أدب رقمي

كلود بيرسزتيجن Claude Bursztejn: التفكير التشعبي/ترجمة محمد أسليم

لاشك أن مجال الوصول إلى الثقافة والمعرفة مدعو لتغيرات عميقة اتضحت بداياتها بالفعل. فنحن نشهد يوميا ظهور طرق ووسائط جديدة لنشر المعرفة، كأقراص الذاكرة المدمجة والأقراص المدمجة القابلة للكتابة والمحو التي قد لا تكون سوى تباشير حوامل أخرى – ستكون أصغر وأسرع – لم يكشف لنا مهندسوها عن أسرارها بعد. تدمج التقنية على نحو متزايدٍ وسائط متعددة للعرض: الصوت، والصورة الثابتة والمتحركة، ومن المتوقع أن يحدث تداخل كبير ومتزايد بين جهاز الكمبيوتر والتلفزة الرقمية وخاصة شبكة الشبكات، وهي الأنترنت، التي تتيح الوصول إلى المعرفة على المستوى العالمي.

يتضحُ من الملاحظة اليومية العادية جدا أن القدرة على الوصول إلى هذه التكنولوجيات الجديدة هي عموما في علاقة عكسية مع السن، إذ بينما ينظر إليها الكثير من البالغين بنوع من الحيرة، بل وحتى ببعض الخوف، يتحكم الأطفال دونَ 5 سنوات بسهولة في جهاز الفيديو أو قارئ جهاز فيديو العائلي ويلعبون بشكل أسرع مع جهاز كمبيوتر المتطور قبل أن يمتلكوا القدرة على الكتابة بقلم رصاص.

وكما هو الحال أمام كل تغيير، يظهر موقفان متعارضان: فالبعض يرى أن كل هذه التكنولوجيات الجديدة ليست سوى أدوات تافهة، ومنتوجات للتسويق، أو حوامل عملية بهذا القدر أو ذاك دونَ أن تغير جذريا طبيعة الإنسان وقيم الثقافة. وعلى العكس من ذلك، أظن أن هناك ما يدعو للتساؤل عن تأثير قنوات التواصل الجديدة في محتوى التواصل نفسه، واحتمال تأثيرها على علاقتنا بالثقافة والمعرفة، بل وحتى على أنماط حياتنا وذهنياتنا.

والسؤال هو ما إذا كان الإنسان العاقل العاقل l’homo sapiens sapiens  قد بقي – عدا بعض التفاصيل الشكلية الطفيفة – كما هو منذ ظهوره، حوالي مائة ألف سنة، ولاسيما من حيثُ بنيته النفسية أم إنه، من خلال تحويله لبيئته بعبقريته وصناعته، يتحول هو نفسه أيضا. فمن المؤكد أن بنيات تفكيرنا مشروطة، في جزء منها، بقيود عمل نظامنا العصبي وبالتنظيم العصبي المعرفي لدماغنا، ولكنها (وهذا واضح جدا) تتأثر أيضا إلى حد كبير بالوسط، أي باللغة وبالعالم المرئي والصوتي. وبعبارة أخرى تتأثر بنياتُ تفكيرنا أيضا بالثقافة التي نجد أنفسنا بداخلها منذ ولادتنا، بل وربما منذ حياتنا الجنينية.

تعتبر ثقافتنا الغربية نتيجة لأكثر من ألفي عام اختمرت خلالها مكونات مختلفة وتشابكت بحيثُ يصعبُ اليومَ الفصل فيها بين:

  • الإرث اليوناني والروماني: ساهم في تشكيل بنيات المنطق وتنظيم الخطاب اللذين نعتمد عليهما حتى وإن لم نقرأ أرسطو.
  • الأساطير الكبرى المفسرة لأصولنا ولثوابت حياة الإنسان الكبرى (الحياة، والموت، والجنس، والعلاقة بين الأجيال، وما إلى ذلك): نظمت شبكة من التمثلات المشتركة التي تمَّ تدوينها بعد أن تناقلها التقليد الشفوي وشرحَها. حتى وإن لم نتعطش لقراءة الكتاب المقدس، والتراجيديات اليونانية أو الفصول الأسطورية السلتية أو الشمالية، فإننا نتأثر لا محالة، منذ وصولنا إلى اللغة، بهذه القصص التي تبقى عناصر منها حاضرة في ثقافتنا المعاصرة ومتحولة بهذا القدر أو ذاك.

ولكن، أهم من مواضيع هذه الأساطير المؤسِّسة، ما يجب التقاطه هو أهمية القصة، والسرد: فالبنية السردية، كما بين فلاسفة ومحللون نفسانيون وعلماء النفس (دانيال شتيرن وغيره) – تنظم الوعي الذاتي في تجربة العلاقة المتبادلة بين الأم والطفل منذ وقت مبكر. لا شك أنَّ هذه هي إحدى الركائز الأساسية لنفسيتنا قبل أن نلج عالم اللغة نفسه. فهي أحد مصادر إحساسنا بهويتنا، وبالاستمرارية، من خلال الخطاب الداخلي، أي من خلال هذا السرد الصامت الذي ننشئه نحن أنفسنا لأنفسنا. أظن أن كل هذا معروف جيدا، ولا أسوقه هنا إلا من باب التذكير.

وقلما تمَّ دراسة تأثير الحوامل والتقنيات المستخدمة في نقل هذه المحتويات الثقافية على مر العصور، لذلك فهو غير معروف جيدا.

أولا، نظم العلامات المستخدمة في حفظ المعارف ونقلها: يُشكِّل تاريخ ابتكار الكتابة مغامرة مثيرة. فكتابتنا الصوتية المنحدرة من تلك التي اخترعها منذ أكثر من 2000 سنة التجار الفينيقيون تتكوَّنُ من سلسلة من الرموز التي تشفِّرُ أصوات اللغة المنطوقة، وهي اختراع مذهل بما أتاحته من اقتصاد للعلامات مقارنة بنظم الكتابات التصويرية السابقة، إذ أصبحت القراءة القراءة عملية فك متسلسل لاسترجاع الكلمة، وهو ما جعل ديريدا يقول إن حضارتنا تتمركز حول اللغة المتمركزة بدورها حول العقل. ويبدو لنا هذا لنا طبيعيا بحيثُ يصعب علينا تصور إمكانية استخدام أنظمة أخرى. ومع ذلك، فجزء كبير من الإنسانية يستخدم نظاما مختلفا تماما: فقد أدت الضرورة السياسية لحكم شعوب مختلفة جدا، بعاداتها وعلى الأرجح بلهجاتها، أدت تلك الضرورة في الصين، منذ ما يقرب من 3000 سنة قبل العصر المسيحي، إلى اختراع نظام للكتابة لا يَضعُ رمُوزا للأصوات، وفي المقابل يضعها للمعاني، وهو ما يسمى بنظام الكتابة الرمزية idéographique  المشتقة من التمثيلات الرمزية الصوريةpictographiques  المُؤسلَبَة. يمكن للإيديوغرامات (كالأبجدية الصينية والهيروغليفية) أن تمثل أشياء، وأفعالا، وكذلك مفاهيم. وبذلك، فتجميع العلامة الممثلة للفم والدال طائر يعطي الشكل الرمزي الذي يفيد معنى «غناء»، والجمع بين الرسم الذي يرمز إلى «امراة» بنظيره الذي يرمز إلى «طفل» يمثل مفهوم «خير»؛ وعلى العكس، فتجاور ثلاث علامات ممثلة للمرأة يفيد معنى «خصومة» أو «شر»! وهكذا، فكل إيديوغرام يحتوي على مجموعة كاملة من الدوال المتداخلة في بعضها البعض، والتي تسمح للقارئ، حتى لو كان لا يعرف المعنى الدقيق لإيديوغرام ما، بأن يمنحه معنى.

في الوقت نفسه، من المفيد ملاحظة أن هذه الكتابة تلازمُ فكرا فلسفيا تهيمن عليه مفاهيم الاستمرار والشمول (بالنسبة للصينيين، كل شيء هو سياق وجزء من سياق)، وطرق تفكير تفضل التطابقات والتشابهات والاستعارات بدلا من التفكير التحليلي العقلاني العزيز على ثقافتنا الغربية.

ولا شك في أهمية الحوامل المادية التي تنقُلُ المعرفة. فلُفافة ورق البردي ولفافة الرقعة تفرضان على الرؤية، وبالتالي على الخطاب والتفكير، مسارا يتطوَّر في تسلسل زمني أو منطقي، بحيثُ لا يسهل الرجوع إلى الوراء أو تخطي مقاطع من النص المقروء. وخليفةُ اللفافتين السابقتين – وهو الكتاب – يفرض أيضا ترتيبا للفصول، إلا أنه يسمح بدرجة أكبر من الحرية، إذ يمكنُ تصفحه، والقفز على صفحات، وبدء القراءة من النهاية، وما إلى ذلك. فماذا عن الابتكارات التكنولوجية في مجال الحوامل وطرق نقل المعرفة التي هي في متناولنا اليوم؟

يجبُ أن نفكر أولا في الدور الذي لعبه البُعدُ البصري في ثقافتنا، وخاصة في شكل الصورة المتحركة. فمن الواضح أنها أصبحت وسيلة ثقافية سائدة مقارنة بالكتابة. ولكن، هل حللنا بما فيه الكفاية تطور الخطاب السينمائي والتلفزيوني، خصوصا في أكثر الإنتاجات شعبية لدى الجمهور الأصغر سنا؟ هل قيمنا آثار جماليات مقاطع الفيديو، وهي تسلسلات قصيرة من تعاقب سريع للصور تُحدثُ أحاسيس ومشاعر دون البحث عن التماسك السردي؟ بشكل عام، سواء تعلق الأمر بالتلفزيون أو السينما، أظنُّ أن الإنتاجات الثقافية الضخمة – وهي علاوة على ذلك الأكثر شعبية بين جمهور الشباب – تهدف إلى إثارة عواطف فورية قوية أو حتى عنيفة، وكأنَّ أولوية الوجدان على التفكير تميز على نحو متزايد التواصلَ السمعي البصري، بما في ذلك الوثائق والمعلومات، بحيثُ تتفوق «صدمة الصور» على «وزن الكلمات» بشكل متزايد.

بالإضافة إلى ذلك، تتيحُ الأجهزة التقنية المعاصرة ممارسات ثقافية جديدة: كان من غير المعتاد كثيرا قراءة روايتين في وقت واحد. أما اليوم، فلدينا جهاز التحكم عن بعد أو الرمز القضيبي الجديد الذي أصبح التحكم فيه القضية الرئيسية للسلطة داخل الأسر. فالمتحكم فيه يستطيع، مع حد أدنى من التدريب، أن يتابع على نحو ما فيلمين في وقت واحد ويُبقي عينا على منافسة رياضية، وأخرى على تصفح نشرة البرامج الأسبوعية القادمة. وقد برعَ ريمون ديفوس في إظهار الارتباك الذي يمكن أن ينتجه هذا النوع من التجربة الذي تتعدد فيه المشاهدة المتناوبَة، بحيثُ تتم مشاهدة مسلسل إيمانويلا [الإيروتيكي] وسيرة القديسة تيريزا [الصوفي]، على سبيل المثال.

وتظل الحقيقة أن اصطلاح التقليب يميل إلى التمدد تدريجيا إلى العديد من المجالات المختلفة، ويبدو أن الاستخدام الواسع للكلمة يعكسُ اتساع انتشار السلوك الذي تشير إليه. مرة أخرى، يظهر الأطفال والمراهقون عادة أكثر كفاءة في كل هذه الممارسات من كبار السن، وكأن هناك تكييفا متزايدا للنوع البشري مع هذه التقنيات من جيل إلى لآخر.

علاوة على ذلك، يجب حساب الأمور الآن بالتدخل المتزايد لما يسمى «تكنولوجيات الاتصال الجديدة»: أي بانتشار استخدام المعلوماتية وتزايده في كل القطاعات، ليس فقط لإنجاز مختلف العمليات والمهام، بل وكذلك للتواصل عبر شبكات مترابطة ضخمة تغطي كوكبنا بكامله. وسماتُ هذه التكنولوجيات الجديدة الأساسية هي:

  • ترابط الآلات والمؤسسات الذي يسمح بالوصول الفوري إلى مصادر المعرفة الواسعة.
  • تزايد مكانة الصورة هنا أيضا؛ تُستخدَمُ أشرطة فيديو رقمية، ويتوقع أن يتزايد الارتباط الوثيق بين التلفزيون والمعلوماتية في المستقبل بفضل تقدم تقنيات الضَّغط وارتفاع صبيب نقل البيانات وسرعة معالجة الآلات؛
  • عدم اختفاء الكتابة حتى الآن، بل على العكس تتكون شبكة الأنترنت أساسا من صفحات وثائق نصية، ولكن يتم استخدام الكتابة بعدد من الميزات؛ لصعوبة قراءة نص طويل على شاشة الحاسوب، يتم تقطيعه إلى صفحات-شاشات يمكن تصفح كل واحدة منها بسرعة من خلال نظرة واحدة. ولكن الجدة تكمن، قبل كل شيء، في كيفية التحرك داخل النص أو الانتقال من نص لآخر، ليس وفقا للمنطق الخِطابي، بل عن طريق «التصفح» أو «ركوب الأمواج» من خلال تفعيل روابط ترتبط بكلمة أو بصورة، ويذلك يقوم التصفح في شبكة الأنترنت على مفهوم النص التشعبي.

تذكير موجز بما هو النص التشعبي: يرتكز هذا المفهوم الجديد، في الواقع، على مفهوم تخاطر الأفكار الذي كان فرويد أول من تطرق له. ويُعرف النص التشعبي بأنه نظام تفاعلي يتيح بناء وإدارة وصلات دلالية بين أشياء يمكن تحديدها داخل مجموعة من الوثائق؛ مما يُتيحُ الانتقال، أثناء القراءة على الشاشة، من نص لآخر انطلاقا من كلمة – مفتاح أو من رسم توضيحي. ويمكن ربط جميع معلومات التي تتضمنها الوثائق المعروضة للقراءة على حامل معلوماتي ببعضها البعض بواسطة «روابط».

نكون أمام نص تشعبي عندما تكون الكائنات أو الأشياء هي عناصر النص، ونكون أمام وسيط تشعبي (أو نص مرفَّل) عندما تضاف إلى النص صور ذات بعدين أو ثلاثية الأبعاد، وتسلسلات متحركة. اخترع مفهوم النص التشعبي عالم الرياضيات فانيفار بوش، الأستاذ في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، ووصفَ مبدأ هذا النص في مقال نشره في عام 1945، مُعيدا فكرة أن الدماغ البشري يعمل عن طريق التخاطرات.

واقترح إطلاق اسم ميمكس memex على جهاز يمكنه أن يخزن سائر أنواع الوثائق والنصوص (كتب، وما إلى ذلك)، ويخزنُ أيضا ملاحظات شخصية، وأفكارا، بحيثُ يمكن العثور عليها بسرعة وسهولة. واستند بوش على مفهوم اشتغال الدماغ البشري بالتخاطر، فاقترح تنظيم وثائق جهازه استنادا إلى هذا المبدإ. وقد عرَّف مفاهيم هامة، لا سيما مفهومي الرابط والعقدة، ولكن تحقيق مشروعه تعثر بسبب عقبات تكنولوجية: ففي ذلك الوقت، كان من الصعب تصميم ذلك الجهاز بآلات قراءة البطاقات المثقبة المستعملة آنذاك.

وفي مستهل سنوات 1970، تصور باحث شاب عضو في حركة الثقافة الأمريكية المضادة، اسمه تيد نلسون، نظاما أطلق عليه اسم زانادو (من اسم قصر الأحلام الذي ذكره الشاعر كولريدج في قصيدته قبلة خان، وذكره من بعده أورين ويل في قصيدته المواطن خان). في كتاب نلسون  Computer Lib/Dream Machines (*) الصادر عام 1975، نجد لأول مرة مفهومي النص التشعبي والوسيط التشعبي (أو النصّ المرَفَّل) وسائر المفاهيم المرتبطة بالنص التشعبي الشائعة اليوم. بيد أن هذه المشروع بدا طوباويا، ولم يتحقق.

بعد أول إنجاز ملموس – وهو نظام الهايبركارد الذي صممه بيل أتكينسون لأجهزة كمبيوتر شركة أبل، وهي أول الحواسيب التي توفرت على الماوس الشهيرة -، لم يعرف هذان المفهومان تجسيدهما الكامل إلا مع تطوير الشبكة العالمية العنكبوتية (World Wide Web : حرفيا: شبكة العنكبوت على نطاق عالمي).

وضعت وزارة الدفاع الأمريكية في عام 1960 نظام اتصالات بأجهزة كمبيوتر متصلة بشبكة أربانت (Arpanet)، لأغراض عسكرية في المقام الأول (الحرب الباردة)، ميزته أنه لا يتوفر على بنية مركزية، إذ تحافظ كل عقدة على استقلاليتها. بالإضافة إلى ذلك، تسمح هذه الشبكة لمجرد حاسوب صغير أن يتصل بحاسب آلي عملاق. في سنوات 1980، انتقلت إدارة هذه الشبكة إلى مؤسسة العلوم الوطنية، وهي المعادل الأمريكي للمركز الوطني للبحث العلمي الفرنسي، فأطلقت عليه اسما جديدا هو الأنترنت، وجعلته في متناول المجتمع العلمي. وفي عام 1989، أنشأ الشبكة العالمية باحث في مركز الدراسات والأبحاث النووية بجنيف اسمه تيم بِرْنس – لي (مستوحيا أفكار تيد نيلسون). أنشأها في البداية لتبادل البحوث والأعمال الجارية في مركز الدراسات والأبحاث النووية بين أعضاء المركز المقيمين في بلدان مختلفة. وتدريجيا ستصبح الشبكة نظاما مُعمما لنقل المعلومات بين أجهزة الكمبيوتر، في الجامعات ومختبرات الأبحاث والشركات. وفي بضع سنوات، تمّ تصميم واجهات رسومية وبرامج تصفُّح تسمح بالتجول وسط الشبكة الواسعة، فأصبح بإمكان الجمهور أن يستعمل هذا النوع من الاتصالات الذي كان مخصصا في البداية لمجموعة من الخبراء والمختصين.

والشبكة العنكبوتية العالمية (منها تأتي حروف W ثلاثة التي تبدأ بها معظم المواقع) هي في الواقع كونٌ من المعلومات المترابطة بروابط تشعبية على شبكة الانترنت.

لزيارة صفحة ويب، أي للوصول إلى نقطة من هذه الشبكة («موقع»)، يجب كتابة عنوانها بدقة أو – وهذا أسهل – «النقر» على كلمة تحتها سطرٌ عموما، أو على صورة، أو على الفقرة التي يتحول مؤشر الماوس فوقها إلى يد صغيرة. وهذا يعني أن في هذا المكان وصلة تشعبية تشير إلى «عنوان»، أي إلى منطقة أخرى داخل النص نفسه أو إلى صفحة أخرى قد توجد داخل الموقع نفسه أو في موقع آخر يمكن أن يكون في الطرف الآخر من الكرة الأرضية، وأن المتصفح سوف يستدعيه بمجرد النقر على الوصلة.

بذلك، فكل مستعمل لشبكة الأنترنت يستخدم النص التشعبي دون أن يعلم، ومجرد نقرة ماوس على كلمة مَّا تمكن من الوصول إلى موقع قريب أو بعيد، وهناك قد تظهر وصلاتٌ أخرى يمكن أن تكون صورا أو نصوصا أو ملفات صوتية، نظريا إلى ما لا نهاية (فكرتا فانيفار بوش وتيد نيلسون الطوباويتان هما ما تحققتا اليوم تقنيا على الأقل).

لا شك أن هذا التصفح بلا حُدود شيء رائع، وهو ينضم – إلى حد ما – إلى تجربة القارئ مع القاموس، حيثُ يحيلُ كل تعريف إلى تعريفات أخرى، ولكننا مع النص التشعبي نجد أنفسنا في بُعد كوكَبي، حيثُ لا ننتقل من صفحة لأخرى في الكتاب نفسه، بل من جانب من العالم إلى جانب آخر. هذا رائع، لكن فيه أيضا مخاطرة بالارتباك وبفقدان المعايير المرجعية الزمانية المكانية، إذ انطلاقا من كلمة ما، يمكن للمرء أن يقضي ليلة كاملة في التجوال، وبذلك لا يتردد البعض في الحديث عن إدمان جديد، والبعض الآخر في التنديد بمجازفة تعرض مدمني العالم الافتراضي للانفصال عن الواقع.

ولكن النص التشعبي لا يرتبط فقط بالأنترنت، فهو نمط للتنقل ينتشر بشكل متزايد في استشارة مجموعة كبيرة من الوثائق المرقمنة: معظم الأقراص المدمجة – لاسيما الموسوعات – منظمة تبعا لهذا المبدأ، وبالتالي يمكن القول بأن نمطا جديدا للقراءة، واستخداما جديدا للنص المكتوب هو بصدد الانتشار على نطاق واسع.

يجب ملاحظة أنه، في الكلام الشائع، يتم استعمال الكلمة الفرنسية الأنجليزية surfing (التزلج على الأمواج) بدل استخدام الاصطلاح الرسمي المشير إلى هذا النوع من الاستشارة، وهو «إبحار» أو «تصفح». ومعنى ذلك أنَّ معظم الجمهور يستعمل استعارة هؤلاء الرياضيين الشباب الذين يتحركون بسرعة في تجاويف الأمواج، ساعين في الوقت نفسه إلى البقاء فوق السطح وكأنهم يحلقون فوقه. لا شك أنَّ هذا التشبيه ينطوي على حقيقة عميقة تدل على علاقة جديدة بالكائنات الثقافية يهيمن عليها مفهوما السرعة والفورية، ولكن أيضا السطحية. وهكذا، يبدو أنَّ «التقليب» و«التزلج فوق الأمواج» مدعوان ليصبحا الكلمتين الرئيسيتين لثقافة تتألف من تمثلات مجزأة، وجزيرات من المعرفة غير المتماسكة. وللمضي أبعد، إذا كان استخدام (اصطلاح) النص التشعبي يتعمم على نحو متزايد، مع الميل إلى تفضيل نمط التفكير التخاطري على الخطاب المنطقي والسرد، لا يؤدي إلى تغيير في الاشتغال المعرفي، فربما يجب أن يكون هناك تكيف مع النظم الإلكترونية والمعلوماتية التي، (بوصفها) أكثر من أدوات، فمن شأنها أن تصبح أطرافا اصطناعية لا غنى عنها تقريبا.

أظنُّ من الصعب اعتبار جميع هذه التكنولوجيات الجديدة مجرد موضة عابرة، إذ يبدو أننا لسنا سوى في بداية تطور هذه التقنيات وأنها مقبلة على النمو من حيث الوفرة والسلطة وغنى الفرص التي تتيحها للمستخدم – المستهلك، وبالتالي ستواصلُ توسيع نطاقها واحتلالها مكانة متزايدة في حياتنا اليومية. فأي مكان ستأخذه في تعليم الغد؟

في الرواية الرسمية – رواية التربية الوطنية -، يضطلع معلمون أكفاء في المعلوماتية بقدر ما هم مثقفون بمهمة تعليم التلاميذ استخدام هذه التقنيات بتبصُّر. ولكن هذه التكنولوجيات ليست سوى مكملات للكتاب الذي لازال يحتفظ بتفوقه. هناك الكثير من القرائن التي تناقض هذه الرؤية، إذ نعلم بالفعل أن هذه الأجهزة تجذبُ الأطفال في كثير من الأحيان على حساب الكتابة التقليدية، كما نعرف قدرة المراهقين على الالتفاف على استخدامها لتلبية مختلف الاحتياجات والمتع. في الواقع، نعلم جيدا أنه يمكن العثور على كل شيء في شبكة الأنترنت؛ فعددُ المواقع الجنسية أكبر بكثير من عدد المتاحف الافتراضية، ثم كل الآباء والأمهات الذين حاولوا أن يفرضوا على أبنائهم اتصالا متزنا ومُعتدلا بشبكة الأنترنت يعرفون أنَّ هذا التحكم يبقى وهميا، باستثناء ما إذا تمَّ فصل الجهاز نهائيا عن الكهرباء!

وبالعودة إلى مسألة وصول الأطفال إلى المعرفة والثقافة، من المشروع أن نتساءل عن برامج النظام التعليمي الفرنسي، وخاصة في المرحلة الثانوية الذي ظل، رغم بعض التطورات، وفيا لنموذج «الإنسانيات» وللمثل الأعلى لإنسان القرن XVII المستقيم. ماذا سيصير تدريس التاريخ، في عالم يشهد تحولا تكنولوجيا مستمرا، حيث تجعلُ ذاكرة الحاسوب اللامحدودة عمليا من غير المجدي التعلم الشاق بناء على جدول زمني؟ ألا تؤدي قيود القراءة على الشاشة حتما إلى اختزال عرض المعرفة إلى اختصارات، ومُلخصَّات، تأخذ في أقصى حد شكل صفحة – شاشة؟ وبإضافة هذه الظروف إلى المسألة المذكورة أعلاه المتعلقة بتراجع التفكير الخِطَابي والسردي، فهي قد تجازف بحصر الوصول إلى قسم كبير من الأدب والفلسفة في عدد قليل من المتخصصين، كما هو الحال اليوم مع النصوص اليونانية أو اللاتينية.

وبشكل أعم، لماذا التعلم عندما تكون المعرفة كلها متاحة افتراضيا بنقرة ماوس؟ قد يكون التعلم المفيد الوحيد هو استخدام أقوى محركات البحث. ولكن مشكلة الشأن الافتراضي هي أنه يميل إلى بقائه افتراضيا. يمكن أن نسكن عدة سنوات قريبا من متحف رائع دون أن ندخله أبدا لأننا نعرف أن الوصول إليه سهل.

يجب أيضا التساؤل عما إذا كانت هذه التقنيات ليست مقبلة على تحويل علاقاتنا الاجتماعية بعمق: لماذا التنقل والاجتماع لمزاولة أنشطة يمكن القيام بها من الحاسوب المتوفر في كل بيت؟ يحلم البعض بعالم سيُعفي فيه العمل عن بُعد من التنقل اليومي الممل والمكلف، وهناك تجارب في هذا المجال؛ هناك أيضا تجارب الاستشارات الطبية عن بُعد وحتى في الطب العقلي عن بُعد! بعد كل شيء. فقد أثبت لنا باحثون (ثريفارتن وموراي) أن تفاعلات الرضيع مع أمه يمكن أن تم بشكل كامل من خلال جهاز فيديو مزوج (2). وبالفعل، فقد نشر طبيب أمراض عقلية من جامعة كانساس تجربته المتألفة من ألف استشارة عن بُعد، في الطب العقلي للأطفال والمراهقين، في المناطق الريفية. وهو يعتقد أنَّ جودة التفاعلات بين الطبيب والمريض مماثلة لجودة المقابلة وجها لوجه. لماذا لا يُعمَّمُ التعليم عن بعد؟ ما الجيد في المدرسة؟ وبعبارة الفعالية، ما الفائدة في جمع 500 أو 600 مراهق في مبنى واحد، مع كل العيوب والمخاطر التي ينطوي عليها هذا الجمع؟ قد يكون التعليم عن بُعد حلا للعنف المدرسي. وبالتالي يمكن أن نحلم (وهذا ما لا يتردد البعضُ في القيام به، ما لم يكن هذا كابوسا) بمجتمع رُهابي يحتمي بأرضه الحميمة، ولكن في اتصال مستمر مع العالم الخارجي.

 

وفي الختام

لا يخامرني شك في أن هذه التكنولوجيات الجديدة التي تحوِّل حياتنا اليومية حاليا تغيِّرُ أيضا، في الوقت نفسه ودون علمنا، نَمط تمثلاتنا على غرار ما حوَّلتْ إدراكَنا للعالم وتصورنا له تقنياتُ التنقل في المكان المبتكرة في القرن التاسع. ليست التكنولوجيات الجديدة مجرد أدوات من بين أدوات أخرى: فهي تحول علاقتنا بالمعرفة وتتطلب إعادة النظر في طرق التدريس. بدلا من مراكمة المعرفة، ألا ينبغي لها أن تستهدف أكثر فأكثر تعلم كيفية العثور على المعلومات، والمقارنة بينها، ونقدها، وإخضاعها للتفكير؟ يتعيَّنُ خلق الرغبة في – والاهتمام بـ – هذه الكنوز الثقافية الموجودة في الشبكات، في متناول اليد، ولكنها غير معروفة. وككل ابتكار تقني، فهي ذات معنى مزدوج: بعض المخاطر وآثار إيجابية لا زال من الصعب تمييزها اليوم. علاوة على ذلك، فتأثيراتها العميقة في أنماط الحياة والعلاقات البشرية لا تعتمد فقط على التقنيات نفسها، بل تعتمد أكثر على البنيات الاجتماعية والعائلية التي تأخذ فيها مكانتها وتمنحها معنى. من هذه الوجهة للنظر، يبدو لي أن في الجانب البيولوجي والوراثي من الأسئلة ودواعي القلق أكثر مما في جانب الآلات التي سنتحكم فيها في نهاية المطاف.

كلود بيرسزتيجن Claude Bursztejn

بروفيسور طب مرض الأطفال العقلي بستراسبورغ (فرنسا)

 

هوامش

(*) «Computer Lib هو كتاب ألفه تيد نلسون ونشره المؤلف نفسه، في عام 1974، ثم ضمَّ إلى كتاب آخر عنوانه Dream Machines، من تـاليف نلسون أيضا (…) ويُعتبر كتاب نلسون بيانا فكريا ألهم جيلا من هواة الحواسيب». عن موسوعة ويكيبيديا (الأنجليزية)، مادة: Computer Lib / Dream Machines. (المترجم).

(1)  Cf. Georges Jean, L’écriture mémoire des hommes, Paris, Gallimard, 1987.

(2) في المراقبة السريرية التي فكرتُ في حكايتها، تخيلت استشارة طبّعَقلية تأخذ شكل نقل عن بُعد بجهاز فيديو. ظننتُني هذا قد قمتُ بتحسُّبٍ متشائم. ولكن منذ بضعة أيام، جاء الطالب يطلب مني أن أكون عضوا في لجنة مناقشة أطروحته التي ذكر فيها تجربة استشارة طبعقلية، مرت عليها الآن أكثر من ثلاثة أعوام، تمت عبر جهاز اتصال عن بُعد. وبذلك يحدث دائما أن تعلموا بأشياء في وقت متأخر أكثر مما تظنون!

السابق
بيير ليفي Pierre Lévy:  النـــــــص  التشعبـي مرحلة جديدة في حياة اللغة /ترجمة محمد أسليم
التالي
جان كليمون Jean Clément: هل النص التشعبي التخييلي نوع أدبي جديد؟ /ترجمة محمد أسليم

اترك تعليقاً