إنسانية عابرة

سيلين لافونتين: وضعُ ما بعد الموت من إنكار الموت إلى البحث عن حياة لا نهاية لها

الموت أحدُ الحدود التأسيسية للنظام الرمزي، لا يمكن التغلب عليه، ومن ثمة فهو «ظاهرة اجتماعية كلية[1]. وباعتباره المبدأ العالمي الأول، فهو يطرح هوية البشرية من خلال جميع المعتقدات والأساطير والممارسات. عندما عرف القدماء الإنسان بأنه ميت، فإنهم وضعوا العالمية الرمزية للوضعية الإنسانية: كل البشر فانون[2]. يُنظمُ الوعيُ بالموت، والاستجابات المبنية اجتماعيا لاحتواء القلق الناتج عنه الذي لا مفر منه، علاقةَ الفرد بالمجتمع. بهذا المعنى، تعلمنا أنثروبولوجيا الموت أن الوضع الاعتباري للذاتية يرتبط ارتباطًا وثيقًا بوضع الوفيات[3]. في مواجهة حتمية النهاية، يجد الفرد ملجأ في قلعة الخلود المثالية التي يشيدها كل مجتمع لضمان استمراريته، وبالتالي يمكن قراءة تاريخ المجتمعات البشرية باعتباره حكايات تهدف إلى بث الحياة في حلم الخلود. من الأساطير البدائية إلى الأديان التاريخية الكبرى، من خلود الروح إلى خلود الأبطال، من الحشر إلى النيرفانا، ترسُم الرغبةُ في الأبدية الحدودَ بين الحياة الدنيا والآخرة، إذ ترسم أفق المعنى المسنَد جماعيًا للوجود الإنساني، وتضمن استمرار النظام الاجتماعي من خلال عبور الأجيال. باختصار، إنها الأساس نفسه الذي تقوم عليه الحضارة.

ماذا إذن عن مجتمع ينتقل فيه الموت من وضع الدعامة الأنطولوجية إلى حالة الطارئ التاريخي؟ إلى مجتمع منخرط في صراع لإنهاء الموت، لدرجة أن كل وفاة أصبحت تأخذ شكل هزيمة علمية؟[4] مجتمع أصبحت تنتمي فيه حقيقة كون الإنسان فان إلى منطق الحدث وليس إلى ظاهرة طبيعية؟ وتعتبر فيه الشيخوخة مرضا؟ وتحل فيه إرادة إطالة الحياة إلى أجل غير مسمى محل رغبة الخلود في الآخرة؟ ويُقدَّم فيه التطور التقني العلمي باعتباره هو نفسه أفقا لا مفر منه وليس الموت؟ أخيرًا، إلى مجتمع تفسخت فيه علوم الآخرة نهائيا في التكنولوجيا؟[5]. على الصعيد الأنثروبولوجي، لا يُجري هذا النوع من المجتمعات فقط قطيعة أساسية عن طريق تدمير نظام الأجيال المؤسِّس لتاريخ البشرية، ولكنه يُلحق، من خلال حذفه لمنظور الموت، تحوُّلا جذريا بالمعنى الذي يُسنَد للإنجاب والنقل الثقافي، ناهيك عن الوضع الاعتباري للذاتية. وعلى الصعيد الاجتماعي، يمكن القول إن هذا المجتمع سوف يضع شكلاً جديدًا من العيش معًا يركز على هاجس الصحة والتحكم الأمني، وسيكون الخلل الديموغرافي الناتج عن ذلك بمثابة ثقل موازن إيديولوجي للعبادة الشائعة: عبادة الشباب الأبدي، وأهم من ذلك أن مثل هذا المجتمع يتطلع إلى التخلص من عبء الوفيات الثقيل من خلال تخطي حدود النوع البشري.

مما بعد الحداثة إلى ما بعد الموت

باعتبار وضع ما بعد الموت مُنفِّذًا وصيا للتفكيك الغربي، فإنه يمكنُ تنصيبه وريثا لما بعد الحداثة. بعيدا عن اللعب بالكلمات، يجب أن نفهم أن بعض الاتجاهات الاجتماعية الحالية تجبرنا على النظر في مفهوم ما بعد الموت بطريقة مختلفة عن الزاوية البلاغية البسيطة. ففي الوقت الذي يحظى فيه تفكيك البيوتكنولوجيا بالأولوية على محبة – الحكمة philo-sophie، من خلال هدم الحدود بين الكائن الحي والأجهزة الاصطناعية، نشهد ظهور أشكال جديدة من تمثل الموت وحدوده تميل إلى إنكار العجز عن التغلب عليه.

إذا كان تاريخُ السعي إلى الخلود يعود إلى أكثر من ألف عام، فهو لم يأخذ إلا في أيامنا هذه شكلا علميا أو علميًا زائفًا من خلال دفع أجل الموت إلى أقصى حد ممكن، بل وحتى إنكاره[6]، كما تشهد على ذلك المناقشات النظرية حول الاستنساخ والخلود الجيني، وتطوير الطب التجديدي، والتمديد الاصطناعي للحياة، والممارسة المتنامية لعلم التجميد[7]. وبشكل أعم، يشهد دخول السايبورغ وما بعد الإنسان إلى الساحة الثقافية على إرادة إطالة عمر الإنسان إلى أجل غير مسمى عن طريق اندماج الإنسان في الآلة[8]. وبما أن الموت أصبح شأنا طبيًا، فقد أصبحت الأجهزة البيوتكنولوجية أكثر تقنيةً وتطوراً، واتضح أن حدود الموت مرنة وبأنها بناء تاريخي[9]. بالتالي، لولا تقنيات الإنعاش التي جعلت التغلب على السكتة القلبية – الرئوية شيئا ممكنًا لما أمكن أن يتطور مفهوم السكتة الدماغية. بعيدًا عن أن يبدو الموت ظاهرة لا مفر منها ولا رجعة فيها كانت في الماضي تشهد على مرور الوقت، أصبح (الموتُ) في الوقت الحالي متنوعا ومتعددا، ويخضع لتأجيل إلى أجل غير مسمى. وبتجريده من معالمه الرمزية والدينية، فهو يبدو الآن بمثابة عملية بيولوجية معقدة قابلة للتفسخ في سلسلة من المراحل الفسيولوجية المرتبطة بقضية عَرضية أو بمجرد الاستنزاف الزمني.

من خلال تأكيد إدغار موران على أن «جميع مسارات العلوم تصب في الموت»، فهو لم يكشف فقط عن أحد أعمق ينابيع الثقافة الغربية، ولكنه أعطَى لمفهوم إطالة أمد الحياة نُبلَهُ الاجتماعي[10].  إلا أن انضمامه إلى فكرة احتمال تمديد الحياة بيولوجيا مَنعهُ من الحفاظ على المسافة الفكرية اللازمة لدراسة هذه الظاهرة. ومع ذلك إذا أردنا إدراك الأهمية الكاملة للاستيهام التقني العلمي لما بعد الموت، يجب علينا أن نفهمه في سياقه الاجتماعي – التاريخي، شأنه في ذلك شأن كل أساطير الخلود ومعتقداته. بهذا الشرط وحده، سيتأتى لنا أن نفهم بوضوح مخاطر هذا الاستيهام وعواقبه المحتملة على الحضارة. إذا كنا، على صعيد المعتقدات، نستطيع أن نربط هذا التخطيط بأسطورة التقدم الغربي، فمن الواضح أنه يجري قلبا رمزيا جذريا يُنزل الحياة الآخرة إلى الدنيا. بعبارة أخرى، يتجسد حلم الخلود في مؤسسة دنيوية تطرد كل تعالٍ معياري. في هذا الموضوع، أظهر عالم الاجتماع زيجمونت باومان Zygmunt Bauman جيدا كيف أفضت الحداثة الغربية، من خلال تدميرها للأساس الوجودي للموت عبر تفكيك بيوتكنولوجي، إلى تفسيخ فكرة الخلود نفسها في حاضر لا محدود. أرى أن هذا هو ما يحدد ظهور حالة ما بعد الموت.

يتقاطع وضع ما بعد الموت مع بعض الاتجاهات الأكثر تطرفًا في العالم المعاصر. من إعادة التشكيل البيوتكنولوجي للجسد، إلى الجراحة التجميلية، من الذات الافتراضية للشبكات إلى السايبورغ، من الإنسانية العابرة إلى رفض الإنجاب، يمكن أن نرى من خلال تنوع هذه التظاهرات التجريبية اشتغال منطق مجتمعي واحد. تشير فكرة ما بعد الموت أكثر تحديداً إلى الرغبة المعلنة في التغلب على الموت تقنيا، «والعيش دون الشيخوخة»، من أجل إطالة الحياة إلى أجل غير مسمى.

الشيخوخة وجه جديد للموت

يمكن اعتبار الانتقال الديموغرافي الذي يميز عصرنا أحد أعمق الثورات وأكثرها استدامة في تاريخ البشرية، لأنه يؤدي إلى إعادة تحديد علاقتنا كليا بالزمن والموت[11]. نتيجة حركة مزدوجة (انخفاض الخصوبة وانخفاض معدل الوفيات)، تغير المشهد الديموغرافي جذريا في المجتمعات المتقدمة خلال النصف الثاني من القرن XXم. لقد بدأ متوسط العمر يتأرجح حول ثمانين عامًا في اليابان ومعظم الدول الغربية، فأصبح رمزًا للحداثة والتقدم. ومع ازدياد نسبة الأشخاص الذين تتراوح أعمارهم بين الخامسة والستين وما فوق، أصبحت شيخوخة السكان ظاهرة مثبتة إحصائيًا، لا تزال نتائجها الحضارية تحتاج إلى تحليل وتحديد. أحد آثار هذا التحول الديموغرافي المباشرة والواضحة هو تقليص الموت «في إقليم الشيخوخة». في مقال بعنوان «تحول الموت في المجتمعات القديمة»، يطرحُ عالم الاجتماع كلايف سيل Clive Seale أن ارتباط الموت بالشيخوخة لا يحوِّل فقط طريقة إدراك الموت، ولكن أيضًا طريقة الموت وتجربة نهاية الحياة. ففي حين كان الموت لا زال في أوائل القرن العشرين، يطارد في المهد، ويهاجم الرضع والنساء أثناء الولادة[12]، يبدو الآن وكأنه أصبح رجلا مسنا ضعيفا ومريضا ينتظر قدوم حاصد الأرواح ليأخذه هو الآخر إلى داره. وراء الأوصاف الكاريكاتورية، كانت الزيادة في متوسط العمر في المجتمعات المتقدمة تُعزى، إلى وقت قريب، إلى انخفاض معدل وفيات الأمهات والرضع بشكل أساسي. كانت ظروف الحياة العامة تجعل الموت يتربص بالناس طوال الحياة، فكان عدد قليل نسبيا من الأفراد هم الذين يبلغون ما يسمى أحيانا «العصر الذهبي».

وفي أعقاب التفكيك البيوتكنولوجي للموت، أفضى التشكيك في حدود طول العمر البشري، أوائل تسعينيات القرن الماضي، إلى ظهور حقل علمي جديد، هو بيولوجيا الشيخوخة. في حين يركز طب الشيخوخة على دراسة الأمراض المرتبطة بالعمر وعلاجها، تهدف بيولوجيا الشيخوخة إلى فهم العمليات البيولوجية المميزة للشيخوخة والتحكم فيها[13]. ومن منظور مكافحة هذه البيولوجيا للشيخوخة علنا، فهي ترفض الفكرة المقبولة عموما التي ترى أن التقدم في السن ظاهرة طبيعية حتمية، وأن الموت ضرورة بيولوجية. بخلاف ذلك، يرتكز هذا الحقل الجديد على قناعة أنه يمكن علمياً التدخل في عملية الشيخوخة لتخفيف آثارها أو لمكافحتها جذريا، من منظور أكثر تفاؤلاً[14]. ونظرا لأن بيولوجيا الشيخوخة تقع على المستوى الخلوي والجزيئي، فهي تتأرجح بين فرضيتين رئيسيتين لتفسير الاعتلال الناتج عن التقدم في السن: تقول الأولى إنه ظاهرة مبرمجة وراثياً عن طريق التطور، في حين تطرح الفرضية الثانية أنه حادث عرضي من حوادث الانتقاء الطبيعي[15]. وفقًا لهذه الفرضية الأخيرة، تكون الشيخوخة خطأ في الطبيعة وليست ذات وظيفة مَّا من وجهة نظر التطور[16]. إنها تعود ببساطة إلى أن الانتقاء الطبيعي يشجع على التوالد، وأنه «لم يتوقع» تمديد الحياة العضوية بعد فترة التكاثر. وهذا ما قد يفسر لماذا أعداد قليلة جدا من أفراد معظم الأنواع الحيوانية، بما فيها البشر، هي التي تبلغ سن الإنجاب أو تتجاوزه في الظروف الطبيعية. يرى عالم الأخلاقيات البيولوجية آرثر ل. كابلان Arthur L. Caplan أن هذه الحجة وحدها تبرر كون الشيخوخة مرضا وليست ظاهرة طبيعية. أما علماء بيولوجيا الشيخوخة، فيرون أنه سواء أكانت الشيخوخة نتيجة برمجة وراثية أو نتيجة غير متوقعة لقوانين التطور، فهي آفة قاتلة يجب على العلم أن يحاربها.

السعي إلى حياة لا نهاية لها

في حين كان مثال idéal التنوير السياسي يقوم على الإيمان بقابلية المجتمع للتحسين وعلى إرادة تحسين الظروف المعيشية من خلال العمل الجماعي، يتميز المجتمع المعاصر بالإيمان بقابلية الحياة نفسها للتحسين، وبالتالي لا يجب تغيير المجتمع، بل الفرد بوصفه كائنا إعلاميا قبل كل شيء. يتوافق هذا الانتقال من قابلية تحسين المجتمع إلى قابلية تحسين الحياة في حد ذاتها مع عدم تسييس المجتمع لفائدة فردانية جديدة قائمة على الإيمان بسلطة العلم وقدرته على التدخل في السيرورة الحيوية[17]. إذا أخذنا على محل الجد النقاشات الفلسفية حول ما بعد الإنسانية أو حركات نضالية مثل النزعة الإنسانية العابرة، فالحواجزُ التي تفرضها حدود الحياة في حد ذاتها هي ما يجب التحرر منه.

في صميم النموذج التقني – العلمي، هناك إرادة لتخطي أطر النوع البشري البيولوجية كما يقول إدغار موران:

«استعمار النوع هو استعمار للموت: إنه انتصار الفردية وإمكانيتها اللانهائية. هذا هو السبب في أن آفاق التطور العلمي لا تتضمن فقط الميل إلى القضاء تدريجيا على الموت، ولكن تتضمن أيضا الميل إلى إحداث ثورة في الإنسان بطبيعته»[18].

يسير البحث عن الخلود، بواسطة العلم، جنبًا إلى جنب مع الرغبة في تجاوز الإطار التطوري للجنس البشري من أجل الوصول إلى وضع ما بعد الموت. على هذا النحو، ينطلق الطب التجديدي والطب النانوي وبيولوجيا الشيخوخة من تفكيك بيولوجي – طبي للموت والشيخوخة؛ وهي تخصصات تهدف صراحة إلى تحسين القدرات البيولوجية الفردية من أجل إصلاح «أخطاء الطبيعة»[19]. يجب القول إنه في مجتمع لا يُعتبر فيه الموت طبيعيا إلا عندما يأخذ شكل حادث عرضي أو غير متوقع، فالحدود بين الرعاية الصحية اللازمة وطب الأداء تصبحُ شائكة للغاية خاصة أن المثل الأعلى لقابلية التحسين في حد ذاته لا حدَّ له.

الموت: مجرد سخافة

لقد أصبح الموت في العالم الغربي قضية فردية بحتة، تتفرع إلى قانون أو حتى إلى اختيار[20]. ومع حركة تمديد الحياة، بلغت النزعة الفردية الليبرالية شكلها المتطرف، ومن ثمة، وفقًا للفيلسوفة كريستين أوفيرال، لا يوجد من وجهة نظر فردانية أي سبب وجيه للموت من أجل فسح المجال لجيل جديد[21]. مع ذلك، فالغريب هو أن الإبعاد الثقافي والعلمي والديمغرافي للموت وفكرة إمكانية التصدي له بفعالية لم يخففا من الخوف الذي يثيره هذا الموت، بل على العكس فاقماه. يرى عالم الأخلاقيات البيولوجية جون ديفيس John Davis أن إحدى النتائج الأخلاقية الرئيسية لإطالة عمر الإنسان هو تحديدا جعل وفاة عجوز عمره 97 عامًا أكثر مأساوية عندما يتضح أن موته كان فشلا في الوفاء بوعد إطالة عمره[22]. في غياب وجود أي معنى آخر للموت سوى أنه نهاية للفرد القوي، يصيرُ هذا الموت أكثر إثارة للخوف من أي وقت مضى.

بما أن قطاع مكافحة الشيخوخة جزءٌ لا يتجزأ من التفكيك البيوتكنولوجي للموت، فهو يشارك في عملية عزل الأشخاص المسنين والحط من قيمتهم. وبالاعتماد على تحليل التمثلات العلمية للشيخوخة، أظهر عالم الاجتماع البريطاني جون أ. فانسان إصرار الخطاب الذي يتناول الشيخوخة على استخدام استعارات شبيهة بالحرب[23]. إذا كانت الشيخوخة دولة يجب الكفاح ضدها بالضرورة، فإنه لا يتم فقط إبعاد الأشخاص «المصابين» من المجتمع، بل يتم اتخاذهم أيضا موضوع علاج طبي متزايد التطور. هذا صحيح بحيث نشهد، على المستوى الطبي، محوا للحدود بين المرض والشيخوخة، وبذلك يتم حاليا اعتبار الشيخوخة حالة مرضية.

ومن المفارقات أنه، على المستوى الثاقفي، يصاحب شيخوخة السكان إفراطٌ في تقدير قيمة الشباب وحطٌّ منهجي من قيمة الشيخوخة. بعد أن أصبحت مكافحة الشيخوخة «مشكلة» حقيقية للحضارة، يتم حشد ترسانة كاملة من المهن والمنتجات المخصصة للتخفيف من علامات التقدم في السن، بل وحتى للقضاء عليها. يتيح لنا تصنيف جون أ. فانسان قياس حجم الظاهرة:

الفئة الأولى: تتعلق بالمنتجات الموجهة لتمويه الشيخوخة أو التعويض عن آثارها، كالكريمات المضادة للتجاعيد، والفيتامينات، والوجبات الغذائية، وبرامج التمارين الرياضية، أو أدوية مثل الفياجرا أو هرمونات النمو، والمنتجات التي تهدف إلى تقليل أعراض الشيخوخة؛

الفئة الثانية: تشمل سائر الأدوية التي تمكن من إطالة عمر المريض إلى حد كبير، والتي لا يزال علاج السرطان أوضح مثال عنها؛

والفئة الثالثة: هي العلوم الوقائية التي تهدف إلى مواجهة الشيخوخة على المستوى الخلوي، كعلم الوراثة والهندسة الوراثية، أو البحث عن الأمراض الانتكاسية مثل الزهايمر والباركنسون؛

الفئة الرابعة أخيرا: تشير إلى أولئك الذين يناصرون صراحة القضاء على الشيخوخة وتمديد الحياة الفردية إلى ما لا نهاية، من خلال علوم تقنية كالطب التجديدي والطب النانوي.

أيضا، وأهم من ذلك، من خلال تغذية متخيل عمر طويل إلى ما لا نهاية، يهدد التفكيك البيولوجي الطبي للموت، والأدوية المضادة للشيخوخة، بزعزعة المعالم الأنثروبولوجية الموجِّهة للوجود البشري في جوهره. من هذا المنظور، يتم تصور الحياة بطريقة خطية وقابلة للتمديد، فتُعرضُ بوصفها سلسلة من اللحظات والخبرات القابلة للتبادل في خط زمني قابل للتحلل إلى وحدات متطابقة، والحال أنَّ الحياة الإنسانية لا تتوافق بتاتا مع هذا التسلسل الزمني الخيالي لأنها تندرج في دورة حياتية تبدأ من الولادة وتستمر من خلال سلسلة مراحل مرتبطة بتحولات جسدية وشخصية واجتماعية[24]، ثم يأتي الموتُ ليغلق هذه الدورة من الحياة الفردية من خلال تركه الطريق مفتوحة رمزيا لتسلسل الأجيال. وباعتبار الشيخوخة فترة للتقييم والنقل الثقافي، فهي تأخذ معناها، داخل الوعي بالدورة الحياتية، بوصفها خطوة أخيرة قبل العبور النهائي. بذلك، لا تؤدي الرؤية الخطية لحياة غير محدودة نظريا إلى انخفاض قيمة الشيخوخة فحسب، ولكنها تؤدي أيضا إلى إحساس باللامعنى.

يشكلُ تبخيس الشيخوخة، وإلغاء الموت، وتجريده من بعده الاجتماعي، وشعور العبثية المرافق له، الجانبَ السلبيَّ لوضع ما بعد الموت. يبدو هذا الأخير نتيجة تاريخية للتفكيك العلمي وعيوب قابلية التحسين البشري في نسخته التقنية البحتة. سواء أتعلق الأمر بنظم المعاشات التقاعدية أو بالسياسات الصحية أو بالتطورات البيوطبية أو بالنقاشات حول الانتحار المدعوم والقتل الرحيم، فحالة ما بعد الموت هي إحدى الآفاق الرئيسية التي ستحدد مستقبل المجتمعات الغربية.

سيلين لافونتين

 

 

 

 

 

 

 

[1] Louis Vincent Thomas, Anthropologie de la mort, Payot, 1975.

[2] Cornélius Castoriadis, Ce qui fait la Grèce, Seuil, 2002.

[3] Edgar Morin, L’Homme et la mort, Seuil, coll. Point, 2002.

[4] Jean Baudrillard, L’Echange symbolique et la mort, Gallimard, 1976.

[5] Zigmunt Bauman, Mortality, Immortality & Other Life Strategies, Stanford University Press, 1992, p.141.

[6]Norbert Elias, La Solitude des mourants, Pocket, 2002, p. 65.

[7] Axel Kahn et Fabrice Papillon, Le Secret de la salamande. La médecine en quête d’immortalité, Nil Ed., 2005.

[8] Chris Hables Gray, The Cyborg Citizen, Rouledge, New York and London, 2002.

[9] Margaret Locke, Twice Dead. Organ Transplants and the Reinvention of Death, Berkeley University of California Press, 2002, p. 11.

[10] Edgar Morin, L’Homme et la mort, Seuil, coll. Points, 2002, p. 345.

[11] Paul Yonnet, Le Recul de la mort. L’avènement de l’individu contemporain, Gallimard, 2006.

[12] Clive Seale, « The Transformation of Dying in Old Societies », dans Malcolm L. Johnson (dir.), The Cambridge Hand- book of Age and Ageing, Cambridge (New York), Cambridge University Press, 2005, p. 378.

[13] Courtney Everts Mykytyn, « Anti-Aging Medicine : Predictions, Moral Obligations and Biomedical Intervention », 2006, Anthropological Quarterly, vol. 79, n° 1, p. 5-31.

[14] Ronald Klatz, « New Horizons for the Clinical Speciality of anti-aging Medicine. The Future with Biomedical Techno-logies », The Annals of the New York Academy of Sciences, n° 1057, 2005, p. 536-544.

[15] B. Anton, L. Vitetta, F. Cortizo et A. Sall, « Can we Delay Aging ? The Biology and Science of Aging », The Annals of the New York Academy of Sciences, n° 1057, 2005, p. 525-535.

[16] Arthur L. Caplan, « An Unnatural Process : Why it is not Inherently Wrong to Seek a Cure for Aging », dans Stephen G. Post et Robert H. Binstock (dir.), The Fountain of Youth. Cultural, Scientific and Ethical Perspectives on a Biomedical Goal, New York, Oxford University Press, 2004, p. 280.

[17] Karin Knorr Cetina, « The rise of a culture of life », EMBO Reports [European Molecular Biology Organization], vol.6, 2005, p. s76-s80.

[18] Edgar Morin, op. cit., p. 348.

[19] Courtney Everts Mykytyn, « Anti-Aging medicine : A patient/practitioner movement to redefine aging », Social Science & Medicine, 2006, vol. 62, p. 644.

[20] Tony Walter, The Revival of Death, London & New York, Routledge, 1994.

[21] Christine Overall, Aging, Death and Human Longevity. A Philosophical Inquiry, Berkeley, Univer-sity of California Press, 2003.

[22] John K. Davis, The Prolongevists Speak Up:The Life Extension, « Ethics Session at the 10th An- nual Congress of the International Association of Biomedical Geron-tology », 2004, p. 7.

[23] John A. Vincent, « Ageing Contested: Anti-Ageing Science and the Cultural Construction of Old Age », Sociology, 2006, vol. 40, n° 4, p.681-698.

[24] Leon Kass, The President’s Council on Bioethics, Bayond Therapy : Biotechnology and the Pursuit of Happiness. En ligne :

<http:// www. bioethics. gov/ reports/ beyondtherapy/ chapter4. html>.

السابق
  دانييلا سركي وأوليفييه سيموني: ما هو الإنسانُ… من سيتخذ قرار الإجابة غدا؟
التالي
نيكولا لودِفيديك: من النزعة الإنسانية إلى ما بعد الإنسانية تحولات فكرة قابلية تحسين الإنسان