ، حسب سلوتردايك، برعاية عالمه كما يرعى المزارع حقوله أو الراعي قطعانه. يصر سلوتردايك على أن الإنسان مالكُ اللغة بالضبط لأنه هو حارسُ الكائنات الحية الأخرى. وفي اختصار سريع لتاريخ النزعة الإنسانية الغربية، يكتب سلوتردايك أن مشروع حراسة العالم «هو أكبر لا مُفكَّر فيه أشاحت النزعة الإنسانية بصرها أمامه».

يبني الفيلسوف أنثروبولوجيته التكنولوجية الترويضية على أساس تشبيه الحديقة الرعوية التي يستعيرها من أفلاطون. وقد احترز منتقدوه من الإشارة إلى أن مفهوم «الحديقة» لم يصغه سلوتردايك، بل أفلاطون نفسه هو الذي استخدمه على نطاق واسع في «محاورات» كتابه السياسة. كما لم يحتفظ بعضهم من خطاب فيلسوف كارلسوو Karhlsruhe حول «قواعد للحديقة البشرية» سوى باستعارته «حديقة الحيوان» التي تذكر بكيفية صريحة جدا، كما يقولون، بفكرة وضع البشرية في «حديقة حيوانية» بغرض التمكن من إخضاع البشرية بكيفية أكثر سهولة للترويض، وانتقاء الناس وتحسين النوع، كما يقولون. والحالُ أنَّ سلوتردايك تحدث (أو كان يتحدث؟) عن الترويض والحراسة؛ تحدث عن مسؤولية الإنسان، «حارس الكينونة»، تجاه العالم الحي، متبعا في ذلك أفلاطون وهيدغر.

أراد سلوتردايك أيضا أن يرد على هيدغر بإعادة تفسير بعض مفاهيمه، بما في ذلك مفهوم «فتحة الكينونة clairière de l’être» الذي يعيد التفكير فيه مؤكدا أنَّ الإنسان قد ظهر في «فتحة التقانة clairière de la technicité». فقد جعلت منه التكنولوجيا إنسانا؛ ويمكنها أيضا أن تدمره في نهاية عالم تأتي على الأخضر واليابس.

«خلافا لهيدغر، نظنُّ أنه يمكننا أن نتساءل عن الدافع وراء قدرة الإنسان على إفناء العالم. يجب علينا أن نستكشف الكائن الإنساني حتى يتسنى لنا فهم أنه قد خرج من فتحة وكيف أصبح حساسا للـ «الحقيقة». الفتحة الأولى التي رآها الإنسان الأول عندما نظر إلى السماء هي نفسها التي ومضَ فيها برقُ هيروشيما وبرقُ ناكازاكي، وهي الفتحة نفسها التي فيها كف الإنسان، في العصور القديمة، عن أن يكون حيوانا في محيطه، وفيها الآن نسمع ثغاء الحيوانات التي صنعها الإنسانُ.» (Sloterdijk: 2000, 34).

يضع سلوتردايك دولي[15] المستنسخة في خط استمرار هيروشيما وناغازاكي: هذه الفتحة للكائن التي أصبح فيها الإنسانُ إنسانا يُمكن أن تصبحَ مكان اختفائه نفسه، حسبما يُفهَم من كلام الفيلسوف..

رأى بعض النقاد في أفكار سلوتردايك دفاعا عن قدرات البيوتكنولوجيا، ودعما لتعديل النوع البشري وراثيا، وتشجيعا لتخطيط الخصائص البشرية ودعما لانتقاء الأفراد قبل الولادة. وقد اعترف الفيلسوف الفرنسي إيف ميشو، وهو أحد من يعرفون جيدا فكر زميله الألماني سلوتردايك، اعترفَ له بشجاعة طرحه، وبصحة أسئلته ووضوح تساؤله، من داخل النزعة الإنسانية، عن الوضع الاعتباري للتكنولوجيات الحيوية.

«لا تُطرحُ هذه الأسئلة فقط بالفعل، ولكنها تتلقى أيضا، بحكم الأمر الواقع، أجوبة في كل يوم. (…) الإنسان كائن يعمل على نفسه وعلى النوع (…) ليكون أكثر صحة، وأكثر جمالا، وأكثر قوة، وأكثر كفاءة، وأكثر جاذبية (…)، لكي تكون له ذرية تتصف بالكمال.»(Michaud: 2002, 33-34) .

يشهد تأمل سلوتردايك، بشكل مثالي، على أن مفهوم الحياة يشكل القلعة الأخيرة التي تقاوم ظهور نزعة جديدة، ومن خلال مفهوم التدجين، يقترح قراءة أخرى لعملية الأنسنة ويضعنا على مسار جديد، هو مسار نزعة إنسانية تكنوبيولوجية تشكل فيها الأداة وسيلة للفصل بين الحيوانية والإنسانية، وبين النزعة الإنسانية التي تعطي للإنسان سيد اللغة موقع حارس الحياة. لقد جعلت التقنية واللغة الإنسان هو الإنسان ومستقبله سيكون مضمونا طالما ستأخذ الإنسانية على محمل الجد هذين الجانبين المحدِّدين للكائن البشري. وتقود النزعة الإنسانية الأنثروبوتكنولوجية، التي يرسم سلوتردايك إطارها بطريقة لازالت غير دقيقة، إلى البحث في مجال علم الوراثة والبيوتكنولوجيا عن ترسيخ سيزود المجتمعات المعاصرة، حسب ما يأمل، بمرجعيات ومعايير صلبة تمنعها من الانحراف، وفقا للتقدم الذي تحرزه علوم الحياة.

لا شك أن سلوتردايك قد أطلق، ربما دون قصد منه، جدلا في الأوساط الفكرية الألمانية، ولكن السجال الذي أثاره في بلاده وفي أوروبا على نطاق أوسع لم يكن في الواقع سوى حدث غير ذي معنى، وبداية خاطئة لنقاشات لم تجر حقا، كما أن تدخلات يورغن هابرماس الهامة لم تظهر إلا عن طريق مواقف سلوتردايك. يبدو أن مشروع الترويض الذي نُسبَ خطأ إلى سلوتردايك لم يستهدف سوى هدف واحد: إستعادة الحالة السابقة للعمليات الآلية المتجذرة في النباتية والحيوانية، والتي تفسح المجال لاستيهام اعتبارها شكلت في يوم ما جوهر الإنسانية. ومع ذلك، فهذه الحتميات التي تأتي من الجينات أو من أمكنة أخرى هي بالضبط ما عارضه الفيلسوف بيتر سلوتردايك من خلال فكرة قطيعة الإنسان مع الحيوان ومن خلال مشروع حراسة الحياة؛ قطيعة قام بها محاولا أن يوفق بين تعالي الكائن البشري، مُعرَّفا باللغة، مع قدرة الأدوات، والآلات، والمصنوعات اليدوية والأطراف الصناعية، والبيوتكنولوجيا، والعديد من الأشياء التي صنعها الإنسان مع معرفته بأنها تستطيع أيضا أن تنقلبَ وتعيد تشكيل صورتها الخاصة كما يحدث في آثار المرآة.

خوفا من مفاهيم الترويض Zähmung، والتربية Züchtung، والانتقاءSelektion ، لم ير مُعارضو سلوتردايك أنَّ ثالوثه فتحة – حراسة – انهمام قد أتاح له تقديم رد أصيل على رسالة هيدغر في النزعة الإنسانية مستوحى من تراث فلسفي ممتد من أفلاطون إلى نيتشه، كما لم يُدرك منتقدوه أنَّ نيته كانت ترمي إلى استخلاص العناصر الرئيسية لمشروع أنثروبولوجي سياسي متجذر في تأمل في الوضع الاعتباري للبيوتكنولوجيا.

«(…) شرعت حضارتنا في نقل سياجات الحدود أكثر مما قامت به أي حضارة سابقة، إذ أصبحت الولادات خاضعة للتخطيط، وكذلك الموت ضمن حدود معينة، وأصبح الجسد قابلا للجراحة في بُعد ظل غير ممكن التصور حتى الآن. أصبحَ يُفصل بين النشاط الجنسي والتكاثر، كما أصبحت المشاعرُ تعدَّلُ بالعقاقير الصيدلية، والصيدلة، والظروفُ النفسية تُشكَّلُ وتكوَّنُ بمستحضرات تجميلية وكيميائية.» (Sloterdijk: 2003).

تحول النقاش للأسف إلى عرض فرجوي أخذ أحيانا مظهر تصفية الحسابات بين مدرستين في التفكير: مدرسة سلوتردايك التي ترى في البيوتكنولوجيا عصر ما بعد [النعجة] دولي «أنثروبوتقنيات» قابلة للإدماج في إنسيتنا، ومدرسة هابرماس التي تؤكد على الطبيعة الثابتة لكل ما يتعلق بالجينوم، إلا في حالة أمراض محدَّدة بشكل جيد. كان من المتوقع أن تعيد مشاركة هابرماس إطلاق النقاش الحقيقي حول أسس نزعة إنسانية قادرة على أن تأخذ على محمل الجد المعرفة الوراثية الجديدة والبيولوتكنولوجيا، غير ألا شيء من ذلك حصل. فقد رفض هابرماس الذي يُسميه سلوتردايك بـ «اللاهوتي المدني الألماني في زي فيلسوف» (2003: 77) النقاشَ، متناقضا بذلك مع فكره المتمحور بشكل كبير حول «نظرية الحوار وآداب النقاش»[16]

في كتاب مستقبل الطبيعة البشرية (2002)، ينكب يورغن هابرماس على التفكير في التحديات التي تطرحها إمكانياتُ التدخل في الجينوم البشري والتكنولوجياتُ الحيوية الجديدة على مفهومي الحرية والمسؤولية لدينا، ويشير إلى أنه أصبح يمكن الآن التحكم في الكائنات البشرية، وتغييرها، وإعادة برمجتها، وأنَّه يمكن تعديل الأطفال وراثيا بما يتوافق مع رغبات والديهم؛ وأنَّ خطوط التماس بين الناس والأشياء هي بصدد الانهيار. في هذا الصدد يقول: يمكنُ قبول تحسين النسل العلاجي الذي يهدف منع ظهور بعض الأمراض الوراثية الخطيرة، على سبيل المثال؛ وعلى العكس من ذلك، يجب رفض تحسين النسل الليبرالي الذي يهدف إلى التدخل مباشرة في جينوم فرد مَّا لجعله يتناسبُ مع مشاريع شخص آخر. إذا امتلك بعض الناس الحق في «صناعة» أشخاص آخرين، فستتم المجازفة – يقول هابرماس – بتقويض أسس حياة مجتمعاتنا نفسها التي تتألف من ذواتٍ حرة ومتساوية في الكرامة.

يتساءل هابرماس: ما هي الحدود التي يجب وضعها للتدخلات في الجينوم؟ ثم يصوغ أجوبة انطلاقا من نظريته في الفعل التواصلي التي يؤكد فيها على قدرة العقل على الوصول، من خلال النقاشات العمومية، إلى خلق اتفاق بين الذوات بغاية الوصول إلى عمل مشترك. ويقول هابرماس إن مفهومي المسؤولية والحرية هما ما يتم إنكارهما عندما يجرِّد الوالدان، على سبيل المثال، الطفلَ الذي يُعاد تشكيل جينومه من الحق في أن يعيشَ حياته التي هي ملك له. في هذا يصدد، يكتب: «إنَّ التدخلات التي ترمي إلى التحسين الوراثي لا تـنتهك الحرية الأخلاقية إلا بقدر ما تُخضعُ الشخص المعني بها لنوايا يحددها طرفٌ ثالث» (2002: 96). واستقلال الشخص نفسه هو ما يأتي تحسين النسل الليبرالي لينفيه: «لا يجب على أي أحد أن أن يكون تابعا لشخص آخر أو يعتمد عليه بكيفية لا رجعة فيها، ولكن البرمجة الجينية تولّدُ علاقة غير متماثلة على أكثر من صعيد –أبوية من نوع خاص» (المرجع نفسه: 97). تتحول تبعية انتساب الأطفال إلى آبائهم هنا إلى تبعية وراثية تجرد، منذ البداية، الطفل من كل إمكانية لكي يكونَ ذاتا – حُرَّة.

يثير تضخيم «هيروشيما وراثية» خوفا أقل لدى هابرماس من تحسين النسل الهادئ والُمحسِّن الذي أتاحته الهندسة والاختبارات الجينيان اليوم. ما يزعج هابرماس في البرمجة الجينية هو أنه لا يعود بالإمكان تماما وجود «علاقة متناظرة بين المُبرمِج والمنتَج» (2000: 99) وإنشاءُ تبعية لا رجعة فيها بين ما يتم إنشاؤه بين ذاتين حُرَّتين. «في المستقبل البيوسياسي الذي يرسمُ لنا محسنو النسل جدولَهُ، ستحل محلَّ هذه العلاقة الأفقية مجموعةٌ من العلاقات بين الأجيال يمكن، من وجهة نظر العمل كما من نظر التواصل، أن تنشأ عموديا من خلال التعديل المتعمد لجينوم الذين لم يولدوا بعد» (المرجع نفسه. 99). يتساءل هابرماس: هل يمكن أن يكونوا متأكدين من أن الطفل الذي لم يولد بعد سيمتلك تفضيلاتهم الجينية؟ وحتى لو افترضنا أن الطفل يتماهى مع اختيارات والديه، ألا يمكن أن يلومهم في يوم ما على كونهم منحوه استعدادات للموسيقى بدل الرياضة، أو الرياضيات بدل الآداب؟ هل سيكون الطفل حسب رغبة الوالدين قادرا على التفكير في نفسه باعتباره مالك سيرته الذاتية دون أن يتقاسمها معهما؟ يعارضُ هابرماس، باسم حق كل شخص في الوجود باعتباره ذاتا حرة ومساوية للآخرين، أيَّ شكل من أشكال تحسين النسل الليبرالية، وكلَّ تدخل في الجينوم خارج الحالات العلاجية الخطيرة التي تقتضي مثل هذا التدخل.

لقد اقترح الفيلسوفان إطارا فلسفيا لإرشادنا إلى استخدام البيوتكنولوجيا. قام هابرماس بذلك من خلال إعادة تأكيد مبدأ الاستقلالية الذي يجب أن يحكم العلاقات بين الذوات الحرة والمتساوية، في حين نظم سلوتردايك تفكيره في الكائن البشري حول مفاهيم الـفتحة والرعاية وحراسة الأطفال، متبعا التقليد الفكري الممتد من أفلاطون إلى هيدغر. وقد حول سلوتردايك مسألة مستقبل النوع البشري إلى قضية أنثروبوسياسية، في حين حولها هايدغر إلى سؤال حول الظروف التي تسمح بظهور حريات فردية.

لماذا الرهان على ما بعد النزعة الإنسانية؟

ماذا يُمكن أن يُشبه مجتمع من الناس «ما بعد إنسانيين»؟ ما عسى أن تكون حضارة يشيدها العلمُ بدون مساعدة من الوعي؟ ماذا سيبقى من «الطبيعة الإنسانية» بعد أن تعيد الهندسة الوراثية تشكيل الكائن البشري؟ هذه القضايا في غاية الجدية بحيثُ لا يمكن معالجتها بطريقة عرضية وغامضة كما فعل فرانسيس فوكوياما في كتابه نهاية الإنسان (2002). فهذا الكتاب ينتهي في الواقع إلى ما يشبه كابوسا يتراجعُ المؤلف أمامه خائفا من الإنسان ما بعد الإنساني مع أنه أعلن على امتداد كتابه عن رغبته في ظهوره. يرى المؤلف أن العالم ما بعد الإنساني:

«(…) يمكن أن يكون عالما يختفي فيه أي مفهوم لـ «الإنسانية المشتركة»، لأننا سنكون قد خلطنا الجينات البشرية بجينات العديد من الأنواع الأخرى بحيث لا نعود نعرف بوضوح ما هو الكائن البشري. كما قد يكون عالما يعيش فيه الشخص العادي بشكل صحيح في القرن الثاني من عمره، قاطنا في دار للمسنين في انتظار موت يتراجع إلى أجل غير مسمى. وقد يكون في النهاية نوعا من الاستبداد الناعم كاستبداد أفضل العوالم[17]، حيث جميع الناس سعداء ويتمتعون بصحة جيدة، لكنهم جميعا نسوا معنى الأمل والخوف والكفاح» (Fukuyama: 2002, 320).

يرى فوكوياما أن قوة البيوتكنولوجيا يمكن أن تُدخلَنا إلى عصر «ما بعد الإنسانية»، وهو عصر يستعد الكثيرون لاستقباله بترحيب حار، وكأنه سيجعل من الممكن أخيرا توسيع حرية الإنسان. المزيد من الحرية للآباء ليلدوا نوع الطفل الذي يحلمون به، والمزيد من الحرية للباحثين المتحررين الآن من الحواجز الأخلاقية التي تنتمي إلى عصر آخر، والمزيد من الحرية لأصحاب المشاريع القادرين، بفضل البيوتكنولوجيا، على إنتاج المزيد من الصحة والثروة والسلع لأكبر عدد من الناس، والمزيد من الحرية لمجتمعاتنا الديمقراطية. يتذكر فوكوياما فجأة أنه عالم سياسي وليس عالم أحياء: «تعني الحرية الحقيقية حرية الجماعات السياسية، وحماية أعز قيمنا، وهذا ما يجب ممارسته تجاه الثورة البيولوجية اليوم» (2002: 320). وفي ختام دفاع فوكوياما الطويل عن البيوتكنولوجيا، يستحوذ الخوف عليه فجأة تجاه ما لا يمكن إصلاحه مما قد يحدث «للطبيعة البشرية»، ولمجتمعاتنا ولحرية الإنسان، فيرى من الضروري الحفاظ عليها أمام قدرات التكنولوجيا الحيوية.

يسعى فوكويا إلى إيجاد منفذ إغاثة في دمقرطة النقاشات التي يجب إجراؤها اليوم حول القدرات البيوتكنولوجية، فيلتفت إلى برلمانات الديمقراطيات الليبرالية ومواطنيها لكي يقرروا الحدود التي يجب أن يفرضوها على العلم، ويرسموا حدودا ويفرضوا محظورات.

في هذا الصدد، يكتب: «إنَّ المجتمع السياسي الديمقراطي القائم الذي يعمل أساسا من خلال ممثليه المنتخبين، (…) هو الذي يملك سلطة مراقبة وتيرة التطور التقني وأهدافها» (2002: 274)، وهذا قليل جدا، بعد فوات الأوان.

كاتب المقالات الفرنسي جان كلود غيبلو قلق أكثر بكثير من عالِم السياسة الأمريكي مما يمكن أن يحدث للبشرية، عندما يكتب في مبدأ الإنسانية:

«هل تُرفض النزعة الإنسانية؟ هل يُفكَّك الإنسان؟ سبق وجود العديد من مثل هذه المشاريع في الماضي، لكنها تأخذ الآن ثباتا وإصرارا. هل سيُستغنى عن الإنسان؟ يقال لنا اليوم: فليكن ذلك، هيا إلى المختبر! وداعا لكتب تعاويذ القرن XIXم التخريبية! وداعا للمواقف الأدبية وللاستفزازات! وداعا لإزالة سحر العالم التي عمت نهاية القرن الماضي دون طائل! إذا كان الفكر الحديث يُسدِّدُ رصاصه اليومَ صوب إنسانية الإنسان، فهو يسدِّدُ بذخيرة حية. يجب الاتفاق على وجود ضرورة ملحة للتفكير بشكل أفضل في هذه الكارثة المحتملة» (Guillebaud: 2001, 407).

تكثرُ صورة «أفول الإنسانية» في كتابات المفكرين الأوروبيين، كما هو الحال لدى جان كلود كيلبود، أكثر مما لدى زملائهم الأمريكيين الذين عادة ما يكونوا أكثر تفاؤلا، لاسيما عندما يتعلق الأمر بقدرات العلم التقنية أو بالمصالح التجارية. ومع ذلك، فالمجتمع العلمي الأمريكي – من الجدير التذكير بهذا – كان أول من قام برد فعل إزاء أخطار البيوتكنولوجيا: ففي مؤتمر أّسيلمار [18] Asilomar، في عام 1975، وافق مهندسو علوم الوراثة على فرض قيود على إعادة توليف الحمض النووي ADN، وفي العام الموالي، حددت المعاهد الوطنية للصحة (NIH) معايير لتوجيه جميع البحوث التي تُجْرَى على الحمض النووي الذي يُعادُ توليفه، تلزمُ بحصر استعمال مواد التعديل الوراثي على المختبرات وحدها. ولكن ذلك لم يَحُل دون ظهور نباتات معدلة وراثيا، وبعد مرور خمس عشرة عاما على وضع المعايير الآنفة وجدت تلك النباتات نفسها في حقول المزارعين، بعيدا عن المختبرات.

لقد اضطر مبدأ الوقاية الذي نصت عليه المعاهد الوطنية للصحة إلى الاستسلام أمام لوبي البيولوجيا الصناعية وقوته التجارية. استقبلت الأوساط العلمية والصناعية الأمريكية لتكنولوجيات الحيوية بمزيد من الحماس بحيثُ سمحت للولايات المتحدة (وكندا) بفرض نفسيهما على الصعيد العالمي في مجال البحوث الصيدلانية والطبية والزراعية والغذائية، والهيمنة على الأسواق العالمية. وهذا الاندفاع غير الحذر نحو البيوتكنولوجيا هو ما أراد أن يرد عليه جيريمي ريفكين في كتابه الصادر تحت عنوان قرن التكنولوجيا الحيوية (1998) الذي اعتبره الكثيرون منشور دعاية أو ترويج. في هذا الكتاب المكتوب على شكل انتقادات شديدة، استنكر ريفكين الوعود الكاذبة لمروجي الثورة البيوتكنولوجية، لكن سماع مثل هذه الانتقادات في الولايات المتحدة تأخر.

في أوروبا، كانت البيوتكنولوجيا في 1980 شأنا يهم فقط الخبراء، فلم يبدأ النقاش حقا حولها إلا في منتصف 1990، بعد معارضة غرينبيس – التي حظيت بتغطية إعلامية واسعة – لتفريغ بواخر مملوءة بفول الصويا المعدل وراثيا من أصل أمريكي. كانت أوروبا آنذاك قد خرجت للتو من أزمة مرض جنون البقر، فجاءت قضية فول الصويا المعدلة وراثيا لتنشِّط المخاوف تجاه محتوى هذه الصوجا غير المعروف جيدا التي كانت موجهة للاستهلاك من لدن البشر والحيوانات. لقد رفض الأشخاص المنشغلون بالبيئة والتنوع البيولوجي والأمن الغذائي أن تفرَض عليهم، باسم التقدم، بذورٌ وأغذية وتكنولوجيات لم تثبت سلامتها بعد. لقد كفَّت الشعوب الأوروبية عن التصديق الأعمى لحجج سلطة الخبراء.

أما في كيبيك، فقد ساهم فلاسفة مثل جاك دوفرين Jacques Dufresne ودانيال جاك Daniel Jacques في رفع النقاش بجعله يركز على تعريف الإنسان نفسه. ربما كانت صورة السايبورغ حاضرة في أذهان فرانسيس فوكوياما، وجان كلود غيلبو وبيتر سلوتردايك، ويورغن هابرماس، أي صورة هذا الهجين من الإنسان والآلة، التي أثارها بطريقة قوية جاك دوفرين مدير موقع أغورا Agora في كتابه المثير: بعد الإنسان، هل يأتي السايبورغ؟ (1999). يُظهر المؤلف في هذا الكتاب أن المتخيل الغربي في طريقه نحو التمحور حول وهمٍ نصفه شيءٌ ونصفه حيٌّ. وقد كتب دانيال جاك الفيلسوف ورئيس تحرير مجلة Argument هو الآخر بحثا رائعا حول ما يسميه «واجب الإنسانية»، يقول فيه إنه ليس على يقين من أن فكرة الطبيعة غير الواضحة تماما يمكن أن تظل صالحة كأساسٍ لبناء نزعة إنسانية جديدة، بل ويمضي إلى حد التساؤل عمَّ إذا كان لا يجب الاستعاضة عن الإشارة إلى الإنسانية بفكرة مجتمع الأحياء، فيقول:

«لقد أصبح وضعنا غير مؤكد بفعل أنه يتعين علينا أن نختار ماذا نريد أن نفعل بكل هذه القوة التي تمنحها إيانا التقنية الحديثة في الوقت الذي تصبح فيه فكرتنا عن أنفسنا أكثر غموضا تحت تأثير العلم بالخصوص» (Jacques: 2002, 11).

تهيمنُ وجهتا نظر الفيلسوفين جاك دوفرين ودانيال جاك، من أعلى جدا، على النقاشات الجارية عندنا (هنا في كندا) حول التقنيات الحيوية، نقاشاتٌ تتعثر للأسف لكونها تكون تارة أسيرة أخلاق الوراثة، وتارة منحرفة كليا نحو وجهة ضرورات البيولوجيا الصناعية.

لم تنته هذه النقشات بعد، سواء في ألمانيا أو في فرنسا، في الولايات المتحدة أو عندنا، وكل ما يمكن أن يتمناه المرءُ هو أن تظل في المستوى الذي وضعها فيه فلاسفة مثل بيتر سلوتردايك، وجاك دوفرين ودانيال جاك، الذين ينشغلون قبل كل شيء بإعادة تعريف الإنسان في سياق الثورة البيوتكنولوجية التي نعيشها الآن.

واجب المسؤولية

ماذا سيكون للحي وللإنسان في غضون عشرة آلاف سنة، ومائة ألف، أو مليون سنة؟ من المستحيل التنبؤ بهذا المستقبل البعيد، إلا من خلال الافتراضات. سيقول البعض إن قواعد التطور البيولوجي التي سادت حتى الآن سوف تستمر في فرض نفسها إلى الأبد وإن أنواعا جديدة سوف تنشأ بالضرورة، في حين سيرى آخرون أن تاريخ تطور الأحياء قد انتهى مع ظهور الإنسان، هذا الأرشيف الحقيقي والملخص لجميع أشكال الحياة، وأخيرا سيثيرُ آخرون شبح احتمال تدمير البشرية، ونهاية التاريخ، بناء على إيمان بآخرة ربما مقبلة ستمحو جميع أشكال الحياة على الأرض. كارثة طبيعية، مأزق للعملية التطورية، تدمير ذاتي للبشرية، تكرار المثيل في استمرارية تاريخ، تمَّ اقتراح جميع السيناريوهات بما فيها سيناريوهات في غاية الغرابة.

في الواقع، إذا كان هذا المستقبل البعيد يظل غير معروف، فالمستقبل يُلزمُنا بالمسؤولية ويقدم نفسه، باعتباره أكثر انفتاحا من أي وقت مضى، ومليئا بإمكانيات هائلة، تحديدا بسبب تزايد قدرتنا على الفعل في مسار التاريخ التطوري. لا ينفصل كل من عدم اليقين والمسؤولية والهشاشة عندما نفكر في مستقبل الأحياء: لا شيء يضمن بقاء النوع البشري الذي كاد أن يختفي تقريبا، منذ حوالي خمسين ألف سنة[19]، والتطور في حد ذاته ليس سوى مقبرة واسعة تُدفن فيها عشرات آلاف الأنواع التي تُبيدها أنواعٌ أقوى منها أو تبيدها كوارث كونية[20]. إن أفضل طريقة لضمان مستقبلنا على الأرجح توجد في «الرعاية» التي يجب علينا نحيط بها هشاشة جميع أشكال الحياة، وهشاشة نوعنا نفسه. صحيح أنه مَرنٌ وقابل للتعديل، ولكنه أيضا قابل للتدمير، وربما سريع الزوال، شأنه في ذلك شأن جميع الأنواع. لقد طورت البشرية اليوم معارف وقدرات تقنية تُلزمها من الآن فصاعدا بأن تكون مسؤولة تجاه الإنسان وتجاه سائر الأنواع الحية، من دون الحاجة إلى انتظار لفتة مُنقذة من الطبيعة أو من أي شكل من أشكال الألوهية.

لقد أحيت الثورة البيوتكنولوجية التي ترافق علم الجينوم وعلم البروتينات (وهي ثورة هامة كثورة ابتكار الزراعة، وربما أكبر منها) تفكيرَ فلاسفة، وبيولوجيين واختصاصيي العلوم الإنسانية، ووضعته في مسارات جديدة وغير مسبوقة. بخلاف ما كان عليه الأمر في الماضي، يرتكز التقدم الهائل المحرز في البيولوجيا والتكنولوجيا على مسألة الحد والانتهاك، في الفعل المغيِّر (أو التغييري)، وشبه الخالق، الذي يقوم به الإنسان تجاه الحياة. أرى أنه لا يمكن للإنسانية أن تضطلع بمسؤوليتها تجاه نفسها وتجاه سائر الأحياء ما لم تبتكر نزعة إنسانية جديدة متناسبة مع قوة تكنولوجياتنا الحيوية، يحركها واجب التضمن مع الأحياء، ومعتمدة على أخلاقيات تأخذ على محمل الجد مفهومي الحظر والانتهاك. فالنزعة الإنسانية الحديثة المنحدرة من الثورة العلمية التي حدثت مع غاليلي Galillée ونيوتن Newton وآخرين حول «علوم المادة»، تبدو اليوم عاجزة وغير فعالة أمام التحديات التي تطرحها علينا «علوم الحياة»، وعلم الجينات البروتيومي، والهندسة الوراثية، والبيوتكنولوجيا. لذلك، يبدو أن مفهوم الحياة أصبح يظهر كأنه القلعة الأخيرة للنزعة الإنسانية الغربية الحديثة، ولهذه النزعة الإنسانية التي تتغذى من الفلسفة والفنون والآداب، قائمة على تفسير رياضي للكون المادي الذي تفرضُ اطراداته نفسها على الإنسان، أيا كان ما يفعله، من خلال عودة الفصول ودورة النهار والليل.

لا شك أن ممارسة مسؤوليتنا تجاه الحياة لن تكون ممكنة في المستقبل إلا بتوفر شرطين: أولهما وجوب اضطلاع البشرية، في قلب حضارة أصبحت تكنوبيولوجية على نحو متزايد، بعلاقة نقدية تجاه معارفها وقدراتها على الفعل في الحياة، وثانيهما وجوب صياغة نزعة إنسانية جديدة تتمحور حول مفهوم الحياة نفسه بدل المادة، نزعة إنسانية سيتعين عليها أن تنتشر في المجتمع بكامله، بين العلماء ومتخصصي ما يسمى بالعلوم الإنسانية. ولن تساعد هذه النزعة الإنسانية الجديدة الإنسان على «العناية» بالحياة ما لم ينفتح على الاعتراف بتعدد أشكال الحياة فضلا تنوع العالم الإنساني ثقافيا ولغويا ودينيا وفلسفيا. لن يكفي احترام تنوع الحي والثقافات، يجب أيضا جعل أشكال التنوع الحالية تنمو داخل مسؤولية منظور إليها باعتبارها حراسة، و«عناية».

لا يمكن للإنسان أن يمارس مسؤوليته نحو الحياة إلا بالتضامن مع جميع الكائنات الحية التي اتضح بما لا مجال للشك فيه، وأكثر من أي مضى، أنه أحد أقاربها المقربين. وتشمل هذه المسؤولية أيضا احترام التنوع البيولوجي كما يعبر عن نفسه في النظم البيئية المتعددة الموجودة فوق سطح الأرض. قد يساعد التضامن بين البشر والأحياء في التغلب على الصراع الذي نشأ بالفعل بين المدافعين عن حماية نزعة بيئية مثالية أحيانا والمروجين للقوة البيوتكنولوجية. لا شك أن الثقافة البيولوجية العلمية والفكر التعددي سيكونان في المستقبل الترياقين الرئيسين لحماية الإنسانية من كل النزعات الاختزالية التي تهوِّن الحياة فتقلصها إلى برامج جينية، ولكن كذلك من النزعات التي تقدس الحياة إلى حد اعتبارها غير قابلة لأي مسّ أو تحويل.

يلقي كلود ليفي ستراوس في الصفحة الأخيرة من كتابه الإنسان العاري نظرة حنين أخيرة على الإنسان الذي حاول أن يفهمه على امتداد المجلدات الضخمة الأربعة (نحو 2500 صفحة) التي خصصها لدراسة أساطير هنود أمريكا الحمر، فيكتب:

«بين الوجود والعدم، لا يملك الإنسان أن يختار. يفرضُ عليه مجهودٌ عقلي يتناسب مع تاريخه الذي لن يتوقف إلا بمحوه من حلبة الكون، يفرضُ عليه أن يضطلع ببديهيتين متناقضتين يحركُ الاصطدم بهما فكرَه، ويولِّدُ لتحييد تضادهما عددا غير محدود من الفروقات الثنائية الأخرى» (Lévi-Strauss: 1971, 621).

يوحي الكلام السابق بأن الإنسان لن يتخلص أبدا من هذا التوتر الأساسي، بين الوجود والعدم، الذي ينعكس في آلاف الفروق الثنائية الأخرى التي تصل إلى صلب حياة الإنسان. اخترع هنود أمريكا الحمر، ككل الشعوب، أساطير لتقليص الفجوة بين الوجود والعدم، ساعين عن طريق المتخيل إلى منح معنى للوضع البشري. لا زالت الإنسانية تواجه التحدي نفسه اليوم أكثر بكثير مما كان عليه الأمر بالأمس: الفرقُ هو أنَّ الجواب المتوقع لا يُمكن أن يظل محصورا في فضاء الحلم والمتخيَّل والأساطير؛ يجب أن يكون في سمك الواقع نفسه، من خلال الأخذِ على محمل للجد الإمكانياتِ غير العادية التي تملكها الهندسة الوراثية لإعادة تصميم الكائنات الحية. تُطرح مسألة الوجود والعدم الآن بعبارات فلسفية وأخلاقية.

جيل بيبو

الهوامش والمراجع

ASSHEUER T., 1999, «Das Zarathustra-Projekt », Die Zeit (2 sep- tembre).

ATLAN H., 1995, «ADN: programme ou données : ou, le génétique n’est pas dans le gène », Bulletin de la Société européenne de philosophie de la médecine. 3; 3, numéro spécial: CDRom, 1.01.a.

                  , 1999, Les étincelles du hasard. Tome 1, Connaissance sper- matique. Paris, Seuil.

BIBEAU G., (sous presse), Le Québec transgénique. Science, marché, nation. Montréal, Boréal.

COPPENS Y. et P. PICQ (dir.), 2001, Aux origines de l’humanité. Pa- ris, Fayard.

DUFRESNE J., 1999, Après l’homme – le cyborg? Sainte-Foy, MultiMondes.

EHRLICH P.R., 2000, Human Natures: Genes, Cultures, and the Human Prospect. Washington, Island Press.

FUKUYAMA F., 2002, La fin de l’homme. Les conséquences de la révolution biotechnologique. Paris, La Table Ronde.

GULLLEBAUD J.-C., 2001, Le principe d’humanité. Paris, Seuil. HABERMAS J., 2002, L’avenir de la nature humaine. Vers un eugé-

nisme libéral. Paris, Gallimard.

HEIDEGGER M., 1966 [1946], «Lettre sur l’humanisme», texte al- lemand traduit et présenté par Roger Munier. Paris, Aubier et Éditions Montaigne.

HOTTOIS G., 2002, Technoscience et sagesse. Nantes, Éditions Pleins Feux.

International Human Genome Sequencing Consortium, 2001, «Initial Sequencing and Analysis of the Human Genome», Nature, 409: 860-921.

JACQUARD A. et A. KHAN, 2001, L’avenir n’est pas écrit. Paris, Bayard.

JACOB F., 1970, La logique du vivant. Une histoire de l’hérédité. Paris, Gallimard.

            , 2000, La Souris, la Mouche et l’Homme. Paris, Odile Jacob.

JACQUES D., 2002, La Révolution technique. Essai sur le devoir d’humanité. Montréal, Boréal.

KAHN A., 2000, Et l’homme dans tout ça? Paris, Nil Éditions.

KELLER E.F., 1999, Le rôle des métaphores dans les progrès de la biologie. Paris, Institut Synthélabo.

       , 2000, The Century of the Gene. Cambridge, Harvard University Press.

LÉVI-STRAUSS C., 1971, L’homme nu, Plon.

LEWONTIN R.C., 2000, The Triple Helix. Gene, Organism and Environment. Cambridge, Harvard University Press.

MAUREL M.C. et P.A. MIQUEL, 2001, Programme génétique: concept biologique ou métaphore? Paris, Éditions Kimé.

MAYR E., 1997, This Is Biology. The Science of the Living World, Cambridge, The Belknap Press of Harvard University Press.

MICHAUD Y., 2002, Humain, Inhumain, Trop Humain. Paris, Micro- Climats.

MONOD J., 1970, Le hasard et la nécessité. Essai sur la philosophie naturelle de la biologie moderne. Paris, Seuil.

MORANGE M., 1998, La pari des gènes. Paris, Éditions Odile Jacob. PICHOT A., 1999, Histoire de la notion de gène. Paris, Flammarion.

                  , 2002, «La génétique est une science sans objet », Esprit, 5: 102-131.

RIDLEY M., 2001, Génome: autobiographie de l’espèce humaine en 23 chapitres. Paris, Laffont.

SCHRÖDINGER E., 1986, Qu’est-ce que la vie? De la physique à la biologie. Paris, Seuil.

SLOTERDIJK P., 1987, Critique de la raison cynique. Paris, Bour- geois.

     , 2000a, Règles pour le parc humain. Une lettre en réponse à la Lettre sur l’humanisme de Heidegger. Paris, Éditions Milles et une nuits.

                  , 2000b, La domestication de l’être. Pour un éclaircissement de la clairière. Paris, Mille et une nuits.

                  , 2003, Ni le soleil ni la mort. Jeu de piste sous forme de dialogues avec Hans-Jürgen Heinrichs. Paris, Pauvert.

WATSON J.D., 2000, A Passion for DNA. Plainview, Cold Spring Harbor Laboratory Press.

WATSON J.D. et F.H.C. CRICK, 1953, « Molecular Structure of Nu- cleic Acids», Nature, 171: 737-738.

 

 

 

[1] البروتيوم protéome: مجموع البروتينات التي يتم التعبير عنها في الخلية، أو في جزء منها أو في مجموعة من الخلايا، في ظل ظروف معينة وفي لحظة معينة. (المترجم).

[2] من أجل عرض أكثر تعمقا في الموقف الذي يدافع عنه المقال الحالي، أحيل القارئ إلى Bibeau (قيد الطبع).

[3] الإنترون من الجين يُنقل الحمض النووي الريبي ARN، حيث يتم التخلص منه داخل هذا الأخير واسطة عملية استئصال مبرمجة. (م).

[4]  يحتوي كل تسلسل الجينات على أجزاء مرمِّزَة، هي الإكسونات، تتخللها أجزاء طويلة غير مرمِّزة، هي الإنترونات. حسب المعارف الحالية، فإن أقل من 1.5٪ من الجينوم البشري لديه القدرة على تشفير البروتينات بواسطة الحمض النووي الريبي ARN المرسال، في حين كل ما تبقى (حوالي 98.5٪) من الجينوم هو غير مُرَمِّز: فمن بين 3.2 مليار زوج قاعدي من جينومنا، يبدو أن النصف يتكون من تكرار تسلسلات غير ضرورية مشكِّلة للجينوم التابع ADN-pubelle. لا شك في أن هذه التسلسلات المسجَّلة في الحمض النووي البشري، خلال التطور، تلعب دورًا لا زال علماء الوراثة لا يعرفونه.

[5] اقتباس ترجمناه من الأصل الإنجليزي.

[6] حصل فرانسوا جاكوب وجاك مونو Jacques Monod وأندريه لوف André Lwoff على جائزة نوبل في علم وظائف الأعضاء في الطب عام 1965 عن عملهم في ظواهر نسخ الحمض النووي (ADN) وترجمته، خاصةً عن دور الحمض النووي الريبي (ARN) المرسال الذي من خلاله تنفذ الجينات برامجها في الخلايا.

[7] بطبيعة الحال، لا يتحدث علماء الأنثروبولوجيا الحيوية بصوت واحد في النقاشات حول المكانة التي تحتلها الجينات في تشكيل الإنسان. هناك كتابان حديثان (Lewontin: 2000: Ehrlich: 2000) يعبران عن الخط الجدلي أفضل بكثير مما يمكنني أن أقوم به في هذه المقالة.

[8] الترجمة العربية للكتاب: إرنست ماير، هذا هو علم البيولوجيا. دراسة في ماهية الحياة والأحياء، ترجمة: د. عفيفي محمود عفيفي، الكويت، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، سلسلة عالم المعرفة، ع. 277، يناير 2002. (م).

[9] يتوافق النمط النووي cariotype مع تمثيل الصبغيات في نواة الخلية التي تظهر تحت المجهر أو الصورة المجهرية. مثل هذا الإجراء يجعل من الممكن تسليط الضوء على تشوهات الكروموسومات، أو تحديد خصائص معينة للفرد، كالجنس الوراثي من الكروموسومات الجنسية. (م).

[10] يترأس سلوتردايك قسم الفلسفة وعلم الجمال منذ عام 1992 في مدرسة الديزاين Hochschule für  Gestaltung بمدينة كارلسوو الألمانية. اشتهر بنشره في عام 1983 بعنوان نقد العقل الكلبي Critique of Cynical Reason ، وهو كتاب مخصص لدراسة فكر نيتشه. نصوص سلوتردايك الثلاثة المناقشة هنا هي: قواعد للحديقة البشرية (2000 أ)، تدجين الكائن (2000 ب) ولا الشمس ولا الموت (2003).

[11] ولد يورغن هابرماس عام 1929، وهو وريث فكر مدرسة فرانكفورت ومساعد سابق لتيودور أدورنو Theodor Adorno، درَّسَ الفلسفة في هايدلبرغ بفرانكفورت وفي نيويورك، وتقلد منصب مدير معهد ماكس بلانك Max-Planck الذي يجمع أكبر الباحثين في ألمانيا. تصدر منذ عقود طليعة الحياة الفكرية الألمانية. لم يتوقف بعد مأساة النازية عن المناداة بضرورة إعادة بناء حياة العقل المشتركة، في تنفيذ أخلاقيات النقاش. 1929، ولا شك في أنه الفيلسوف الألماني الأكثر شهرة وأهمية اليوم.

[12] أظهرت الرسالة التي بعث بها الفيلسوف هابرماس إلى الصحافي أسْهُوير، في هذا الشأن، والتي خرجت للعلن، أنَّ هابرماس قد طلب بطريقة مباشرة تدخل صحفي شعبي من مجلة تسايت Zeit.

[13] في الأسبوعين التاليين للمقالات الصادرة في مجلة Die Zeit، تم تنزيل نص محاضرة (قواعد للحديقة البشرية) 60000 مرة من شبكة الأنترنت.

[14] في هذه الـ «رسالة عن النزعة الإنسانية» التي نشرها هيدغر في أعقاب الحرب، يتطرق لمسألة النهاية المحتملة للنزعة الإنسانية الحديثة، التي تقوضها قوة السلاح، والبيروقراطيات المنتصرة في إدارة الموت ذاته، وبشكل أعم من خلال تطوير التقنيات الجاري في المصانع، في البحوث وغيرها. أفضل ترجمة فرنسية لهذه الرسالة (1946) هي الترجمة الفرنسية الصادرة سنة 1966.

[15] دولي Dolly: نعجة مشهورة جدا لكونها أول حيوان ثديي تمَّ استنساخه انطلاقا من نواة خليلة جسدية. وقد قام بهذا الاستنساخ فريق كيث كامبل وإيان ويلموت من مقاولة متخصصة في الهندسة الوراثية بالتعاون مع معهد روزلين في إدنبرة، باسكتلندا. ولدت دولي يوم 5 يوليوز 1996، وتوفيت عام 2004 (م).

[16] حول النظرية النقدية التي يعتبر هابرماس أشهر ممثل لها، كتب سلوتراديك في كتابه لا الشمس ولا الموت: «من مدرسة فرانكفورت الشهيرة التي كانت أيضا مدرستي ونظامي المرجعي الرئيسي، منذ أن كان أدورنو على قيد الحياة إلى نقد العقل الكلبي Critique de la raison cynique، لم يبق سوى زمرة واحدة تهدف إلى ممارسة القوة على العقليات، وبعض الأدباء الجامعيين» (2003: 72). يرى سلوتردايك أن هابرماس هو القسّ الأكبر الذي حكم الحياة الفكرية الألمانية لأكثر من 30 عامًا، وفرض وجهات نظره الشخصية مع رفض النقاش.

[17] أفضل العوالم Brave New World هي رواية أصدرها، في عام 1932، الكاتب الروائي والفيلسوف البريطاني المشهور (1894-1963م) ألدو هوكسلي Aldous Leonard Huxley يستبق فيها «الديستوبيا» أو العالم المرير، استوحاها من الانجرافات الطبية التي رسمها عصره، وعبر من خلال الرواية عن قلقه من إمكانية أن تصبح تلك الانجرافات حقيقة واقعية. هكذا، ففي هذه الرواية، لم يعد الأطفال يولدون بطريقة طبيعية، بل يُصممون في أنابيب، ويتلقون خصائص جسدية وفكرية تنقل وراثيا وفقا للطبقة المقرر أن ينتموا إليها. بذلك، في الطبقة العليا، نجد فئة ألفا وبيتا، وهي النخبة السائدة، يصمم أفرادها ليكونوا وسيمين وطويلي القامة وأذكياء. وفي الطبقات الدنيا، نجد جاما التي تشكل الطبقة الشعبية. وأخيرا، نجد طبقتي دلتا وإيبلسون، ويربى أطفالها ليصبحوا قبيحي الهيأة، مسخرين للقيام بأدنى المهام وأبسطها في المجتمع، ولأجل ذلك، تتعرض بويضات أفراد هذه الطبقات للبرد وتوقيف نموها وحقنها بجرعة من الكحول قبل أن تكون قادرة على مواصلة نموها… يتطرق الكتاب أيضًا لمكافحة الشيخوخة والأمراض، بحيث تصبح مستويات المغنيسيوم والكالسيوم لدى كبار السن كما كانت يوم كانوا في سن الثلاثين، ويتلقى هؤلاء الكهول العديد من الحقن لمحاربة الشيخوخة، كنقل دم الشباب. أخيرًا، هناك ما يسمى “المتوحشين”، وهم أفراد قرروا محاربة هذه التحسينات وطريقة الحياة هذه. وبذلك، فهم يعيشون في محميات بعيدة عن الحضارة، ويتوالدون بطريقة طبيعية، ويتم إبعادهم عن تكنولوجيا عصرهم. المترجم، عن:

Littérature et transhumanisme:

https://unmondesanshumain.wordpress.com/litterature-et-transhumanisme/

[18] نظمه في عام 1975 بول بيرج  Paul Berg (حائز على جائزة نوبل في الكيمياء عام 1980)، ودعا إلى وقف التلاعب الجيني لمنع انتشار البكتيريا المعدلة وراثيا في البيئة. (م).

[19] تشير نتائج دراسات الوراثة السكانية إلى أن الجنس البشري قد انخفض قبل 60000 أو 50000 عام إلى بضع عشرات آلاف من الأفراد؛ يمكن تفسير التنوع البسيط داخل الجينوم بكون البشر هم أحفاد عدد محدود من الأجداد (Coppens and Picq: 2001).

[20] حدث آخر انقراض كبير للأنواع الحية قبل حوالي 60 مليون سنة، مع اختفاء الديناصورات وجزء كبير من الأنواع البحرية. ولا يعرف العلماء سبب تلك الكارثة الفعلي: أهو نيزك غيّر ظروف الحياة على الأرض بشكل مفاجئ أم حربٌ بين الأنواع أم إعادة توجيه التطور أم شيء آخر؟ سيبقى السؤال مطروحا لفترة طويلة دون إجابة محددة.

السابق
نيكولا لودِفيديك: من النزعة الإنسانية إلى ما بعد الإنسانية تحولات فكرة قابلية تحسين الإنسان
التالي
إيف ميشو: أي إنسانيات لما بعد الإنسان؟