ما بعد الإنسانية

نيكولا لودِفيديك: من النزعة الإنسانية إلى ما بعد الإنسانية تحولات فكرة قابلية تحسين الإنسان

يعتبر البشر أنفسهم كائنات قابلة للتحسين، وهذه القابلية تندرج لدى الأنوار في مشروع سياسي يهدف إلى انتزاع البشر من الخضوع لإرادة العالم السابق لهم. أما اليوم، فقد أخذت فكرة قابلية التحسين صبغة بيولوجية بحيثُ فقدت كل معنى سياسي، ومن ثمة فالتاريخ الحديث لهذه الفكرة هو تاريخ تجريدها من السياسة. وأكبر الخاسرين في هذا التاريخ هما بالطبع ديمقراطيتنا، وبالتالي قابلية تحسيننا نفسها. ألا يرتبط وجود إنسان قابل للتحسين بفكرة قابلية تحسين الديمقراطية؟

«ظل الإنسان خلال آلاف السّنين على ما كان عليه عند أرسطو؛ حيواناً حيّاً قادراً على الوجود السّياسيّ. أمّا الإنسان الحديث، فهو حيوان أضحت سياسة حياته بوصفه كائناً حيّاً موضعَ سؤال».. (فوكو)

من آفاق الاستنساخ إلى طب مكافحة الشيخوخة، جعل تقدمّ التقنية والعلوم المعاصرة فكرة الفيلسوف مارك هونيادي احتمالا معقولا جدا:

«الفكرة التي لم تُسمع لحد الآن: فكرة مرونة الإنسان الكاملة التي لا حدود لها سوى حدود الفيزياء والبيولوجيا نفسيهما» (Hunyadi: 2004, 24).

تحملُ الهندسة الوراثية، والصيدلة، والتكنوبيولوجيا، وتكنولوجيا النانو، والعلوم التقنية، اليومَ الوعود نفسها، وعود تحرير الإنسان من كل حتمية طبيعية، كما يشهد على ذلك جيدا استخدام كلمة «ما بعد الإنسان» إشارة إلى هذا الكائن الأكثر من إنسان، «الذي نقحته التقنية وصححته»[1]، واقتلعته من كل جذوره البيولوجية» (Robitaille: 2007)، ما يعني أنَّ شعار مجتمعاتنا الغربية، وهو تجاوز الذات، (Queval: 2004)، ربما يخفي الآن شيئا آخر.

إن فكرة ليونة الإنسان، وليونة كائن هو ما يفعل بنفسه وليس أي شيء آخر غير هذا، ليست بالفكرة الجديدة تماما. فقد عبر فلاسفة التنوير عنها عندما رأوا أنَّ الكائن البشري لا يتحدد بأي جوهر ثابت. وباعتبار مفهوم قابلية التحسين قيمة مؤسِّسة للنزعة الإنسانية الحديثة وموجودا في قلب فتوحات مجتمعاتنا الغربية الديمقراطية والعلمية والتقنية الكبرى، فهو يفترضُ أن الكائن البشري لا يحقق إنسانيته إلا باجثتات نفسه من الطبيعة (Legros: 1990). لكن، رغم أن المتخيل المعاصر يبدو شديد الارتباط بهذا التمثل الإنسي لقابلية التحسين فهناك مسافة كبيرة تفصل بين الاثنين.

بتتبع نشأة فكرة قابلية التحسين وتطورها، من النهضة إلى القرن XIXم، مرورا بقرن الأنوار (أو التنوير) الذي رأت النور فيه، سيحاول المقال الحالي إظهار أنَّ المتخيل المعاصر على الرغم من أنه وريث عقلانية التنوير، فهو ينطلق من تشويه كبير لفكرة قابلية التحسين من خلال حجبه لكل بعدها الاجتماعي والسياسي. وباقتصار هذه الفكرة، وهي قضية اليوم، على جانبها التقني، فهي أقرب إلى إكساب الكائن البشري قدرة على التكيف منها إلى تحرره. أيضا، بعيدا عن اقتلاع الإنسان من كل تطبيع، فنموذج قابلية التحسين الذي يُروَّجُ له اليوم ويركِّزُ على تحسين الحياة والأداء، ينطلقُ من اعتبار الثقافة شأنا بيولوجيا خالصا، وبذلك فهو يقلب كليا معناه الإنسي (Cetina: 2004).

جذور متخيل قابلية التحسين

مع أن فكرة قابلية تحسين الإنسان متجذرة في الغرب، فهي ناتجة عن ظهور الحداثة، وبذلك يمكن اعتبارها ابتكارا حديثا. وبوصف هذه القابلية قدرة مميزة للكائن البشري تكاد تكون غير محدودة، على حد تعبير جان جاك روسو الذي يرجع إليه فضل ابتكار هذا الاصطلاح في عام 1755م، فهي ترفض كل فكرة تقول بوجود طبيعة أو جوهر ثابت يمكن تحديد الكائن البشري وتعريفه به بها بكيفية نهائية. بموجب هذا الإيمان الأساسي باستقلال الكائن البشري في «لا تحديده» الأساسي، فالإنسان وحده يملك القدرة على اختيار مصيره، «بدلا من حال الحيوان الذي يبقى مدى حياته على ما كان عليه عندما بلغ بضعة أشهر من سنه، ومن حال جنسه فى نهاية ألف عام ما كان عليه في السنة الأولى منها». (Rousseau: 1992, 183).

بموجب هذا التعريف، يتجاهل الغرب ما قبل الحديث فكرة قابلية التحسين لأنها لا تعارض فقط «الرؤية المسيحية للإنسان المطرود من الجنة، والعاجز عن تحقيق خلاصه بقدراته الخاصة، والمعتمد كليا على الغفران الإلهي» (Pons: 1988)، بل الأهم من ذلك أنها تمثل قطيعة مع مثال idéal قابلية التحسين الذي يهتدي به الغرب منذ العصر اليوناني القديم[2]. مثالٌ مرتبط ارتباطا وثيقا بتمثل العالم باعتباره كونا، مغلقا، محدَّدا، لا يُفكَّرُ في الإنسان بداخله في تعارض مع العالم أو مع الطبيعة، ولكن باعتباره جزءا لا يتجزأ من هذا العالم. الإنسانُ هو صورة مصغرة للكون (نموذج مصغر منه)[3]، له مكانة ووظيفة محدَّدتان لا يمكنه أن يحيد عنهما. في مثل هذا الكون، حيث تحظى الحياة التأملية بالأسبقية و«يفضل الحدّ على اللامحدود» و«تغلب الغاية الطبيعية الإرادة الإنسانية» (Queval: 2004, 15)، يكون الأمثل بالتأكيد هو الكمال الذي عرفه أرسطو بأنه «وصول كل كائن إلى التحقق بالفعل، حسب طبيعته الخاصة. كمالٌ يستطيع الفرد، أي الكائن بالقوة، أن يدنو منه دون أن يقوى على الذهاب إلى أبعد من ذلك» (Pons: 1988, 28).

من هذه الوجهة للنظر، تدشن النهضة منعطفا كبيرا، إذ أصبح الشرط الإنساني يحظى بمكانة، وتحتفي به العديد من الكتابات أكثرها شهرة «مقال حول كرامة الإنسان« لبيك دُ لاميراندول[4] الذي يعتبر «إنجيلا حقيقيا حول الوضع البشري»، على حد تعبير جورج غوسدورف G. Gusdorf (1967). يعيد هذا المقال، وبقوةٍ، إثبات أسطورة إيميثيوس[5] التي جعلت من الإنسان هذا الكائن المنسي في توزيع الصفات الطبيعية الجميلة، ولكنه يملك في المقابل جوهرا إلهيَّ القدرة على خلق نفسه بنفسه:

«إذا كنا لم نجعلك سماويا ولا أرضيا، ولم نجعلك فانيا ولا خالدا، فذلك لكي تعطي لنفسك – من خلال امتلاكك للقدرة الـتحكيمية والفخرية على أن تسكب نفسك بنفسك في القالب الذي تريد وتمنح نفسك بنفسك الشكل الذي تريد – الشكل المفضل لديك» (Pic de la Mirandole: 1993, 9).

غير أن عصر النهضة أكثر تنوعا مما يبدو في الظاهر.

وبالفعل، يواصلُ المثل الأعلى التأملي لقابلية التحسين عملَه هناك. لأن الإنسان يلخص العالمَ بشكل مصغر، فهو ليس إنسانا إلا بوساطة من العالم وداخل ما يُعرِّفُ أيضا «حكمة العالم» (Rémi Brague: 1999). في هذا الصدد، أظهر ميشال فوكو جيدا في كتابه «الكلمات والأشياء» إلى أي حد لعب مبدأ «الكون الصغير» دورا أساسا في إبستيمة الغرب في القرنين XV وXVIم (1990, 32-59). في هذا العلم للكونيات، حيثُ يتجاوبُ الإنسان والعالم، أو الكون الصغير والكون الكبير، بشكل متبادل، وحيثُ «الكل في الكل»، على حد قول نيكولاس دي كي Nicolas de Cues، كانت قابلية تحسين الإنسان لا تزال جنينية تُفهم بعبارات أخلاقية في المقام الأول. هذا أيضا هو المعنى الأول لكلمة «النزعة الإنسانية» إذ تشير إلى الثقافة وتعليم «الإنسانيات»، أي الآداب التي تجعل الإنسان أكثر إنسانية.

يجب انتظار ثورة القرن XVIIم العلمية لتكسير هذا الرابط الكوني ووضع أسس الإيمان الحديث بقابلية تحسين الإنسان. كوبرنيك Copernic، وغاليلي Galilée، وديكارت Descartes، ونيوتن Newton؛ من المعروف، كما أظهر ذلك ألكسندر كويري جيدا في كتابه الكلاسيكي من العالم المغلق إلى الكون اللانهائي، أن الثورة العلمية أدت إلى ازدواجية حقيقية للرؤية الكونية، فقضت بذلك على «كل الاعتبارات القائمة على مفاهيم القيمة، والكمال، والتناغم، والمعنى أو الغاية، وأدت أخيرا إلى الحط من قيمة الكائن كليا، وإلى الطلاق التام بين عالم القيم وعالم الوقائع» (Koyré: 1973, 12). وداخل هذا الطلاق بين الإنسان والعالم، ظهرت تدريجيا صورة الذات القابلة للتحسين لتنضج كليا في عصر التنوير.

التنوير وقابلية التحسين

أيا كانت الطريقة التي ننظر بها إلى مفهوم قابلية التحسين، فهو يحيل في القرن XVIIIم إلى مشكلة أكثر مما يحيل إلى يقين. فهو، كما صاغه روسو في مقالته حول «أصل التفاوت بين الناس»، ليس مرادفا تماما لـ «التحسين» أو «التقدم». مبتهجا بقدر ما هو غير مغبط، فهو جزء لا يتجزأ «من تفكير مؤلم حول قدرات الإنسان، ودعاماتها، وعتباتها وحدودها، التي هي أيضا إسرافاتها وأخطاؤها» (Lotterie: 1998, p. 384). يرى روسو أن قابلية تحسين الإنسان قد تكون سبب شقائه، ويضيف:

«سيكون محزنا لنا أن نضطر للاعتراف بأن هذه القدرة التمييزية اللامحدودة تقريبا هي مصدر جميع مآسي الإنسان؛ فهي التي أخرجته، بقوة الزمن، من الحالة الأصلية التي كانت تنسابُ فيها الأيام هادئة وبريئة؛ وهي التي جعلت أنواره وأخطاءَه، ورذائله وفضائله، تنطفئ بتوالي القرون، وجعلته في نهاية المطاف طاغية على نفسه وعلى الطبيعة (Rousseau: 1992, 184).

ومع ذلك لا ينبغي إساءة فهم هذا الرثاء. في ألف مكان من أسطورة المتوحش الطيب التي كثيرا ما تُنسب ظلما إلى روسو، يتضح أنه لم يقصد بها أبدا أنَّ المخرج الوحيد للإنسان هو العودة إلى حالة الطبيعة أو أنَّه افترض ذلك. على العكس، هو يرى أنَّ العلاج يكمنُ في الشر (Starobinski: 1989) وفي «المضي بالتطور بعيدا إلى الأمام رغم أنه جعلنا بؤساء»، وذلك بغاية «أن نكتشف في شكل جديد (سياسي، أخلاقي) الكمال الأول (الطبيعي، الحيواني) الذي كسَّره دخول الشر» (Starobinski cité par Taguieff: 2004, 169). بعد المرور من ملاحظة التدهور والفساد، أفضت قابلية التحسين إلى العقد الاجتماعي.

في ضوء روسو، يعبر فكر التنوير عن قابلية التحسين منذ البداية باعتبارها مشروعا اجتماعيا وسياسيا. يمكن فهمُ كل نضال التنويريين بأنه صراع شرس ضد النظام الديني، والوصاية الاجتماعية، والـخضوع الاجتماعي. فقد كتب كانط في جوابه الشهير عن سؤال ما هو التنوير؟: «كن شجاعا واستخدم عقلك بنفسك. هذا هو شعار التنوير». وكانت فكرة قابلية التحسين هي التعبير النظري عن ذلك الصراع، لأنها تسمح بتحدي النظام الاجتماعي القديم الذي كان يُشرعنُ نفسه كما هو، ويجعل نفسه غير قابل للنقاش، من خلال اللجوء إلى الله أو الطبيعة. ما فائدة التشكيك في النظام الاجتماعي إذا كان ناتجا عن إرادة الله أو تابعا في جوهره لقوانين طبيعية غير ملموسة؟ ومن خلال اعتبار الإنسان كائنا قابلا للتحسين، واعتباره ليس سوى ما يفعل بنفسه، وغير مدين بأي شيء للطبيعة ولا لأي مبدإ متعالٍ، وجد التنوير نفسه مضطرا لتقويض أسس النظام القديم، عبرَ الرفض الشديد لـذلك «الاعتقاد العنيد الذي يرى أنَّه لا مفر من عدم المساواة والفقر، وأنهما يعكسان الحالة الطبيعية للمجتمعات البشرية» (Venn: 2006, 479).

باعتبار قابلية التحسين سعيا لتحقيق العدالة والمساواة والتحرر الاجتماعيين، فهي تحيلُ عند التنويريين بوضوح إلى تحسين الإنسان في المجتمع وداخله باستخدام وسائل اجتماعية وجماعية. في هذا الصدد، نعرفُ المكانة المركزية التي يحتلها في فكرهم كل من التعليم والتربية الثورية، على وجه التحديد. والمساواة داخل الدول وبين الدول، والمساواة بين الرجل والمرأة، وإلغاء العبودية هي أيضا مطالبٌ رفعها كوندورسيه Condorcet في كتابه تخطيط [6]Esquisse، في سبيل إقامة مجتمع مستقل تماما. لأن هذا هو المبدأ الأساس للمثل الديمقراطية، وهو، كما أسماه الفيلسوف كاستورياديس Castoriadis، مبدأ التأسيس الذاتي التفكيري النقدي للمجتمع الذي ينادي به التنوير ويدافع عنه بقوة[7]. يتيح لنا مفهوم قابلية التحسين فهمَ المجتمع باعتباره خلقا، وعملا إنسانيا خالصا. وهذا هو المعنى الأساسي والأول لفكرة قابلية التحسين التي ستفضي إلى الثورة وإعلان حقوق الإنسان والمواطن.

في خط الثورة العلمية المباشر، يمكن العثور على معنى آخر منافس لفكرة قابلية التحسين، يحيل إلى قدرة الإنسان، بفضل تقدم العلم والتكنولوجيا، على أن يجعل من نفسه «سيدا للطبيعة وأستاذا لها»، على حد تعبير ديكارت. هذا التحكم في الطبيعة يعني في الأساس التحكم في الطبيعة الخارجية عن الإنسان، أي في بيئته. ومع ذلك، فالمتخيل العلمي التقني، والمتخيل الجديد للطب الحديث – الذي أقام قطيعة مع نموذجه الأبقراطي والكوني الذي كان يرى وجوبَ مجاراة الطبيعة قبل كل شيء – يُغذيان أيضا الأمل في تحسين الإنسان بما هو إنسان. لأن اقتلاع الإنسان من الطبيعة يعني أيضا اجثثاته من جسده. من بيكون إلى ديكارت، ومن ميرتي Mettrie إلى دالمبير D’Alembert، نُظرَ إلى الجسد باعتباره «ممتلكا» أكثر منه «كائنا»، بعبارة أخرى اعتُبرَ بمثابة آلة خاضعة لقوانين الميكانيكا وقابلة للتعديل والتحسين (Le Breton: 2005).

إذا كان هذا الوجه التقني العلمي لقابلية التحسين يجد تعبيره الأول في كتابات فرنسيس بيكون، وخاصة في مدينته الفاضلة أطلانطا الجديدة، وهو عمل غير مكتمل نُشر في عام 1627م بعد مرور عام على وفاة بيكون[8]، فكوندورسيه هو الذي سيضع التعبير الأكثر نجاحا لهذه القابلية للتحسين في كتابه «مخطط تمهيدي لجدول تاريخي بمراحل تقدم العقل البشري». يعبر كوندورسيه صراحة عن أمنيته في تحسين الإنسان بواسطة العلم والتقنية، وذلك في الفصل العاشر (من كتابه «تخطيط») بعنوان مقطع حول أنطلانطا، في إشارة صريحة إلى بيكون، دون أن يُسرفَ في الثناء عليه. ومدار الأمر في نهاية المطاف هو دحر الموت، إذ يمكن أن نتوقع الآن، على حد تعبير كوندوسيه، أن يأتي «وقتٌ لن يكون الموت فيه سوى أثر، أو حادث غير عادي، أو تدمير متباطئ للقوى الحيوية»، وقت «لن يكون فيه لمعدل المدة الفاصلة بين الولادة والموت أي نهاية قابلة للتحديد» (Condorcet: 1988, 294).

كانت الأوبئة الرئيسية لازالت مستعرة في ذلك العصر، بالتالي، من الواضح أننا لا زلنا أبعد ما يكون عن وعوده الطوباوية، هذه الوعود التي تظل مرتبطة إلى حد كبير بالضرورة الاجتماعية المحدَّدة أعلاه. ومع ذلك، على ضوء المتخيل العلمي، أخذت قابلية التحسين عند كوندورسيه بالفعل معنى خاصا جدا. بما أنَّ هذه القابلية ليست محدَّدة وليست غير محدودة[9]، فإنها أصبحت ابتداء من تلك اللحظة مرادفا للتحسين لا أقل ولا أكثر. والغرض من كتاب الـ «المخطط التمهيدي» هو إظهار:

«أنَّه لم يتم وضع أي حد لقابلية تحسين القدرات البشرية؛ أنَّ قابلية التحسين هي فعليا لا محدودة؛ وأنَّ تنميتها من الآن فصاعدا مستقلة عن كل من قد يرغب في توقيفها، وأنَّ لا نهاية لها إلا بنهاية العالم الذي رمتنا فيه الطبيعة». (Condorcet: 1988, 80-81).

من خلال إفراغ مفهوم قابلية التحسين من شحنته النقدية، وبالتالي من ميراث بكامله، إذ أحلَّ بريس Price وبرييستلي Priestley وتورغو Turgot أنفسهم محل روسو (Cf. Binoche: 2004)، ستتصدر قابلية التحسين اللامحدودة عند كوندورسيه عبادة التقدم في القرن الموالي في العديد من النواحي.

عبادة التقدم

لم يوظف فكر التنوير إيديولوجيا التقدم. في هذا الصدد، يُذكر دومينيك لوكور أنَّ الكلمة «تبدو (…) غير معروفة تقريبا من لدن فلاسفة القرن XVIIIم، بحيث لم تخصص لها موسوعة ديدرو ودالمبير عشرة أسطر» (Lecourt, 2004, p. 902). ومعناه أنَّ التقدم مثل انقطاعا كبيرا في فكرة قابلية التحسين. وبما أن قابلية التحسين يمكن أن توضح أيضا «الأنوار والأخطاء، رذائل الإنسان وأخطائه» (ولنتذكّر هنا كلمات روسو)، فهي تحمل معنى مزدوجا. وكما يقول لوتيري، فهي تشير إلى القدرة على التحسُّن والتدهور على السواء (Lotterie: 2006, XXI)، لأنها في الأساس غير تابعة لقوانين الطبيعة اللازمة. بعبارة أخرى، لا شيء يضمن الكمال الحقيقي للإنسان والمجتمع. تنتمي قابلية التحسين إلى الأمل، وليس إلى ضرورة طبيعية، وهو ما تناقضه عبادةُ الطبيعة على وجه التحديد.

من خلال تعريف أوغيست كونتAuguste Comte ، في فلسفته الوضعية، عام 1838، لإيديولوجيا التقدم بأنها «تنمية مستمرة، مع ميل حتمي ودائم نحو هدف مُحدد»، يتضح أن هذه الإيديولوجيا متماسكة تماما مع تصور بيولوجي للمجتمع والتاريخ. يرى بيير أندريه تارغيف André Targuieff أن نموذج المسار العام للتطور قد استقر في النصف الثاني للقرن XIXم بعد صدور كتاب أصل الأنواع لداروين، مما ساعد على تطبيع التاريخ من خلال إدماجه في ذلك المسار (Taguieff, 2004, 194). وبهذه البَيْلَجَة biologisation للتاريخ، تقوَّض كل الأفق السياسي والتاريخي الذي كانت تدعمه فكرة قابلية التحسين لصالح رؤية تطورية وضرورية للتغيير التاريخي. من هذه الوجهة للنظر، كما تقول فلورنس لوتري عن حق، يحيل التقدم «ليس فقط إلى منسيات روسو، ولكن أيضا إلى كل القرن XVIIIم، بما في ذلك الثورة». (Lotterie: 2006, XXXII).

وإذا كان الهدف من التقدم يبقى هو المجتمع، أي تحسين الأحوال الاجتماعية للناس، فالوسائل الاجتماعية والسياسية لتحقيق هذا التطور المجتمعي ستنخفض إلى حد كبير لصالح تقديس حقيقي للعلم في القرن XIXم، يؤكد كريستيان ميكيل وجاي مينارد قائلين:

«لم يعد يُتغنَّى بالعلم والتقنية ويُحتفى بهما باعتبارهما واعدين بـ “مستقبل مشع”، بل أصبحا أكثر من ذلك موضوع تعبئة اجتماعية حولتهما إلى قيمة في حد ذاتهما، ووضعتهما أيضا، وأكثر من ذلك، في جوهر عبادة جديدة» (C. Miquel et G. Ménard: 1988, 228).

في مثل هذه الظروف، يعتمد التحسين الاجتماعي على العمل الاجتماعي والسياسي بدرجة أقل مما يعتمد على الترشيد العلمي والأداتي. هناك معادلة بسيطة ومضللة تُطرح الآن: التقدم العلمي والتقني هما بالضرورة مصدران للتقدم الاجتماعي والأخلاقي.

هذه العقلنة وهذا التطبيع لقابلية التحسين المكونان للتقدم يحملان تحولاتٍ اجتماعية تاريخية كبرى. فالقرن XIXم هو القرن الذي استخلص منه ميشال فوكو، انطلاقا من مفهوم السلطة البيولوجية، نسق «تفكير البيولوجي في نفسه داخل الشأن السياسي» (Foucault: 2005, 187). كان الشعب (أو الإرادة الشعبية السيادية) يُحدَّدُ إلى ذلك الحين بمصطلحات قانونية، فتم إعادة تعريفه بمصطلحات بيولوجية، وتشييئه في السكان، بحيث أصبحت تُعطى الأولوية لأفكار الجسد الاجتماعي، ولكل شيء عضوي يمكن التحكم فيه عقلانيا (ibid., 180). وعلاوة على تخصصات الجسد التشريحية-السياسية التي تشكل أهمية التربية البدنية في القرن XIXم مثالا جيدا عنها (Lotterie: 2004)، فرضت السلطة السياسية نفسها بنهج سياسة بيولوجية حقيقية، تتميز بـ:

»إدارة عمليات الوجود الإنساني الحيوية، كحجم السكان ونوعيتهم، والنشاط الجنسي والتكاثر، والصحة، والمرض، والولادة، والموت» (Rose: 2007).

من الوقاية الصحية إلى تحسين النسل، وهو اصطلاح ابتكره فرانسيس غالتون Francis Galton في عام 1883م مؤسسًا به «البرنامج البيوسياسي لتحسين الإنسانية والجسم الاجتماعي باستعمال الانتقاء» (Taguieff: 2004, 243)، تشكل إرادة الدولة في تحسين جودة السكان البيولوجية أحد أبعاد القرن XIXم الأساسية. وبالتطبيق السلبي لتحسين النسل في العديد من البلدان أوائل القرن XXم، من الولايات المتحدة إلى سويسرا، آل الأمر بالنظام النازي إلى تكريس مأساوي للنموذج البيوسياسي الحديث من خلال ارتكاب إبادة جماعية باسم هذا التحسين وعبادة العرق المتفوق والإنسان الجديد.

المنعطف السيبراني:

على أنقاض الشمولية، تشهد فكرة قابلية التحسين إعادة تعريف عميق منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، بحيث ابتعدت عن عبادة التقدم كما كان عليه الأمر في القرن XIXم، وابتعدت أكثر من ذلك عن معناها الإنسي. ويعتبر هذا المفهوم الجديد لقابلية التحسين نتيجة مباشرة للصدمة التي أحدثتها المحرقة وما نتج عنها من فقدان لمصداقية المتخيل الاجتماعي والسياسي. ذلك هو السياق الذي ولد فيه الإبدال السيبراني. ولفهم الخلفيات العميقة للمتخيل الجديد الذي تقوم عليه فكرة قابلية التحسين المعاصرة[10]، من الضروري الحديث عن كلمتي الأنثروبيا والمعلومة.

في النموذج السيبراني الذي صاغه نوربرت وينر، تمَّ اعتبار النقص السابق يدخل ضمن الأنتروبيا[11]، وبذلك لم يعد يرتبط بالتبعية الاجتماعية والوصاية الدينية اللتين كانت النزعة الإنسانية تقول بإمكان إيجاد حلول اجتماعية وسياسية لهما(Wiener: 1954) . ترى السيبرانية أنَّ النقص ينتمي إلى قانون ثابت يسيطر على الكون بأسره (هو الأنتروبيا)، ولذلك وضعت هذا النقصَ خارج الحقل الاجتماعي. وبما أن الكائن البشري لا اجتماعي، فهو لا يسيطر بتاتا على نفسه، وبالتالي لا يمكن صياغة أي حل سياسي. بعبارة أخرى، ترى السيبرانية أن التحسين التكنولوجي وحده هو الذي يستطيع أن يؤجل بشكل مؤقت التراجع الحاد للإنسان والعالم، ومن ثمة فهي تقصي الأفقَ السياسي والتاريخي للتنوير بطريقة أكثر راديكالية من عبادة التقدم.

تقترن هذه التنحية التامة للذات وللتاريخ بتقديم تعريف جديد للإنسان، يختزل هذا الأخير في مجموعة من المعلومات، وفي برنامج يمكن فك تشفيره وتفكيكه من أجل تعديله وإعادة تشكيله كما يتم مع الآلة. وبما أن النموذج السيبراني يعطي مكانة مركزية للمعلومة، فهو يلغي كل الحدود البيوليوجية والذاتية وسائر الحواجز بين الحي وغيره، وبين الإنسان والآلة:

«طبيعة الحوامل المادية وحدها هي التي تختلف. من هذا المنظور، يمكننا أن نتصور اختفاء هذه الحوامل أو تعديلها جذريا دون أن يؤدي ذلك إلى حدوث تغييرات في هويتها» (Daniela Cerqui: 2003, 130).

يشكل هذا التعامل الاختزالي للإنسان إلى آلةٍ قالبَ المتخيل ما بعد الإنساني، على نحو ما أظهرت ذلك جيدا كاثرين هيلز:

«في حركة ما بعد الإنسان، ليس هناك فروق جوهرية أو حدود مطلقة بين الوجود الجسدي والمحاكاة الحاسوبية، بين الجهاز السيبراني والكائن الحي البيولوجي، بين غاية الإنسان الآلي والطموحات البشرية» (Hayles: 1999, 2).

بتنحية الأفق التاريخي – السياسي، وإعادة تعريف الإنسان معلوماتيا، بحيث لم يعد يختلف في شيء عن الآلة، لم تعد المسألة في النموذج السيبراني مسألة تحرر اجتماعي، بل أصبحت قضية إنكار شديد لقابلية التحسين كما تصورتها النزعة الإنسانية ولـمُثُلِها مجسدة في الاستقلالية السياسية ولقابلية الكائن البشري للتكيف التقني العلمي. وبذلك، بعد أن تمَّ تنحية قابيلة التحسين من الحقلين الاجتماعي والسياسي، انقلبت القابلية نفسها إلى نقيضها تمامًا، وزجت بالكائن البشري في نزعة تطورية جديدة أكثر راديكالية بكثير من التطور الدارويني، بما أنَّه:

«على عكس النظرية التطورية الداروينية، لا تقتصر النزعة التطورية المعلوماتية على عالم الطبيعة. فالآلات والبشر مدعوان معا للمشاركة في سلسلة التطور» (Lafontaine: 2004, 219).

في هذا السباق المحموم نحو التعقيد complexité، يبقى منطق التفوق الوحيد الذي يملكه الكائن البشري هو أن يتكيف مع بيئته من خلال إدخال تغييرات على نفسه. في هذا الصدد، يقول نوربرت وينر: «لقد غيرنا بيئتنا بشدة، ويجب علينا أن نغير أنفسنا» (Wiener: 1954, 56).

على الرغم من أن هذه الافتراضات السيبرانية تبدو تجريدية، فقد تغلغلت بعمق في ثقافتنا الغربية (Lafontaine: 2004). فمن البيولوجيا الجزيئية، بمفهوميها: الكود أو البرنامج الوراثي إلى الهندسةالوراثية، من البيوتكنولوجيا إلى تكنولوجيا النانو، لم يكن بالإمكان تحقيق أي من التكنولوجيات المعاصرة الجديدة بدون النموذج السيبراني. ومعنى هذا أنَّ النموذج السيبراني قد فتح الطريق أمام استعمال الكائن البشري استعمالا أداتيا غير متكافئ، جاعلا من الجسد البشري والحياة في حد ذاتها إقليمين جديدين لقابلية التحسين..

ظهور قابلية التحسين البيولوجي:

«لا يكمن حل المشكلة الإنسانية في الظروف الاجتماعية أو الخارجية، ولكن في تحول الإنسان نفسه» (Tanguay cité par Robitaille: 2007, 12). هذا هو إرث السيبرانية الذي يشكل اليوم جوهر المتخيل الجديد لقابلية التحسين. بما أن هذا النظام الجديد لقابلية التحسين يتمحور حول الحياة، على حساب النظام الاجتماعي باعتباره نموذجا مثاليا، فهو يندرج كليا فيما تشير إليه عالمة الاجتماع كارين كنور سيتينا بمفهوم «ثقافة الحياة»:

«أظن أننا نعيش نقطة تحول نحو “ثقافة الحياة” بمعنى واسع وشامل، شبيه بالمعنى الذي هيمنت به الأفكار المتمركزة حول الإنسان على تفكيرنا في الماضي. ويتزامن هذا التطور مع التغيرات التاريخية التي تُفرغ بها ثقافة الإنسان والاجتماع القائمة على مُثُل التنوير من جوهرها للدخول إلى عصر ما بعد-اجتماعي (Cetina: 2004, 32).

من تفكيك فكرة الكائن الإنساني نفسها إلى تدهور فكرة المجتمع التي لا يرى فيها البعض الآن سوى «سراب» (White: 2004)، ليست البحوث الداعية اليوم إلى الاحتفال بنهاية الاستثناء الإنساني (Schaeffer: 2007)، ونهاية المجتمع مجرد قصص طريفة، بل على العكس تماما كلها مؤشرات فكرية على تحول في النموذج. في المقابل، فالتركيز على الفرد وعلى ما هو نفسي، واللجوء إلى نظريات الاختيار العقلاني والافتراضات الطبيعية، كالنزعة المعرفية المنحدرة من السيبرانية، أو الافتراضات السوسيوبيولوجية، كل ذلك يجعل العلوم الإنسانية أقرب إلى العلوم الطبيعية من أي وقت مضى، بحيثُ أصبح التمييز بينهما الآن غير ضروري (Knorr Cetina: 2004, 38). كذلك، تساهمُ إعادة تعريف الإنسان بمصطلحات أنثروبوتقنية، أي إعادة تعريف الكائن البشري بتطبيع التقنية إلى حد جعلها المعيار الأنثروبولوجي الأول، بحيث تحل نشأة التقنية محل نشأة الإنسان، تساهم تلك الإعادة للتعريف من الناحية النظرية مساهمة كلية في تآكل المتخيل الاجتماعي حاليا[12].

ليس متخيل قابلية التحسين المتمركز حول الحياة محض فكرة مجردة، فهو متجذر في تحولات اجتماعية وتاريخية ملموسة. وفقًا لعالم الاجتماع نيكولا روز، هناك شكل جديد من البيولوجيا السياسية يميل، منذ منتصف القرن العشرين، إلى فرض نفسه في مجتمعاتنا الغربية بفضل التقدم التكنولوجي العلمي والطبي (Rose: 2007). وبخلاف البيولوجيا السياسية الكلاسيكية، فهذه السياسة للحياة في حد ذاتها، كما يسميها:

«لا تقتصر فقط على قطبي المرض والصحة، كما لا تركز فقط على القضاء على الأمراض لحماية مصير الأمة، بل تهتم أيضا بتنامي قدراتنا على التحكم في الإمكانات الحيوية للكائنات البشرية نفسها باعتبارها كائنات حية، وإدارة تلك القدرات، وتصميمها، وتعديلها وإعادة تشكيلها» (نفسه، ص. 3).

تماشيا مع القيم النيوليبرالية وما بعد الاجتماعية، لم تعد سياسات الحياة نفسها تُحدد بعبارات الساكنة، والنوعية، والإقليم، والأمة أو العرق. بدلاً من تحسين الجودة البيولوجية للسكان، أصبحت المسألة الآن قضية تحسين الحياة في حد ذاتها، على المستوى الفردي. وكما يرى أندري تارغييف، فقد «حلت الموافقة الفردية محل قيود الدولة»، على حد تعبيره (Taguieff: 2007, 237).

تتميز هذه السلطة البيولوجية الجديدة بالانتقال من طب مخصص للشفاء إلى طب يركز على التحسين، وهو ما تشير إليه أديل كلارك وزملاؤها بـ »البيولوجيا التطبيبية» (Clarke et al.: 2003). أحاطت منظمة الصحة العالمية علما بهذا التغيير، فاقترحت في عام 1947 إعادة تعريف موسع للصحة بموجبه أصبحت هذه الأخيرة تعني «حالة من العافية البدنية والعقلية والاجتماعية الكاملة، وليس مجرد غياب مرض أو عجز» (Gori et Del Volgo: 2008, 55). وقد كان هذا التعريف الموسَّع، في أعقاب الحرب العالمية الثانية، توقيعا على اتساع مجال المرض، إذ وفقًا له لم يعد من الضروري أن تظهر على المرء أعراضٌ لكي يُعتَبرَ مريضا أو عرضة للإصابة بمرض. فكل شخص يتمتع بصحة جيدة هو مريض مُحتمل. ومن إعادة تعريف الطبيعي والمرضي، هذه، تنحدر البيولوجيا التطبيبية الشاملة للمجتمع؛ من الخبرة الوقائية والتنبؤية المتزايدة، مدعومة ببلاغة المخاطر، إلى التشويش.

بعبارة أخرى، فالطب أو المجمَّع البيوطبي هو الذي يرث الآن تدريجياً مشروع قابلية التحسين السياسي الحديث. من تشخيص ما قبل الزراعة إلى الطب التجديدي، لا يفلت الشخص في أي عمر من حياته من التحسين التقنو-علمي لدرجة أن الشيخوخة والموت أصبحا، من هذا المنظور، مرضين حقيقيين يجب إيجاد علاج لهما (Lafontaine: 2008). وفي مجتمع غارق في أولوية الصحة الكاملة، يصبح العبء البشري البيولوجي هو ما يجب التحرر منه في نهاية المطاف (Sfez: 1995). يتسع مفهوم «المريض» وتوسِّعُ الجسارة التكنوعلمية مجالَ إمكانياتنا» (Cerqui: 2008, 54) في عالم رمزي، فيصبح جسد الإنسان والإنسان نفسه هما الإعاقة(Sfez: 1995) . بالتالي يقود متخيل قابلية التحسين البيولوجي المعاصر، في جانبه الطوباوي أو المستقبلي، نحو فكرة تجاوز تقني – علمي كامل للإنسان كما يعبر عن ذلك بوضوحٍ المشروعُ الأمريكي NBIC وإيديولوجية «ما بعد الإنسانية» التي تدعمه[13].

وراء مظاهر التحرر والتحرير، من الضروري أن نفهم أن متخيل بيولوجيا قابلية التحسين الناشئ اليوم ليس سوى الوجه الآخر لبَيْلجَة اجتماعية غير مسبوقة (Cetina: 2004)، إذ لا ينفصل نظام قابلية التحسين الجديد عن قناعة أن طبيعة المشاكل الاجتماعية هي بيولوجية وجينية، مما يقلل جذريا من أهمية الإرادة السياسية في تغيير ظروف الحياة الاجتماعية ويركز في المقابل على أهمية الامتثالية والتكيف. وبتقليص النشاط الاجتماعي إلى الحياة الفردية وإدارتها، يُختزلُ هذا النشاط إلى منطق البيولوجيا الاجتماعية غير المسيَّس الذي وصفه بول رابينوف (Rabinow: 1996) أو إلى المنطق البيو-رأسمالي الذي وصفت نظامَهُ كاترين والدبي Catherine Waldby، ولخصته سلين لافونتين فيما يلي:

«هو منطق التحكم البيولوجي، من خلال جهاز بيولوجي طبي واسع متألف من جميع أنواع الخبراء، يُدعى فيه كل فرد إلى إدراة حياته وفقا لعدد متزايد دائما من عوامل الخطر. الحياة في حد ذاتها تصبح ممتلكا يجب إدارته وتنميته وفقًا لإمكاناته الوراثية» (Lafontaine: 2008, 120).

لا يمكن تصور التفاف أكثر جذرية على مُثل قابلية التحسين التنويرية التي كانت تهدف، من خلال متخيل هذه القابلية، إلى عدم تطبيع النظام الاجتماعي والانفتاح على الاستقلال الاجتماعي والسياسي.

خاتمـة

«نطلب من الحياة أكثر مما نطلب من أنفسنا»

كريستوفر لاش

في ضوء الصورة الاجتماعية – التاريخية التي رسمنا ملامحها الكبرى بروح تركيبية، يبدو أن فكرةَ قابلية التحسين التي توجد في صلب مشروع النزعة الإنسانية لتحسين الكائن البشري تعرفُ اليوم تحريفا كبيرا.

باختزال قابلية التحسين اليوم في جانبها التكنوعلمي، فهي لم تعد تحيل إلى تحسين الإنسان داخل المجتمع وبالمجتمع، وفقًا للمثُل الساعية لتحقيق عدالة اجتماعية. يرتكز المتخيل المعاصر على تحسين الحياة في حد ذاتها. ومن خلال اختزال هذا التحسين للاجتماعي في البيولوجي وجعله تمديد الحياة الفردية الأفق المعياري الوحيد، بمعنى أن المعيار الوحيد لبقاء كل فرد هو أن يكون ضد كل فرد آخر، فهو ( = التحسين) يُعاكس تماما المشروع الذي حمله التنوير، وهو تأسيس المجتمع تأسيسا ذاتيا ومدروسا.

بطريقة متناقضة في الظاهر لا غير، في الوقت الذي يبدو فيه أّنَّ مرونة الكائن الكاملة بصدد إثبات نفسها، على ضوء التقدم التقني – العلمي والبيوتكنولوجي، يتحقق المزيد من بيلجة الثقافة بكيفية غير مسبوقة، «من حيثُ أن السعي وراء الحياة في حد ذاتها أصبح هدفًا بغض النظر عن أي بُعد آخر ثقافي أو اجتماعي أو سياسي» (Lafontaine: 2008, 140). يمثل هذا الرفع للحياة إلى قيمة عليا سابقة تاريخية وبالتالي قطيعة أنثروبولوجية كبرى.

بهذا هذا المعنى، يمكن الحديث عن الإنسانية ليس للدلالة على نهاية للإنسان –كارثية كانت هذه النهاية، كما يرى فوكوياما، (Fukuyama: 2002) أو ساحرة كما هو الحال في حركة الإنسانية العابرة – ولكن للتأكيد على إنكار الإنسانية الجاري اليوم، لأن هذه القابلية لتحسين الحياة تخفي معطى أنثروبولوجيا أساسيا: هو الرابط الاجتماعي.

نيكولا لودِفيديك

***

يتقدم المؤلف بالشكر الجزيل إلى:

  • سيلين لافونتين لتشجيعها على نشر هذه الدراسة ولما أبدته من ملاحظات حول نسختها الأولى؛
  • بُنوا لو ديفيديك Benoît Le Dévédec لإعادة قراءة هذه الدراسة ومساعدته في ترجمة بعض الإحالات من اللغة الإنجليزية.

 

 

ببليوغرافيا:

BACON F., [1627] 2000, La Nouvelle Atlantide, Paris, Flammarion.

BINOCHE B. (sous la dir. de), 2004, L’homme perfectible, Paris, Champ Vallon.

BRAGUE R., 1999, La sagesse du monde. Histoire de l’expérience humaine de l’univers, Paris, Fayard, L’Esprit de la Cité.

CASTORIADIS C., 1990, «Pouvoir, politique, autonomie», in Le monde morcelé. Les carrefours du labyrinthe 3, Paris, Le Seuil.

CERQUI D., 2003, « Quelques éléments pour une ontologie du cyborg », in Le corps comme lieu de métissages, C. Fintz (éd.), Paris, L’Harmattan, p. 125-142.

— 2008, « Sommes-nous tous transhumanistes ? », Technology Review, n°5, janvier-février, p. 50-54.

CETINA KNORR. K., 2004, «Au-delà des Lumières: l’essor d’une culture de la vie», Biologie moderne et visions de l’humanité, De Boeck, p. 31-45.

CLARKE A. ET AL., 2003, «Biomedicalization: Technoscientific Transformations of Health, Illness, and U.S. Biomedecine», American Sociological Review, 68, p. 161-194.

CONDORCET, [1795] 1988, Esquisse d’un tableau historique des progrès de l’esprit humain, Paris, Flammarion.

FUKUYAMA F., 2002, La fin de l’homme. Les conséquences de la révolution biotechnologique, Paris, La Table Ronde.

FOUCAULT M., [1966] 1990, Les mots et les choses. Une archéologie des sciences humaines, Paris, Gallimard.

— 2005, Histoire de la sexualité, t. I, La volonté de savoir, Paris, Gallimard.

GORI R. ET DEL VOLGO M-J., 2008, Exilés de l’intime. La médecine et la psychiatrie au service du nouvel ordre économique, Paris, Denoël.

GUSDORF G., 1967, Les origines des sciences humaines, Paris, Payot.

HAYLES K., 1999, «How we became posthuman, Virtual bodies», in Cybernetics, Literature and Informatics, Chicago/London, The University of Chicago Press.

HUNYADI M., 2004, Je est un clone. L’éthique à l’épreuve des biotechnologies, Paris, Le Seuil. KANT E., [1784] 1967, « Réponse à la question : Qu’est-ce que «Les Lumières»?, in KANT E., Philosophie de l’histoire, Paris, Gonthier.

KOYRE A., 1988, Du monde clos à l’univers infini, Paris, Gallimard.

LAFONTAINE C., 2004, L’Empire cybernétique, Paris, Le Seuil.

— 2008, La société postmortelle, Paris, Le Seuil.

LASCH C., 2000, La culture du narcissisme, Paris, Climats.

LE BRETON D., [1990] 2005, Anthropologie du corps et modernité, Paris, PUF. LEGROS R., 1990, L’idée d’humanité, Paris, Grasset.

LECOURT D., (sous la dir. de), 2004, Dictionnaire d’histoire et de philosophie des sciences, Paris, PUF.

LOTTERIE F. 1998, «Les Lumières contre le Progrès? La naissance de l’idée de perfectibilité», Dix-huitième siècle, n°30.

— 2006, Progrès et perfectibilité: un dilemme des Lumière françaises (1755-1814), Oxford, Voltaire Foundation, SVEC.

MIQUEL C., MENARD G., 1988, Les ruses de la technique. Le symbolisme des techniques à travers l’histoire, Montréal, Boréal.

PIC DE LA MIRANDOLE, 1993, De la dignité de l’homme, Paris, L’Eclat (trad. Yves Hersant). PONS A., 1988, «Introduction», in Condorcet, Esquisse d’un tableau historique des progrès de l’esprit humain, Paris, Flammarion, p. 17-74.

QUEVAL I., 2004, S’accomplir ou se dépasser. Essai sur le sport contemporain, Paris, Gallimard. RABINOW P., 2001, «Artifices et lumières: de la sociobiologie à la biosocialité», in La maladie mentale en mutation, Paris, Odile Jacob, p. 295-308.

ROBITAILLE A., 2007, Le nouvel homme nouveau. Voyage dans les utopies de la posthumanité, Québec, Boréal.

ROCO M. C. ET BAINBRIDGE W. S. (sous la dir. de), 2002, Converging Technologies for Improving Human Performance, Arlington (Virginie), National Science Foundation.

ROSE N., 2007, «The Politics of Life Itself. Biomedecine, Power, and Subjectivity» in the Twenty-First Century, Princeton, Princeton University Press.

ROUSSEAU J-J., 1992, Discours sur l’origine et les fondements de l’inégalité parmi les hommes, Paris, Flammarion.

SCHAEFFER J-M., 2007, La fin de l’exception humaine, Paris, Gallimard.

SFEZ L., 1995, La santé parfaite. Critique d’une nouvelle utopie, Paris, Seuil.

SLOTERDIJK P., 1999, Règles pour le parc humain. Une lettre en réponse à la lettre sur l’humanisme de Heidegger, Paris, Mille et une Nuits.

— 2000, La domestication de l’être, Paris, Mille et Une Nuits.

STAROBINSKI J., 1989, Le Remède dans le mal. Critique et légitimation de l’artifice à l’âge des Lumières, Paris, Gallimard.

TAGUIEFF P-A., 2004, Le sens du progrès. Une approche historique et philosophique, Paris, Flammarion.

2007, La bioéthique ou le juste milieu. Une quête de sens à l’âge du nihilisme technicien, Paris, Fayard.

VENN C., 2006, «The Enlightenment», Theory, in culture and society, London, vol. 23 (2-3), p. 477-498.

WHITE C. H., 2004, « La société est un mirage », Revue du MAUSS, n ° 24, p. 62-69.

WIENER N., 1954, Cybernétique et société. L’usage humain des êtres humains, Paris, UGE, coll. 10/18.

Source : Revue du MAUSS permanente, [en ligne].

http://www.journaldumauss.net/spip.php?article444

 

 

 

[1] التعبير لدافيد لوبروتون )2005(.

[2] في كتاب إيزابيل كيفال Isabelle Queval الرائع الاكتمال أو تجاوز الذات، تقدم المؤلفة وصفا جيدًا لهذه الرؤية الكونية للعالم حيث يتضح أنه لا يمكن تصور فكرة تجاوز المرء لذاته.

[3] كذلك الأمر في الثقافة العربية الإسلامية القديمة، إذ كانوا يعتبرون الإنسان عالما صغيرا والعالم إنسانا كبيرا. ينظر في هذا الصدد، على سبيل المثال، كتاب التيفاشي، سرور النفس بمدارك الحواس الخمس، تحقيق الدكتور إحسان عباس. (م).

[4] Pic de la mirandole : (1463م – 1494م)، ينحدر من عائلة ثرية، مما مكنه من عيش رغيد والسفر بكل حرية. يقال عنه إنه تعلم 22 لغة أشهرها اليونانية والعربية والعبرية والآرامية. تتلمذ على كبار الفلاسفة المسلمين واليهود. في سن العشرين حاول تلخيص جميع معارف عصره في 900 قضية / أطروحة دعا كبار علماء عصره لمناقشتها كلها في روما، واقترح أن يتولى شخصيا إيواءهم وإطعامهم والتكفل بمصاريف سفرهم. ولأجل هذه المناظرة ألف مقدمة، هي في الحقيقة كتاب، تحت عنوان «كرامة الإنسان»، استهله بما يلي: »لم أعطك يا آدمُ صورة ولا مكانة خاصة بك ولا أية هبة خاصة بك، وذلك لكي تتولى أنت بنفسك اكتشاف وجهك ومنزلتك وهيأتك وتمتلكها. تنطوي الطبيعة على أجناس أخرى في قوانين وضعتُها. ولكن أنت لا تتقيد بأي محطة، عليك أن تحدد نفسك بحكمك الخاص الذي أخضعتك له. لقد جعلتك في مركز العالم حتى تتمكن من تأمل ما يشتمل عليه. أنا لم أجعلك مخلوقا سماويا ولا أرضيا، لا فانيا ولا خالدا، لكي تُكمل أنت بنفسك شكلك على غرار رسام أو نحات ماهر. أنت قادر على أن تنزل إلى أشكال منحطة كما هي البهائم أو أن تتجدَّد، وفق إرادتك، إلى أشكال عليا وهي أشكال الآلهة» (مقالة حول كرامة الإنسان)… اعتبرت الكنيسية بعض أطروحات مشروع لوميراندول هرطقة، مما أدى به إلى الفرار إلى باريس، حيث ألقي عليه القبض بأمر من البابا، فتم تحريره بفضل تعاطف حاشية البلاط الفرنسي معه وتدخل بعض وجهاء إيطاليا، فلجأ إلى فلورنسا حيث قضى ما تبقى من حياته في حماية لوران لومانييفيك. كشفت تحاليل جثته أنه مات مسموما. جمع في فلسفته بين أرسطو وأفلاطون وفيثاغور والقبالا والهرمسية والأورفية وتوما الأكويني وابن رشد والأفلاطونية الجديدة وأفلوطين… مصدر معلومات بيك مأخوذ من:

Salvadora Puledda, Un Humanisme contemporain. Ecrits et conférences, traduction de l’espagnole dirigée par Claide Baudoin :

https://www.parclabelleidee.fr/docs/productions/autresecrits/HumanistaContemporaneo-fr.pdf

أما الاقتباس، فترجمناه من الـ «مقالة حول كرامة الإنسان»:

Giovanni Pico della Mirandola, De la dignité de l’homme:

http://www.lyber-eclat.net/lyber/mirandola/pico.html

(المترجم)

[5] إبيميثيوس Epiméthée، في الأسطورة الإغريقية، هو أخو مروميثيوس Prométhée، ويرمز الاثنان على التوالي إلى نوعين من الناس: نوع غافل جاهل لا يدرك الأمر إلا بعد وقوعه، وآخر عاقل متبصّر يفطن للأمور قبل وقوعها فيتحاشاها. (م).

[6] ماري جان أنطوان نيكولا ده كاريتا أو ماركيز كوندورسيه (1743-1794م) Marie Jean Antoine Nicolas de Caritat, marquis de Condorcet: فيلسوف وسياسي وعالم رياضيات دافع عن الاقتصاد الحر والتعليم الحكومي الحر والمتساوي، والدستورية، والمساواة في حقوق النساء والناس بصرف النظر عن أعراقهم. عنوان كتابه المذكور هو: L’Esquisse d’un tableau historique des progrès de l’esprit humain ، ويعرف أيضا باسم منشور prospectus، كتَبه كوندورسيه سنة 1795م، وقدم فيه نظرة إجمالية للمراحل الكبرى للتطور العام للفكر البشري عبر التاريخ، والعلوم والأخلاق والسياسة. رابط تحميل الكتاب بنصه الكامل في نسخة متبوعة بتأمل في عبودية الزنوج:

https://gallica.bnf.fr/ark:/12148/bpt6k281802

(م).

  [7] حول هذه المسألة، انظر، على سبيل المثال، مقال:

«Pouvoir, politique, autonomie» (Castoriadis, 1990, 137-172).

[8] كما هو معلوم، يرسم بيكون في هذه المدينة الفاضلة صورة مجتمع يقع في جزيرة بالبحار الجنوبية متفان كليا في العلم والتجريب، غايته النهائية «معرفة الأسباب والحركة السرية للأشياء، وتقليص حدود الإمبراطورية البشرية من أجل إدراك كل الأشياء الممكنة (Bacon, 2000, 119). من بين العجائب الطبيعية المسخرة للإنسان التي ذكرها باكون، نجد إرادة: «إطالة الحياة؛ استعادة الشباب إلى حد ما؛ تأخير الشيخوخة. علاج الأمراض المستعصية؛ تخفيف الأوجاع )…( زيادة القوة والنشاط؛ )…( تحويل القامة والملامح؛ توسيع قدرات الدماغ؛ التحول من جسم إلى آخر؛ صنع أنواع جديدة؛ زرع نوع في نوع آخر» (Bacon, 2000, 132-133).

[9] وفقًا لفلورنس لوتيري، «ليست قابلية التحسين [عند روسو] غير محدَّدة، لكنها لا محدودة، كما ستكون عند كوندوسيه: الزمن الذي تتجذر فيه التجربة الإنسانية هو أيضًا المكان الكارثي للإسراف، والحاجز المكشوف» (Lotterie: 1998, 394).

[10] من أجل عرض متعمق ونقدي للإبدال السيبراني، يُنظر كتاب سيلين لافونتين: الإمبراطورية السيبرانية الذي استفدنا منه الكثير هنا (Lafontaine: 2004).

[11] الأنتروبيا Entropie: هي القانون الثاني للدينامية الحرارية. الأول قانون الحفاظ على الطاقة lois de conservation، ويشار به إلى أن طاقة نظام ما لا تتغير بصرف النظر عن التحولات التي يخضع لها هذا النظام. أما القانون الثاني، وهو الأنتروبيا، فبموجبه، بمرور الوقت تنمو الفوضى والعشوائية بشكل حتمي ولا مفر منه في كل نظام مغلق. هذا وللاصطلاح معاني، مجاورة بهذا القدر أو ذاك، في العديد من العلوم والحقول المعرفية، مثل الفيزياء الفلكية، والرياضيات، ونظرية الإعلام، والمعلوماتية، والفيزياء وعلوم التأويل (أو الهرمنيوطيقا). مصدر التعريف السابق:

Marcel Lacroix, La première et la deuxième lois de la thérmodynamique, Université de Sherbrook, 1997:

http://marcellacroix.espaceweb.usherbrooke.ca/ENERGIE/Lois%20de%20la%20thermodynamique.pdf

 

[12] في خط تفكير السايبورغ الذي دشنته دونا هارواي Donna Haraway في مطلع الثمانينيات (1980) في نصها الشهير بيان السايبورغ، لا شك أن الفيلسوف بيتر سلوتردايك يعتبر أفضل من قام بتنظيم هذا الموقف النظري (Sloterdijk : 1999, 2000). (في دراسة: «أي نزعة إنسانية للعصر ما بعد الجينومي؟» المترجمة ضمن الكتاب الحالي، يعرض جيل بيلو، تحت عنصر «ترويض الإنسـان: صدى نقاش مُجهَض في ألمانيا»، وجهة نظر بتر سلوتردايك والنقاشات التي أثارتها (المترجم)).

[13] بمبادرة من المؤسسة الوطنية للعلوم ووزارة التجارة الأمريكية، يهدف مشروع الـ NBIC (اختصار يتكون من الحروف الأولى لمفردات النانو، والبيولوجيا، والمعلوماتية، والعلوم المعرفية Nano-Bio-Info-Cogno) إلى التقاء التكنولوجيات الجديدة بهدف – كما يقول العنوان الفرعي للتقرير – الرفع من قدرات الأداء البشري (Roco et Bainbridge: 2002). يستفيد هذا المشروع من دعم مؤسساتي ومالي كبير، ومن نشطائه علماء بارزون وفلاسفة ينتمون إلى الرابطة العالمية للإنسانية العابرة (WTA)، وهي حركة تناضل من أجل توظيف التكنولوجيات الجديدة في الرقي إلى مرحلة جديدة من التطور، هي مرحلة ما بعد الإنسان (Robitaille: 2007).

السابق
سيلين لافونتين: وضعُ ما بعد الموت من إنكار الموت إلى البحث عن حياة لا نهاية لها
التالي
جيل بيبو: أي نزعة إنسانية للعصر ما بعد الجينومي؟