أدب رقمي

فانيفار بوش: كما قد نعتقد / ترجمة البروفيسور أحمد شفيق الخطيب

كما قد نعتقد

تأليف ڤانيڤار بوش

مجلة الأطلنطي الشهرية يوليو 1945

__________________________________________________

نُشرت هذه المقالة أصلا في عدد يوليو 1945 من مجلة الأطلنطي الشهرية. ويعاد نشرها هنا بموافقتها.

وقد أعد النص الإلكتروني دنيس دوتشير، في إبريل 1994. فضلا أرسل بالتعليقات والتصويبات بالبريد الإلكتروني إلى العنوان dduchier @ csi.uottawa.ca.

__________________________________________________

بصفته مديرا لمكتب البحث العلمي والتنمية، تولى د. ڤانيڤار تنسيق أنشطة حوالي ستة آلاف من العلماء الأمريكيين الكبار فيما يتعلق بتطبيق العلم في مجال العمليات الحربية. وفي هذه المقالة المهمة يقدم حافزا للعلماء بعد أن توقف القتال. ويدعو إلى وجوب قيام رجال العلم بالاتجاه إلى المهمة الكبرى الخاصة بإتاحة مخزوننا الهائل من المعرفة. إذ إنه على امتداد سنوات كثيرة وسَّعت الاختراعات من القدرات الجسدية للإنسان أكثر مما فعلت لقدراته العقلية. فالمطارق السقَّاطة التي تضاعف قوة قبضات اليد، والمجهر الذي يُحدُّ إبصار العين، وآلات الدمار والاستشعار تمثل منتجات جديدة -غير أنها ليست النتائج النهائية- للعلم الحديث. ويقول د. بوش إن الأجهزة التي في متناول أيدينا الآن، لو تم تطويرها تطويرا مناسبا، سوف تتيح للإنسان الوصول إلى المعرفة الموروثة على مدار العصور، والسيطرة على هذه المعرفة. وينبغي أن يكون الوصول بهذه الأجهزة السلمية إلى الكمال الهدف الأول لعلمائنا وقد خرجوا من عملهم المتعلق بالحرب. ومثل خطاب إمرسون الشهير عام 1837 حول “العالِم الأمريكي”، فإن هذه المقالة للدكتور بوش تدعو إلى علاقة جديدة بين الإنسان المفكر وخلاصة معرفتنا. – المحرر

__________________________________________________

لم تكن هذه حربا تخص العالِم؛ بل كانت حربا أدى الجميع دورا فيها. فالعلماء، وقد دفنوا تنافسهم المهني القديم كما أملت عليهم القضية المشتركة، قد تعاونوا تعاونا عظيما وتعلموا الكثير. ولقد كان هذا حافزا على العمل في شراكة فعالة. والآن، فإنه بالنسبة لكثيرين، يبدو هذا الأمر وقد اقترب من نهايته. فماذا على العلماء أن يفعلوا بعد ذلك؟

فيما يتعلق بعلماء الأحياء، وبخاصة بالنسبة لعلماء الطب، فإنه لا يمكن أن يكون هناك كثير من التردد، لأن عملهم خلال الحرب لا يكاد يتطلب منهم أن يتركوا الطرق القديمة. ولقد تمكن كثير منهم بالفعل من المضي قدما في بحوثهم المتعلقة بالحرب في مختبراتهم الخاصة بوقت السلم المألوفة لهم.

ولقد كان علماء الفيزياء هم الذين حُوِّلوا عن مسارهم بخطى واسعة وبأعنف صورة، والذين تخلوا عن سعيهم الأكاديمي لصنع معدات تدمير غريبة، والذين اضطروا لابتكار وسائل جديدة لمواجهة مهامهم التي لم يتوقعوها. ولقد أدوا دورهم فيما يتعلق بالابتكارات التي مكَّنت من دحر العدو. وبذلوا جهدا متضافرا مع علماء الطبيعة عند حلفائنا. وأحسوا في أعماقهم بمتعة الإنجاز. ولقد مثلوا جزءا من فريق هائل. والآن، وقد أخذ السلام في الاقتراب، فإن المرء يتساءل أين سيجدون أهدافا تستحق منهم بذل قصارى جهدهم؟

(1)

أية فائدة دائمة نتجت عن استخدام الإنسان للعلم وللأجهزة الجديدة التي أتت بها بحوثه إلى الوجود؟ أولا، لقد زادت من سيطرته على بيئته المادية. وحسنت طعامه وملبسه ومأواه؛ وزادت من أمنه وحررته جزئيا من الخضوع لحياة العوز. كما أعطته معرفة أكبر بعملياته الحيوية بحيث حقق خلاصا متزايدا من المرض ومدى عمر أطول. وهي تلقي الضوء على وظائفه الفسيولوجية والنفسية، مما يَعِد بصحة عقلية أفضل.

ولقد أتاح العلم أسرع وسيلة تواصل بين الأفراد؛ فأتاح سجلا للأفكار، ومكَّن الإنسان من التحكم في ذلك السجل ومن الاقتباس منه بحيث تتطور المعرفة وتستمر خلال حياة جنس بشري وليس حياة فرد.

وهناك جبل متنام من البحوث. غير أن هناك دليلا متزايدا على أننا نعجز عن التقدم اليوم نظرا لتوسع التخصصات. فالباحث يذهله ما يتوصل إليه الباحثون الآخرون ونتائج الآلاف منهم — وهي نتائج لا يجد وقتا لاستيعابها، ناهيك عن أن يتذكرها، بمجرد ظهورها. إلا أن التخصص تزداد ضرورته من أجل التقدم، والجهد المبذول للتقريب بين فروع العلم يتسم بالسطحية نتيجة لذلك.

ومن وجهة النظر المهنية فإن طرق نقلنا لنتائج البحوث ومراجعتها قديمة بمقدار أجيال وهي الآن غير كافية تماما للوفاء بالغرض منها. فلو كان إجمالي الوقت الذي نقضيه في كتابة بحوث علمية وفي قراءتها يمكن تقييمه، فإن النسبة بين هذه الكميات من الوقت قد تكون مذهلة حقيقة. وأولئك الذين يحاولون مخلصين مجاراة الفكر الحالي، حتى في مجالات محدودة، عن طريق القراءة الدقيقة والمستمرة، قد يتجنبون اختبارا مصمما لمعرفة إلى أي حد يمكن للبحوث الخاصة بالشهر الماضي أن يستحضروها عندما يُطلب منهم ذلك. فلقد خسر العالم مفهوم مندل الخاص بقوانين الجينات لمدة جيل لأن ما نُشر عنه لم يصل إلى القلائل الذين كان بإمكانهم استيعابه وتطويره؛ وهذا النوع من المآسي يتكرر بدون شك حولنا من كل جانب، نظرا لأن الإنجازات المهمة حقا تضيع في زحام ما هو غير مهم.

ويبدو أن الصعوبة لا تكمن في أننا ننشر ما لا يستحق بالنظر إلى مدى اهتماماتنا في يومنا الحاضر وتنوع هذه الاهتمامات، بقدر ما أن النشر قد تم التوسع فيه بما يفوق كثيرا قدرتنا الحالية على الإفادة من السجل. ويتم حاليا التوسع في تلخيص التجربة الإنسانية بمعدل مذهل، والوسائل التي نستخدمها لنجوس خلال المتاهة حتى نصل إلى الموضوع المهم لحظيا هي نفسها التي استخدمناها أيام السفن ذات الأشرعة.

غير أن هناك علامات على حدوث تغير نظرا لخروج أجهزة حديثة إلى حيز الاستخدام. فالخلايا الكهرضوئية القادرة على رؤية الأشياء بالمعنى المادي، والتصوير المتقدم الذي يمكنه تسجيل ما يُرى بل ما لا يُرى، والأنابيب الثرميونية القادرة على التحكم في قوى شديدة تحت سيطرة طاقة أقل من تلك التي تستخدمها ناموسة لتحريك أجنحتها، وأنابيب أشعة الكاثود التي تتيح رؤية حدث من الصغر زمنيا بحيث يعد جزء من مليون من الثانية زمنا طويلا مقارنة به، والمعدات المتتابعة التي تنفذ سلاسل معقدة من الحركة بحيث يمكن الاعتماد عليها أكثر من أي مشغِّل بشري وبسرعة أكبر بآلاف المرات – توضح أن هناك الكثير من الآلات المعاونة الميكانيكية التي من خلالها يمكن تحقيق نقلة في السجلات العلمية.

منذ قرنين اخترع ليبنتز آلة حاسبة احتوت على معظم الملامح الأساسية للوحة المفاتيح الحديثة، ولكن لم تظهر إلى حيز الاستخدام في ذلك الحين. إذ إن اقتصاديات الموقف كانت ضدها: فقد كان العمل الذي يتطلبه بناؤها، قبل أيام الإنتاج الضخم، يتجاوز العمل الذي يوفره استخدامها، بالنظر إلى أن كل ما يمكنها إنجازه كان من الممكن محاكاته باستخدام القلم والورق بالقدر الكافي. وبالإضافة إلى ذلك، فقد كانت عرضة للتعطل كثيرا، بحيث لم يكن من المستطاع الاعتماد عليها؛ إذ إنه في ذلك الوقت وفيما بعده بكثير، كان التعقد وعدم الاعتمادية أمرين مترادفين.

ولم يتمكن بابدج، حتى بالدعم المتميز في كرمه المتوفر في عصره، من إنتاج آلته الحسابية الكبرى. وكانت فكرته سليمة بالقدر الكافي، غير أن تكاليف بنائها وصيانتها كانت باهظة حينئذ. فلو كان أحد ملوك الفراعنة قد أُعطى تصميمات مفصلة وواضحة لسيارة، ولو كان قد فهمها تماما، فإنه كان من الممكن استنزاف ثروات مملكته في سبيل صنع الأجزاء اللازمة لسيارة واحدة، ولكانت هذه السيارة فد تعطلت في أولى رحلاتها إلى الجيزة.

ولكن يمكن الآن تصنيع آلات ذات أجزاء قابلة للتغيير وذلك باقتصاد كبير في الجهد. وبالرغم من الكثير من التعقيد، فإنها تعمل بصورة يمكن الاعتماد عليها. لاحظ الآلة الكاتبة المتواضعة، أو كاميرا السينما، أو السيارة. وتوقفت الوصلات الكهربية عن التعطل عندما تم فهمها فهما دقيقا. ولاحظ التبادل الهاتفي التلقائي الذي يشتمل على مئات الآلاف من هذه الوصلات، وبالرغم من ذلك فإنه يُعتمد عليه. والشبكة العنكبوتية من معدن ما، المعزولة في وعاء زجاجي رفيع، وسلك يتم تسخينه حتى اللمعان، وباختصار، الأنبوب الثرميوني في أجهزة المذياع، يصنع بمئات الملايين، ويوضع في مغلفات، ويوصل بمقابس الكهرباء — ويعمل ! وأجزاؤه الدقيقة، ووضع الأجزاء في مكانها بدقة والمحاذاة اللازمان لصنعه كان من شأنها أن تشغل حِرفيا متميزا لمدة شهور؛ أما الآن فإنه يصنع بتكلفة تبلغ ثلاثين سنتا. ولقد وصل العالَم إلى عصر الأجهزة المعقدة الرخيصة التي تتمتع باعتمادية عالية؛ ولابد أن شيئا سيترتب على ذلك.

(2)

ولا بد للسجل، إذا ما أردنا أن يكون مفيدا للعلم، من أن يتوسع باستمرار، ولا بد من أن يخزن، وقبل كل شيء لا بد من أن يُرجع إليه. واليوم فإننا نصنع السجل تقليديا عن طريق الكتابة والتصوير، ويلي ذلك الطباعة؛ ولكننا نسجل أيضا على الفيلم، وأسطوانات الشمع، والأسلاك المغناطيسية. وحتى لو لم تظهر وسائل تسجيل جديدة تماما، فإنه من المؤكد أن الوسائل الحالية تمر بعملية تعديل وتوسيع.

ومن المؤكد أن التقدم في التصوير لن يتوقف. إذ إن المواد والعدسات الأسرع، والكاميرات الأكثر تلقائية، والمركبات الحساسة ذات الحبيبات الأدق لكي تسمح بوجود فكرة الكاميرا الصغيرة الحجم، جميعها أمور على وشك التحقق. ولنتصور هذا الاتجاه مقدما من خلال نتيجة منطقية، إن لم تكن حتمية. إذ إن هاوي التصوير في المستقبل سوف يضع على جبهته جسما أكبر قليلا من ثمرة الجوز. وتلتقط صورا 3 ملليمترات مربعة، تعرض فيما بعد وتكبَّر، وفي نهاية المطاف تنطوي على عدد مضروب في 10 أكثر من الممارسة الحالية. والعدسة ذات بؤرة شاملة، حتى أية مسافة تستوعبها العين المجردة، ببساطة لأنها ذات بُعد بؤري قصير. وهنالك خلية كهرضوئية داخلية في ثمرة الجوز مثل تلك التي لدينا الآن في كاميرا واحدة على الأقل، حيث تعدِّل تعريض الفيلم تلقائيا طبقا لتنوع كبير في درجات الإضاءة. وهناك فيلم في حبة الجوز يتسع لمائة صورة، والزمبرك الذي يشغل مصراع الكاميرا والذي يحرك الفيلم يتم لفه تماما عندما يُدخل شريط الفيلم. وتقدم نتائجها بألوان كاملة. ومن الممكن جدا أن تكون مجسمة، وتسجل بعيون زجاجية موضوعة على مسافات معينة من بعضها البعض، إذ إن التحسينات الكبرى في تقنية التصوير المجسم قاب قوسين من الحدوث.

والحبل الذي يضغط على مصارعها قد يصل إلى كُم الإنسان قريبا من أصابعه. ضغطة سريعة، ويتم التقاط الصورة. وعلى زوج من شرائح الزجاج العادي يوجد مربع من الخطوط الرفيعة قرب قمة إحدى العدسات، حيث تكون بعيدة عن مسار الرؤية العادية. وعندما يظهر جسم في ذلك المربع فإنه يوضع على الخط من أجل التقاط صورته. وبينما يتجول العالِم في المستقبل في المعمل أو في الحقل، فإنه في كل مرة ينظر إلى شيء يستحق التسجيل، يضغط على مصراع الكاميرا فيدخل إليها مباشرة، حتى بدون صوت مسموع. هل هذا كله رائع؟ إن الشيء الوحيد الرائع بخصوصه هو فكرة صنع عدد الصور التي من شأنها أن تنتج عن استخدامها.

هل سيكون هناك تصوير جاف؟ إنه موجود بالفعل بصورتين. إذ عندما التقط برادي صوره الخاصة بالحرب الأهلية كان لا بد للصفيحة من أن تكون مبللة وقت التقاط الصورة. والآن فإنها بدلا من ذلك لا بد من أن تكون مبللة خلال التحميض. وفي المستقبل ربما لا تحتاج إلى أن تبلل على الإطلاق. إذ إن هناك منذ فترة طويلة أفلاما معالجة بصبغات الديازو تكوِّن صورة دون تحميض، بحيث تظهر بالفعل بمجرد تشغيل الكاميرا. ويدمر التعريض لغاز الأمونيا الصبغة التي لم يتم التقاط صور عليها، ومن ثم يمكن للصورة أن تُأخذ خارجا إلى الضوء وتُفحص. وهذه العملية بطيئة الآن، ولكن شخصا ما قد يتسبب في إسراعها، وليست هناك مشكلات تتعلق بالحبيبات كالتي تشغل حاليا الباحثين في التصوير. وكثيرا ما يكون من المفيد أن نتمكن من الضغط على الكاميرا ثم نرى الصورة فورا.

وهناك عملية أخرى الآن تتسم بالبطء أيضا، و مزعجة بعض الشيء. إذ إنه على مدار خمسين عاما كان الورق المعالج يُستخدم بحيث يتحول إلى اللون الداكن في جميع أجزائه عندما تلمسه شحنة كهربية، من جراء التغير الكيميائي الذي يحدث لمركب الأيودين الذي يحتوي عليه الورق. وقد استخدمت هذه الأوراق لصنع السجلات، إذ إن مؤشرا يتحرك عبرها يمكنه أن يترك أثرا خلفه. فإذا ما تغيرت القوة الكهربية للمؤشر أثناء تحركه فإن الخط يصبح فاتحا أو داكنا وفقا للقوة.

وهذه الحيلة تستخدم الآن في نقل صور طبق الأصل سلكيا. إذ يرسم المؤشر مجموعة من الخطوط المتقاربة المسافات على الورق واحدا تلو الآخر. وعندما يتحرك، فإن قوته تختلف وفقا لتيار متغير يتم استقباله على أسلاك من محطة بعيدة، حيث يتم إنتاج هذه الاختلافات بواسطة خلية كهرضوئية تقوم بمسح صورة بشكل مشابه. وفي كل لحظة فإن الخط الذي يجري رسمه يكون مساويا لدرجة عمق النقطة على الصورة التي تلاحظها الخلية الكهرضوئية. وعلى هذا، فإنه عندما تتم تغطية الصورة بأكملها، فإن صورة مطابقة تظهر على الجانب المستقبِل.

ويمكن للخلية الكهرضوئية أن تقوم بمسح منظر خطا خطا بالكيفية نفسها التي ننقل بها صورة للمنظر. وهذا الجهاز بأكمله يشتمل على كاميرا، مع جانب مضاف يمكن الاستغناء عنه إذا ما رغبنا في ذلك، ويتعلق بصنع صورته على البعد. وهي عملية بطيئة، وتفتقر الصورة إلى التفاصيل. إلا أنها تعطي صورة أخرى من عمليات التصوير الجاف يتم فيها الانتهاء من الصورة بمجرد التقاطها.

وقد يتطلب الأمر جرأة من الإنسان حتى يمكنه أن يتنبأ بأن مثل هذه العملية سوف تستمر مزعجة وبطيئة ومعيبة دائما. إذ إن معدات التليفزيون اليوم تبث ستة عشرة صورة معقولة الجودة في الثانية الواحدة، وتنطوي فقط على فرقين أساسين عن العملية التي وصفناها آنفا. أحدهما أن السجل يتم من خلال شعاع متحرك من الإلكترونات وليس عن طريق مؤشر متحرك، وذلك بسبب أن شعاع الإلكترون يمكن أن ينتقل عبر الصورة بسرعة كبيرة جدا حقا. أما الفرق الآخر فينطوي على مجرد استخدام شاشة تسطع لحظيا عندما تصطدم بها الإلكترونات، وليس من خلال ورق أو فيلم معالج كيميائيا يتم تعديله نهائيا. وهذه السرعة ضرورية في التليفزيون، إذ إن الصور المتحركة، وليس الصور الثابتة، هي الهدف.

استخدم فيلما معالجا كيميائيا بدلا من الشاشة التي تسطع بالضوء، واسمح للجهاز ببث صورة واحدة بدلا من تتابع من الصور فينتج عن ذلك كاميرا سريعة للتصوير الجاف. ويحتاج الفيلم المعالج إلى أن يكون أسرع كثيرا في الحركة من الأمثلة الحالية، ولكن من المحتمل أن يصبح كذلك. وأخطر من هذا هو الاعتراض القائل بأن هذا الأمر يتطلب وضع الفيلم داخل غرفة مفرغة الهواء، لأن الأشعة الإلكترونية تتصرف بشكل طبيعي فقط في مثل هذه البيئة المخلخلة. ويمكن تجنب هذه الصعوبة عن طريق السماح للشعاع الإلكتروني بالتحرك على أحد جانبي حاجز، ومن خلال ضغط الفيلم على الجانب الآخر، لو كان هذا الحاجز من شأنه أن يسمح للإلكترونات بالنفاذ عموديا إلى سطحه، ويمنعها من الانتشار خارجا على الجانبين. ومثل هذه الحواجز، بشكلها الأوَّلي، يمكن بالتأكيد صنعها، وهي لا تكاد تعوق التطور العام.

ومثل التصوير الجاف، فإن التصوير الدقيق الحجم ما زال أمامه طريق طويل. والفكرة الأساسية في تصغير حجم السجل، وفحصه من خلال العرض وليس مباشرة، أمامه احتمالات من الأهمية بحيث لا يمكن تجاهلها. والجمع بين العرض البصري وتصغير الصورة أسفر بالفعل عن بعض النتائج المتمثلة في الميكروفيلم من أجل الأغراض العلمية، والإمكانات موحية إلى حد بعيد. واليوم، مع وجود الميكروفيلم، فإنه يمكن استخدام مصغرات بعامل خطي مقدراه 20 وفي الوقت نفسه الحصول على وضوح تام عندما يعاد تكبير المادة بغرض فحصها. والحدود تضعها درجة حبيبية الفيلم، وجودة النظام البصري، وكفاءة مصادر الضوء المستخدمة. وجميع هذه الأمور تتحسن بسرعة.

تخيل نسبة خطية من 100 من أجل الاستخدام في المستقبل. تخيل فيلما له نفس سمك الورق، بالرغم من أن الأفلام الأقل سمكا سوف تكون صالحة للاستخدام بالتأكيد. وحتى في ظل هذه الظروف فإنه سيكون هناك عامل إجمالي من 10 آلاف بين حجم السجل العادي في شكل كتب، وصورته على ميكروفيلم. ويمكن تصغير دائرة المعارف البريطانية إلى حجم علبة ثقاب. ويمكن ضغط مكتبة تضم مليون مجلد إلى أحد طرفي طاولة. وإذا أنتج الجنس البشري، منذ اختراع المطبعة المتحركة سجلا إجماليا، على شكل مجلات، وصحف، وكتب، وكراسات دعاية، ومطبوعات إعلانية، ومراسلات يبلغ حجمها مليون كتاب، فإن الأمر كله حين يتم تجميعه وضغطه، يمكن أن يوضع في سيارة نقل متحركة. وبطبيعة الحال فإن مجرد الضغط ليس كافيا؛ إذ إن المرء يحتاج ليس فقط إلى صنع سجل وتخزينه، بل أيضا إلى أن يرجع إليه، وهذا الجانب من الأمر يأتي فيما بعد. إذ إنه حتى المكتبة الحديثة الضخمة لا يتم الرجوع إليها بأكملها؛ بل يرتادها عدد قليل.

إلا أن الضغط أمر مهم، عندما يتعلق الأمر بالتكلفة. فالمادة اللازمة لدائرة المعارف البريطانية على ميكروفيلم قد تكلف خمسة سنتات، ويمكن إرسالها بالبريد إلى أي مكان مقابل سنت. ماذا ستكون تكلفة طباعة مليون نسخة؟ وطباعة صفحة من صحيفة، بعدد ضخم، يكلف جزءا صغيرا من السنت. ويمكن للمادة الكاملة لدائرة المعارف البريطانية في شكلها المضغوط على ميكروفيلم أن تحتويها صفحة أبعادها ثماني بوصات ونصف × إحدى عشرة بوصة. وبمجرد توفرها، مع وسائل إعادة الإنتاج الفوتوغرافية في المستقبل، فإنه ربما أمكن إنتاج نسخ بكميات ضخمه بتكلفة سنت واحد للقطعة بالإضافة إلى تكلفة المواد. ماذا عن إعداد النسخة الأصلية؟ يعد هذا السؤال مدخلا إلى الجانب التالي من الموضوع.

(3)

ولكي نصنع السجل فإننا الآن نستخدم القلم أو نضغط على حروف آلة كاتبة. ثم تأتي عملية التنظيم والتصحيح، تتبعها عملية معقدة من تنضيد الحروف، والطباعة، والتوزيع. وإذا ما نظرنا إلى المرحلة الأولى من الإجراءات، هل سيتوقف المؤلف في المستقبل عن الكتابة بخط اليد أو الآلة الكاتبة ويتحدث مباشرة إلى السجل؟ إنه يفعل ذلك بطريقة غير مباشرة، من خلال الحديث إلى آلة اختزال أو أسطوانة شمعية؛ ولكن جميع العناصر حاضرة إذا ما أراد أن ينتج كلامه سجلا مطبوعا مباشرة. إذ إن كل ما هو بحاجة إليه هو أن يفيد من الآليات الموجودة وأن يغير لغته.

وفي معرض عالمي أقيم مؤخرا عُرضت آلة اسمهما ڤودر. إذ ضغطت فتاة على مفاتيحها فأخرجت كلاما مفهوما. ولم تدخل أية أحبال صوتية بشرية في العلمية في أية مرحلة؛ إذ إن المفاتيح جمعت بين بعض الذبذبات المنتجة إلكترونيا ومررتها إلى مكبر صوت. وفي معامل شركة بل هناك العكس من هذه الآلة، وتسمى ڤوكودر. ويحل محل مكبر الصوت ميكروفون يلتقط الصوت. تحدث إليه فتتحرك المفاتيح المناظرة. وهذا قد يكون أحد عناصر النظام المفترض.

أما العنصر الآخر فيوجد في آلة الاختزال، ذلك الاختراع المزعج إلى حد ما الذي نصادفه عادة في الاجتماعات العامة. إذ تضغط فتاة على مفاتيحه ببطء وتجيل النظر في الغرفة وأحيانا تحملق في المتحدث بصورة مزعجة. ومن الآلة يخرج شريط مطبوع يمثل بلغة مبسطة صوتيا سجلا لما يُفترض أن المتحدث قد قاله. وفيما بعد يعاد طبع هذا الشريط باللغة العادية، لأنه بصورته الأصلية لا يكون مفهوما إلا لمن لديه معرفة بالعملية. اجمع بين هذين العنصرين، دع الڤوكودر يشغِّل آلة الاختزال، وستكون النتيجة آلة تطبع عندما تتحدث إليها.

ليست لغاتنا الحالية مطوعة خاصة لهذا النوع من الميكنة، وهذا حقيقي. ومن الغريب أن مخترعي اللغات العالمية لم تطرأ لهم فكرة اختراع واحدة تناسب بشكل أفضل تقنية نقل الكلام وتسجيله. وقد تدفع الميكنة إلى هذا الأمر، وبخاصة في المجال العلمي؛ وعندها ستصبح المصطلحات العلمية أقل قابلية للفهم للإنسان العادي.

ويستطيع المرء الآن أن يتصور باحثا في المستقبل في معمله. يداه حرتان، وليس مقيد الحركة. وبينما يتجول ويلاحظ، يلتقط الصور ويعلق. ويسجِّل الوقت تلقائيا لكي يربط السجلين معا. فإذا ما ذهب إلى الميدان، يمكن أن يكون متصلا من خلال موجات الراديو بجهاز التسجيل الخاص به. وفي حين يدرس في المساء الملاحظات التي دونها، يتحدث بتعليقاته إلى السجل مرة ثانية. ويمكن لكلا السجل المطبوع وصوره أن تكون في صورة مصغرة، بحيث يمكنه عرضها لكي يفحصها.

إلا أنه لابد من حدوث الكثير، فيما بين جمع البيانات والملاحظات، أي استخلاص المادة الموازية من السجل الموجود، والإدخال النهائي للمادة الجديدة إلى الهيكل العام للسجل المشترك. إذ إنه بالنسبة للفكر الناضج ليس هناك بديل ميكانيكي. ولكن الفكر الإبداعي وبصفة أساسية الفكر التكراري يمثلان أمرين مختلفين كثيرا. وفيما يتعلق بالأخير، فإن هناك، وقد توجد، معينات آلية قوية.

إن عملية جمع عمود من الأرقام عملية فكرية تكرارية، ومنذ وقت طويل أحيلت – وهذا أمر مناسب- إلى الآلة. صحيح أن الآلة تتحكم فيها لوحة المفاتيح أحيانا، وأن فكرا من نوع ما يتدخل في قراءة الأرقام والضغط على المفاتيح المناظرة، ولكن حتى هذا الأمر يمكن تجنبه. فقد تم صنع آلات يمكنها قراءة الأرقام المطبوعة عن طريق الخلايا الكهرضوئية ثم تضغط على المفاتيح المناظرة؛ وهذه تجمع بين الخلايا الكهرضوئية من أجل مسح الأرقام المطبوعة، والدوائر الكهربية التي تحدد التغيرات الناتجة، ودوائر للنقل لتفسير النتائج ومن ثم عمل الملف اللولبي لجذب المفاتيح إلي أسفل.

وهناك حاجة إلى كل هذا التعقيد بسبب الطريقة المعقدة التي تعلمنا بها كتابة الأرقام. إذ إننا لو سجلناها وضعيا، ببساطة من خلال ترتيب مجموعة من النقط على بطاقة، فإن آلية القراءة التلقائية سوف تصبح بسيطة نسبيا. وفي حقيقة الأمر، إذا كانت النقط ثقوبا فإننا نحصل على آلة البطاقات المثقبة التي أنتجتها منذ وقت طويل شركة هولوريث من أجل أغراض تعداد السكان، والتي تستخدم الآن في جميع الشركات. وهناك بعض أنواع من الشركات التي يتسم نشاطها بالتعقيد لا تكاد يمكنها العمل بدون هذه الآلات.

والجمع هو عملية واحدة فقط. إذ إن إجراء العمليات الحسابية يشتمل أيضا على الطرح، والضرب، والقسمة، وبالإضافة إلى ذلك طريقة ما للتخزين المؤقت للنتائج، والحذف من المخزون بهدف مزيد من التحكم، وتسجيل النتائج النهائية بالطباعة. والآلات التي تحقق هذه الأغراض ذات نوعين الآن: آلات ذات لوحات مفاتيح من أجل إجراء الحسابات وما أشبه، ويتم التحكم فيها يدويا فيما يتعلق بإدخال البيانات، وعادة يتم التحكم فيها تلقائيا فيما يتعلق بتتابع العمليات؛ وآلات البطاقات المثقبة التي يتم فيها عادة إرسال عمليات منفصلة إلى سلسلة من الآلات، ثم تُنقل البطاقات نفسها من واحدة إلى أخرى. وكلا النوعين مفيد؛ ولكن فيما يتعلق بالحسابات المعقدة فإن كليهما مازال في المرحلة الجنينية.

ولقد ظهر العد الكهربي السريع بعد وقت قصير من اكتشاف علماء الطبيعة أنه من المرغوب فيه عد الأشعة الكونية. ولتحقيق أغراضهم سرعان ما قام علماء الطبيعة بصنع معدات الأنبوب الثرميوني التي تستطيع عد النبضات الكهربية بمعدل مائة ألف في الثانية. وسوف تكون الآلات الحسابية المتقدمة في المستقبل كهربية في طبيعتها، وسوف تعمل بسرعة تبلغ 100 مرة السرعات الحالية، أو أكثر.

وبالإضافة إلى ذلك، فإنها سوف تكون أكثر تنوعا من الآلات التجارية الحالية، بحيث يمكن تطويعها بسهولة لكي تناسب تنوعا كبيرا من العمليات. وسوف يتحكم فيها بطاقة أو فيلم تحكم ، وسوف تختار البيانات الخاصة بها وتتعامل معها وفقا للتعليمات المدخلة بهذه الكيفية، وسوف تُجرى عمليات حسابية معقدة بسرعات متناهية في سرعتها، وسوف تسجل النتائج بصيغة تجعلها متاحة بسهولة للتوزيع أو لمزيد من التعامل معها فيما بعد. وسوف تكون لهذه الآلات شهيات ضخمة. وسوف تأخذ واحدة منها تعليمات وبيانات من غرفة مليئة بالتقنيات المزودة بآلات ثقب بسيطة ذات لوحة مفاتيح، وسوف تُخرج صحائف من النتائج التي تم حسابها كل عدة دقائق. وسوف يكون هناك دائما كثير من الأشياء لحسابها في الشئون التفصيلية لملايين البشر الذين يقومون بأشياء معقدة.

(4)

غير أن العمليات الفكرية التكرارية لا تقتصر على أمور الحساب والإحصاء. وفي حقيقة الأمر، فإنه في كل مرة يربط المرء بين حقائق ويسجلها وفقا لعمليات منطقية مستقرة، فإن الجانب الخلاق من التفكير يتعلق فقط باختيار البيانات والعملية الواجب استخدامها، ويكون التعامل فيما بعد تكراريا في طبيعته، ومن ثم يعد أمرا مناسبا لإحالته إلى الآلة. ولم يتم إنجاز الكثير في هذه المجال، فيما وراء حدود علم الحساب، كما يمكن أن يحدث، وذلك أساسا بسبب الاقتصاديات المتعلقة بالوضع. إذ أكدت احتياجات الأعمال التجارية، والسوق الضخمة التي من الواضح أنها في الانتظار، قدوم آلات حسابية تنتَج بأعداد هائلة بمجرد تقدم وسائل الإنتاج تقدما كافيا.

وفيما يخص آلات التحليل المتقدم لم يكن هناك وجود لمثل هذا الوضع؛ لأنه لم تكن هناك، وليست هناك، سوق ضخمة؛ إذ إن مستخدمي الطرق المتقدمة للتعامل مع البيانات يشكلون جزءا صغيرا جدا من الناس. غير أنه هناك آلات لحل المعادلات التفاضلية — والمعادلات الوظيفية والتكاملية، فيما يخص هذا الأمر. وهناك الكثير من الآلات الخاصة مثل جهاز التأليف المتناغم الذي يتنبأ بحالات المد والجزر. وسوف يكون هناك عدد كبير آخر، يظهر بالتأكيد في البداية في أيدي العالِم وبأعداد صغيرة.

ولو اقتصر التفكير العلمي على العمليات المنطقية الخاصة بالحساب، فإنه لا يمكننا أن نذهب بعيدا في فهمنا للعالم المادي. بل إن المرء قد يحاول فهم لعبة البوكر فهما تاما عن طريق استخدام حساب الاحتمالات. وقد أدى العداد الذي تصطف حباته على أسلاك متوازية، بالعرب إلي العد بالخانات وإلى مفهوم الصفر وذلك قبل قرون كثيرة من توصل بقية العالم إليهما؛ ولقد كانت هذه أداة مفيدة — مفيدة لدرجة أنها مازالت موجودة.

ما أبعد الشقة بين العداد والآلة الحاسبة ذات لوحة المفاتيح. وسوف يستدعي الأمر خطوة مساوية نحو الآلة الحسابية في المستقبل. ولكن حتى هذه الآلة الجديدة لن تأخذ بيد العالِم إلي حيث يريد. إذ إنه لابد من ضمان الراحة من التعامل المفصل الممل مع الحسابات العليا أيضا، إذا ما أراد المستخدمون تحرير عقولهم من شيء أكثر من عمليات التحويل المفصلة التكرارية التي تتم وفقا لقواعد متفق عليها. فالعالِم بالحساب ليس إنسانا يمكنه بسهولة التعامل مع الأرقام؛ إذ إنه كثيرا ما لا يستطيع. بل إنه ليس إنسانا يستطيع بسهولة أن يقوم بتحويل المعادلات باستخدام حساب التفاضل والتكامل. ولكنه أساسا فرد ذو مهارة في استخدام المنطق الرمزي على مستوى عالٍ، وبصفة خاصة فإنه إنسان يتمتع بمقدرة مبنية على الحدس في اختيار عمليات التحكم التي يستخدمها.

وفوق كل شيء، فإنه ينبغي أن يكون قادرا على أن يتجه إلى آليته، بالثقة نفسها التي يتحول بها من دفع سيارة إلى الآلية المعقدة الكامنة تحت غطائها. حينئذ فقط يصبح علم الحساب مؤثرا عمليا في الإفادة من المعرفة المتنامية بعلم الذرة في إيجاد حل مفيد للمشكلات المتقدمة في الكيمياء، وعلم المعادن، وعلم الأحياء. ولهذا السبب سوف يكون هناك مزيد من الآلات تتعامل مع الحسابات المتقدمة من أجل خدمة العالِم. وسوف يكون بعضها غريبا بما فيه الكفاءة لكي يناسب أكثر الخبراء تدقيقا في مجالات الصناعة في الحضارة الحالية.

(5)

غير أن العالِم ليس هو الشخص الوحيد الذي يتعامل مع البيانات ويفحص العالَم من حوله من خلال استخدام العلميات المنطقية، وذلك بالرغم من أنه أحيانا يحافظ على هذا المظهر من خلال قيامه بضم أي شخص يتسم بالمنطقية إلي الزمرة، فيما يشبه كثيرا الطريقة التي يتم بها رفع زعيم عمال بريطاني إلى مرتبة فارس. وعندما تُستخدم العلميات المنطقية الخاصة بالفكر – أي عندما يجرى الفكر لبعض الوقت بشكل نمطي – فإن هناك فرصة أمام الآلة. فقد كان المنطق الصوري أداة حاسمة في يديِّ المعلم في شحذ أرواح طلابه. ومن الممكن بسهولة تصنيع آلة تتعامل مع مقدمات وفقا للمنطق الصوري، ببساطة من خلال استخدام دوائر النقل. ضع مجموعة من المقدمات داخل مثل هذه الآلة وأدر الذراع، وسوف تقوم بسهولة بإخراج نتيجة تلو أخرى، وجميعها وفقا لقانون المنطق، وبدون أية هنات أكثر مما نتوقعه من آلة جمع ذات لوحة مفاتيح.

ويمكن للمنطق أن يصبح صعبا صعوبة بالغة، وسيكون – بلا شك – من المفيد تحقيق المزيد من الطمأنة بشأن استخدامه. فلقد كانت الآلات الخاصة بالتحليل على المستوى الأعلى عادة آلات لحل المعادلات. وبدأت الآن أفكار في الظهور تتعلق بمحولات المعادلات، التي ستقوم بإعادة ترتيب العلاقة التي تعبر عنها معادلة وفقا لمنطق حازم ومتقدم إلى حد ما. غير أن التقدم تحول دونه الطريقة غير المصقولة تماما التي يعبر بها علماء الرياضيات عن علاقاتهم. إذ يستخدمون نظاما رمزيا ترعرع مثل توبسي، ويمتع بتوافق داخلي ضئيل؛ وهذه حقيقة غريبة في ذلك الحقل الذي يتمتع بأكثر درجات المنطقية.

وعلى ما يبدو فإنه لابد لنظام رمزي جديد، ربما نظري، من أن يسبق إحالة عمليات التحويل الرياضية إلى عمليات تقوم بها الآلات. حينئذ، فإنه فيما وراء المنطق الحازم لعالم الرياضيات، يقع تطبيق المنطق على الشؤون اليومية. إذ ربما نقوم ذات يوم بإلقاء نقاط جدل على إحدى الآلات بالثقة نفسها التي نُدخل بها علميات البيع والشراء إلى آلة تسجيل النقد. ولكن آلة المنطق لن تبدو مثل آلة تسجيل النقد، حتى النموذج المبسط منها.

لقد قلنا ما فيه الكفاية عن التعامل مع الأفكار وإدخالها إلي السجل. وحتى الآن يبدو أن حالنا أسوأ مما كان عليه من قبل — لأننا نستطيع التوسع في السجل توسعا هائلا؛ غير أنه، حتى في حجمه الحالي، لا نكاد يمكننا الرجوع إليه. وهذا أمر أكبر بكثير من مجرد استخراج البيانات لأغراض البحث العلمي؛ بل يشتمل على العملية الكاملة التي يستفيد الإنسان بمقتضاها من تراث معرفته المكتسبة. والفعل الأساسي في الاستخدام هو الاختيار، وهنا نحن في حالة توقف بالفعل. إذ ربما تكون هناك الملايين من الأفكار الجيدة، وشرح للخبرة التي تستند إليها، وجميعها تحدها جدران حجرية ذات شكل معماري مناسب؛ ولكن إذا ما استطاع العالِم الوصول إلى واحدة فقط كل أسبوع من خلال البحث المضني، فإن توليفته لا يحتمل أن تواكب الوضع الحالي.

والاختيار، بهذا المفهوم الواسع، بمثابة محطم الصخر في يدي المسئول. ولكن بالمعنى الضيق وفي مجالات أخرى، فقد تم عمل شيء بالفعل آليا بخصوص الاختيار. إذ إن المسئول عن شؤون الأفراد في مصنع يضع كومة من بطاقات عدة آلاف من العاملين داخل آلة اختيار، ويُدخل شفرة وفقا لتقليد متعارف عليه، فيحصل في وقت قصير على قائمة بالعاملين الذين يعيشون في ترنتون ويعرفون اللغة الإسبانية. وحتى مثل هذه الآلات تتسم بالبطء الشديد عندما يتعلق الأمر، مثلا، بالمزاوجة بين مجموعة من بصمات الأصابع وواحدة من خمسة ملايين تضمها السجلات. إذ إن آلات الاختيار من هذا النوع سرعان ما يتم إسراعها من معدلها الحالي الخاص بمراجعة البيانات بمعدل عدة مئات في الدقيقة. ومن خلال استخدام الخلايا الكهرضوئية والميكروفيلم فإنها تقوم باستعراض للبنود بمعدل آلاف في الثانية، وسوف تقوم بطباعة نسخ تخص أولئك الذين وقع عليهم الاختيار.

إلا أن هذه العلمية تقوم على الاختيار البسيط : إذ تمضي من خلال الفحص –بالدور- لكل واحد من مجموعة كبيرة من البنود، ومن خلال اختيار أولئك الذين يتمتعون بخصائص محددة معينة. وهناك شكل آخر من أشكال الاختيار يوضحها بأفضل صورة التبادل الهاتفي التلقائي. إذ إنك تقوم بإدارة رقم وتختار الآلة واحدا فقط من مليون هدف محتمل وتتصل به. إنها لا تمر بها جميعها. بل تعطي اهتماما فقط لفئة تخص الرقم الأول، وهلم جرا؛ وهكذا فإنها تمضي بسرعة وبدون خطأ تقريبا نحو الهدف المختار. ويتطلب الأمر عدة ثوان للقيام بالاختيار، بالرغم من أنه من الممكن تسريع العملية إذا ما كانت زيادة السرعة أمرا مقبولا اقتصاديا. وعند الضرورة، فإنه يمكن تسريعها إلي أقصى درجة من خلال إحلال الانتقال عن طريق الأنبوب الثرميوني محل الانتقال الميكانيكي، بحيث يمكن إنجاز عملية الاختيار بأكملها في واحد على المائة من الثانية. ولا يريد أحد أن ينفق المال اللازم لإتمام هذا التغيير في نظام الهاتف، ولكن الفكرة العامة قابلة للتطبيق في أي مجال آخر.

ولنأخذ مثالا المشكلة المعقدة الخاصة بالمتاجر الكبرى ذات الأقسام. ففي كل مرة يتم إجراء عملية بيع، فإن هناك عددا من الأمور لابد من أن تتم. إذ لابد من تعديل المتبقي من الوحدة المبيعة، ولابد من مكافأة البائع على عملية البيع، ولابد من بيان للحسابات العامة، وأهم من ذلك كله، لابد من أخذ النقود من الزبون. ولقد تم تطوير جهاز سجلات مركزي ينجز كثيرا من هذا العمل بسهولة. إذ يضع البائع على حامل بطاقة تحقيق شخصية الزبون، والبطاقة الخاصة به هو، والبطاقة المأخوذة من السلعة المبيعة — وجميعها بطاقات مثقبة. وعندما يجذب الرافعة، تتم اتصالات من خلال الثقوب، وتقوم آلات في نقطة مركزية بإجراءات الحسابات والمداخل الضرورية، ويتم طبع الإيصال المناسب لكي يسلمه البائع للزبون.

ولكن ربما يكون هناك عشرة آلاف زبون يتعاملون مع المتجر، وقبل أن يمكن للعملية أن تتم كاملا فإنه لابد لشخص ما من أن يختار البطاقة الصحيحة ويضعها في المكتب الرئيسي. والآن فإنه يمكن للاختيار السريع أن يضع البطاقة المناسبة في مكانها في ثانية أو اثنتين،ثم يعيدها فيما بعد. ولكن هناك صعوبة أخرى. إذ لا بد لشخص ما من أن يقرأ إجمالي قيمة البطاقة، بحيث يمكن للآلة أن تضيف السلعة المحسوب سعرها إليه. ومن المتصور أن البطاقة قد تكون من نوع التصوير الجاف الذي وصفته. والإجمالي الموجود يمكن حينئذ أن تقرأه الخلايا الكهرضوئية، ويتم إدخال الإجمالي الجديد عن طريق شعاع إلكتروني.

ويمكن أن تكون البطاقات في صورة مصغرة، بحيث تشغل حيزا صغيرا. ولابد من أن تتحرك بسرعة. وليس هناك ضرورة لأن تنتقل مسافات بعيدة، ولكن فقط إلى مكان بحيث تستطيع الخلية الكهرضوئية والمسجِّل أن يتعامل معها. ويمكن للنقط الموضوعة في أماكن معينة أن تُدخل البيانات. وفي نهاية الشهر، يمكن أن نجعل آلة تقرأ هذه البيانات وأن تطبع فاتورة عادية. أما في حالة اختيار الأنبوب، حيث لا توجد أجزاء ميكانيكية في الناقلات، هناك حاجة إلى وقت قصير في إحضار البطاقة الصحيحة تمهيدا لاستخدامها – وينبغي أن تكفي ثانية واحدة لإنجاز العملية كلها. ويمكن للسجل كله الموجود على البطاقة أن يتم عمله بالنقاط المغناطيسية على صحيفة من الصلب إذا ما رغبنا في ذلك، بدلا من النقاط التي لابد من ملاحظتها بصريا باتباع النظام الذي ابتكره بولستون منذ وقت طويل لوضع الكلام على سلك مغناطيسي. وتتميز هذه الطريقة بالبساطة وسرعة الإزالة. ولكن من خلال استخدام التصوير، يمكن للمرء أن يرتب لعرض السجل بشكل مكبَّر، وعلى البعد من خلال استخدام العملية المعروفة في معدات التليفزيون.

ويمكن للمرء أن يفكر في الاختيار السريع من هذا النوع، والعرض على البعد لأغراض أخرى. ويمثل التمكن من وضع صحيفة من مليون أمام الشخص الذي يشغلها في ثانية أو اثنتين، مع احتمال إضافة الملاحظات إليها حينئذ، أمرا موحيا بأكثر من طريقة. بل يمكن أن يكون ذا فائدة في المكتبات، غير أن هذه قصة أخرى. وعلى أية حال، فإنه هناك الآن بعض الصيغ المركبة المشوقة الممكن تحقيقها. إذ يستطيع المرء، على سبيل المثال، أن يتحدث إلى ميكروفون، بالطريقة الموصوفة فيما يتعلق بالآلة الحاسبة التي يتم تشغيلها بالكلام، ومن ثم يقوم بالاختيارات المناسبة له. ومن المؤكد أن هذا سوف يتفوق على عمل موظف الملفات المعتاد.

(6)

غير أن لب مسألة الاختيار ينطوي على أمر أعمق من تأخر المكتبات في استخدام الآليات، أو عدم تطوير وسائل لاستخدامها. إذ إن عدم كفاءتنا في الوصول إلى السجل تتسبب فيه بدرجة كبيرة اصطناعية نظم الفهرسة. فعندما يتم تخزين البيانات من أي نوع، فإنها تحفظ ألفبائيا أو تسلسليا وفقا للرقم، ويتم العثور على المعلومات (عندما يحدث ذلك) من خلال تتبعها من فئة صغرى إلى فئة صغرى أخرى. ويمكن أن توجد في مكان واحد فقط، اللهم إلا إذا تم استخدام نسخ مطابقة منها؛ ولابد للمرء من أن تكون لديه قواعد تتعلق بأي طريق يحدد مكانها، وهذه القواعد معقدة. وبالإضافة إلى ذلك، فإنه على المرء أن يخرج من المنظومة وأن يعيد الدخول من طريق جديد.

والعقل البشري لا يعمل بتلك الطريقة. بل يعمل بربط الأمور ببعضها. فمع وجود بند واحد في حوزته، ينطلق مباشرة إلى البند التالي الذي يوحي به ترابط الأفكار، وفقا لبعض الشبكات المعقدة من المتسلسلات التي تحملها خلايا المخ. وله خصائص أخرى، بطبيعة الحال، والمتسلسلات التي لا يتم اتباعها كثيرا عرضة للذبول، والبنود ليست دائمة دواما كاملا، والذاكرة مؤقتة. غير أن سرعة الحركة، وتعقد المتسلسلات وتفاصيل الصور الذهنية توحي بالرهبة أكثر مما يوحي به أي شيء آخر في الطبيعة.

ولا يمكن للإنسان أن يأمل تماما في محاكاة هذه العملية العقلية اصطناعيا، ولكن من المؤكد أنه ينبغي أن يكون قادرا على التعلم منها. بل إنه قد يحسِّن منها في نقاط ثانوية، لأن سجلاته تتمتع بديمومة نسبية. إلا أن الفكرة الأولى، التي تُستقي من وجه الشبه تتعلق بالاختيار. ويمكن للاختيار عن طريق الترابط، بدلا من الفهرسة، أن يتم ميكانيكيا. ولا يمكن أن يأمل المرء في محاكاة السرعة والمرونة التي يتتبع بها العقل متسلسلا من خلال الترابط، ولكن يجب أن يكون ممكنا التفوق على العقل تفوقا حاسما فيما يتعلق بديمومة البنود التي تستعاد من المخزون، ووضوح هذه البنود.

ولنتصور جهازا مستقبليا للاستعمال الفردي، عبارة عن ملف خاص ومكتبة مميكنتين. وهناك حاجة إلى إطلاق اسم عليه، فإذا أردنا صك اسم بصورة عشوائية فلنسمه “ميمكس”. والميمكس جهاز يخزن فيه المرء كل كتبه، وسجلاته، واتصالاته، ومميكن بحيث يمكن الرجوع إليه بأقصى درجة من السرعة والمرونة. وهو بهذا ملحق خاص موسع لذاكرته.

وهو يتكون من مكتب، وفي حين يُفترض أنه يمكن تشغيله على البعد فإنه –أساسا- قطعة الأثاث التي يعمل عليها. وعلى السطح هناك شاشات شبه شفافة مائلة يمكن عرض المواد عليها بهدف قراءتها بشكل مريح. وهناك لوحة مفاتيح، ومجموعات من الأزرار والروافع. وفيما عدا ذلك فإنه يبدو مثل مكتب عادي.

وفي أحد الطرفين توجد المادة المخزنة. ومسألة الحجم يتولى أمرها جيدا الميكروفيلم. ويخصص جزء صغير فقط من داخل الميمكس للتخزين. أما الباقي فللآلية. ومع ذلك فلو أدخل المستخدم 5000 صفحة من المواد يوميا فإنه هذا سوف يستلزم منه مئات السنين لكي يملأ مكان التخزين، ومن ثم فإن يمكن أن يسرف وأن يُدخل المواد بحرية.

ومعظم محتويات الميكمس يتم شراؤها على ميكروفيلم جاهز للإدخال. وهكذا يمكن الحصول على كتب من جميع الأنواع، والصور، والدوريات الحديثة، والصحف، ووضعها في المكان المناسب. وتتخذ المراسلات المتعلقة بالأعمال التجارية الطريق نفسه. وهناك إمكانية للإدخال المباشر. وعلى أعلى الميمكس توجد أسطوانة شفافة. وتوضع عليها ملاحظات مكتوبة بالخط العادي، وصور، ومذكرات، وجميع أنواع الأشياء. وعندما يوضع واحد منها في مكانه، فإن الضغط على رافعة يتسبب في نقل صورته إلى المكان الفارغ التالي في قسم من فيلم الميمكس، حيث يُستخدم التصوير الجاف.

وهناك، بطبيعة الحال، إتاحة للرجوع إلى السجل من خلال الطريقة المعتادة للفهرسة. وإذا رغب المستخدم في الرجوع إلى كتاب معين، فإنه يدخل شفرته من خلال لوحة المفاتيح، فتظهر صفحة عنوان الكتاب بسرعة أمامه، وتعرض على واحدة من مواقعه الخاصة بالعرض. والشفرات الكثيرة الاستخدام تذكِّر بنفسها بحيث أنه نادرا ما يرجع إلي سجل الشفرات الخاص به؛ ولكن عندما يفعل ذلك، فإن نقرة واحدة على مفتاح تعرضه له لكي يستخدمه. وبالإضافة إلى ذلك، فإن لديه روافع إضافية. وعند الضغط على واحدة من هذه الروافع إلي اليمين يتصفح الكتاب الذي أمامه، بحيث تعرض كل صفحة بدورها بسرعة تسمح فقط بإلقاء نظرة تتيح التعرف عليها. فإذا ضغط عليها ضغطا أكبر نحو اليمين فإنه ينتقل عبر الكتاب بمقدار 10 صفحات في كل مرة؛ ثم إلى الأمام بمعدل 100 صفحة في المرة. ويتيح الضغط إلى اليسار التحكم نفسه إلى الخلف.

وينقله زر خاص مباشرة إلى الصفحة الأولى من الفهرس. ويمكن بهذا استدعاء أي كتاب في مكتبته واستشارته بسهولة أكبر مما لو أخذ من على رف مكتبة. ونظرا لأن لديه أماكن عرض عديدة فإنه يمكن أن يترك أحد الكتب في مكانه في حين يستدعى آخر. ويمكنه إضافة ملاحظات وتعليقات هامشية، مستفيدا من نوع متاح من التصوير الجاف، بل ويمكن ترتيبها بحيث يمكن أن يفعل ذلك من خلال أداة على شكل مؤشر، مثل تلك التي تُستخدم الآن في اللافتة التي نراها في قاعات انتظار السكك الحديدية، تماما كما لو كانت الصفحة نفسها أمام عينيه.

(7)

وكل هذا أمر تقليدي، فيما عدا التنبؤ المسبق بالآلية والأجهزة الخاصة بيومنا الحالي. إلا أنه يقدم خطوة مباشرة نحو الفهرسة بالتوارد، الفكرة الأساسية فيها هي إتاحة بمقتضاها يتم جعل أي بند يختار بندا آخر مباشرة وتلقائيا عند الرغبة في ذلك. وهذه هي الخاصية الأساسية للميمكس. أما عملية ربط بندين معا فهي الشيء المهم.

وعندما ينشئ المستخدم متسلسلا فإنه يطلق اسما عليه، ويُدخل الاسم إلى سجل الشفرات الخاص به، ويرقُمه على لوحة مفاتيحه. وأمامه يظهر البندان اللذان يريد أن يربط بينهما، يعرضان على مكاني مشاهدة متقاربين. وفي أسفل كل منهما هناك عدد من فراغات الشفرة الخالية، ويضبط مؤشر لكي يشير إلى واحد منهما في كل بند. ويضغط المستخدم على مفتاح واحد، فيندمج البندان ارتباطا دائما. وفي كل فراغ شفرة تظهر كلمة الشفرة. وخارج نطاق الرؤية، ولكن أيضا في فراغ الشفرة، تُدخل مجموعة من النقاط لرؤيتها عن طريق الخلايا الكهرضوئية؛ وعلى كل بند تشير هذه النقاط من خلال أوضاعها إلى رقم الفهرسة الخاص بالبند الآخر.

وبعد ذلك، في أي وقت عندما يكون واحد من هذه البنود ظاهرا، فإن الآخر يمكن أن يستدعى من خلال الضغط على مفتاح أسفل الفراغ الخاص بالشفرة المعنية. وبالإضافة إلى ذلك، عندما يتم الربط بين بنود عديدة بهذه الكيفية لكي تكوِّن متسلسلا، فإنه يمكن مراجعتها واحدة تلو الأخرى، بسرعة أو ببطء، من خلال الضغط على رافعة مثل تلك المستخدمة في تقليب صفحات الكتاب. والأمر يشبه تماما الوضع كما لو كانت البنود نفسها قد تم تجميعها سويا لكي تكوِّن كتابا جديدا. ولكن الأمر أكثر من ذلك، لأن أي بند يمكن أن يتم دمجه في متسلسلات عديدة.

ولنقل إن مالك الميمكس مهتم بأصل القوس والسهم وخواصهما. وبالتحديد فإنه يدرس لماذا كان القوس التركي القصير أفضل -على ما يبدو- من القوس الإنجليزي الطويل في الاشتباكات خلال الحروب الصليبية. ولديه عشرات من الكتب والمقالات ذات الصلة في الميمكس الخاص به. إنه –أولا- يتصفح دائرة معارف، فيجد مقالا شائقا ولكنه مختصر، فيتركه معروضا. وبعد ذلك، يجد في كتاب تاريخ بندا آخر ذا علاقة، فيربط الاثنين معا. وهكذا يمضي في بناء متسلسل من عدة بنود. وعَرَضا يُدخل تعليقا من عنده، إما يربطه بالمتسلسل الرئيسي أو يربطه من خلال متسلسل فرعي ببند معين. وعندما يصبح واضحا أن الخصائص المرنة للمواد المتاحة لها علاقة وثيقة بالقوس، فإنه يتفرع من خلال متسلسل جانبي يأخذه إلى كتب عن المرونة وجداول الثوابت الفيزيائية. ويُدخل صفحة من التحليل الخاص به المكتوب بخط اليد. وبذا ينشئ متسلسلا خاصا بمجال اهتمامه من خلال العدد الضخم من المواد المتاحة له.

ومتسلسلاته لا تختفي. إذ بعد سنوات عديدة، فإن حديثا مع صديق يتطرق إلى الطرق غير المعتادة التي يقاوم بها الناس كل جديد، حتى تلك التي تتمتع بأهمية خاصة. ويضرب مثالا مؤداه أن الأوروبيين الأكثر تقدما ما زالوا فاشلين في تبني القوس التركي. وفي حقيقة الأمر فإنه لديه متسلسل حول هذا الأمر. وبلمسة واحدة يحضر سجل الشفرات أمامه. ويتسبب الضغط على عدة مفاتيح في عرض رأس المتسلسل. وهناك رافعة تستعرضه عند الحاجة، وتتوقف عند البنود الشائقة، وتتجاوز النقاط الجانبية. وهو متسلسل شائق، ذو صلة بموضوع المناقشة. ولذا فإنه يشغِّل جهاز إعادة إنتاج، ويصور المتسلسل كاملا، ويمرره إلى صديقه لكي يدخله إلى الميمكس الخاص به، حيث يمكن ربطه هناك بالمتسلسل الأكثر عمومية.

(8)

وسوف تظهر أشكال جديدة تماما من دوائر المعارف، ومجهزة بمجموعة هائلة من المتسلسلات المترابطة التي تتخللها، والجاهزة لإدخالها إلي الميمكس حيث يتم تكبيرها هناك. والمحامي سيكون لديه بلمسة منه آراء وقرارات خاصة بخبرته كلها، وخبرة أصدقائه وأساتذته. وسيكون متاحا لمحامي البراءات استدعاء ملايين البراءات التي تم إصدارها، مع متسلسلات مألوفة لكل نقطة في صالح موكله. والطبيب الذي تحيره ردود أفعال مريضه، سوف يستدعي المتسلسل الذي تكوَّن عند دراسة حالة مشابهة سابقة، ويستعرض بسرعة التاريخ المرضي لحالات شبيهة، مع إشارات جانبية للأدبيات الخاصة بالتشريح والهستولوجيا المناسبين. والكيميائي، الذي يناضل من أجل تركيب مركب عضوي، لديه جميع الأدبيات الكيميائية أمامه في المعمل، مع متسلسلات تتبع الحالات المشابهة من المركبات، ومتسلسلات جانبية خاصة بسلوكها الفيزيائي والكيميائي.

وعالِم التاريخ، الذي لديه معلومات تاريخية ضخمة عن شعب ما، يصنع سلسة متوازية تتوقف فقط عند النقاط الأساسية، ويمكنه أن يتتبع – في أي وقت- متسلسلات معاصرة تؤدي به إلى جميع المعلومات عن الحضارة في حقبة معينة. وستظهر مهنة جديدة تختص بتتبع المتسلسلات، أي أولئك الذين يجدون متعة في إيجاد متسلسلات مفيدة من خلال الحجم الهائل للسجل العام. ويصبح الميراث من أحد الأساتذة ليس فقط إضافاته إلى سجل العالم، ولكن فيما يخص طلابه، التراكم الكامل الذي تم عن طريقه بناء هذه الإضافات.

وهكذا فإن العلم يمكن أن يطبق الطرق التي يكوِّن بها الإنسان السجل الخاص بالجنس البشري ويخزنه ويرجع إليه. وربما كان من الجاذب للنظر ذكر الخطوط العريضة للأدوات في المستقبل بصورة أكثر جاذبية، بدلا من الالتزام بدقة بالطرق والعناصر المعروفة الآن والتي تمر بتحولات سريعة، كما حدث هنا. فقد تم –بالتأكيد- تجاهل الصعوبات الفنية بجميع ألوانها، ولكن تعرضت أيضا للتجاهل الوسائل غير المعروفة حتى الآن التي يمكن أن تأتي في أي يوم لكي تسرع من التقدم التقني بشدة كما فعلت بداية الأنبوب الثرميوني. وحتى لا تكون الصورة متهافتة جدا بسبب الالتزام بالأنماط الشائعة في يومنا الحالي، فإنه قد يكون من المناسب ذكر واحدة من هذه الاحتمالات، ليس بهدف التنبؤ، بل لمجرد الذكر، إذ إن التنبؤ القائم على تطوير ما هو معروف له قيمته، في حين أن التنبؤ الذي يبنى على أساس من المجهول ما هو إلا تخمين في تخمين.

وجميع خطواتنا في إيجاد المواد في السجل أو استيعابها تمضي خلال واحدة من الحواس — وهي حاسمة اللمس عندما نلمس الأزرار، والسمع عندما نتكلم أو نستمع، والبصر عندما نقرأ. أليس ممكنا أنه في يوم ما قد يمكن إيجاد طريق أكثر مباشرة؟

ونحن نعرف أنه عندما ترى العين، فإن كل المعلومات الناتجة تُنقل إلى المخ عن طريق نبضات كهربية في قناة العصب البصري. وهذه تشبه تماما النبضات الكهربية التي تحدث في سلك جهاز تليفزيون: إذ إنها تنقل الصورة من الخلايا الكهرضوئية التي تراها إلى ناقل موجات الراديو التي تتم إذاعتها من خلاله. ونعرف أيضا أننا إذا أمكننا الاقتراب من هذا السلك بالأدوات المناسبة، فإننا لا نحتاج إلى لمسه؛ بل يمكننا التقاط تلك النبضات من خلال التوصيل الكهربي ومن ثم نكتشف المنظر الذي يتم نقله ونعيد إنتاجه، تماما مثلما يمكننا أن نلجأ إلى سلك التليفون لسماع الرسالة الموجودة عليه.

والنبض الذي يسري في أعصاب ذراع الراقمة على الآلة الكاتبة ينقل إلى أصابعها المعلومات المترجمة التي تصل إلى عينها أو أذنها، لكي تتسبب في جعل الأصابع تضغط على المفاتيح المناسبة. ألا يمكن لهذه التيارات من أن يُقطع عليها الطريق، سواء في شكلها الأصلي الذي يتم به نقل المعلومات إلى المخ، أو بالشكل المتحول تحولا يدعو إلى الدهشة التي يمكن بها أن تتقدم حتى تصل إلى اليد؟

ومن خلال الانتقال عن طريق العظم نقوم فعلا بإدخال الأصوات إلى القنوات العصبية للصم حتى يمكنهم أن يسمعوا. أليس من الممكن أننا قد نتعلم إدخالها دون الصعوبة الحالية الخاصة بتحويل النبضات الكهربية إلى نبضات ميكانيكية أولا، تعيد الآلية البشرية بسرعة تحويلها إلى الشكل الكهربي؟ وبقطبين اثنين على الجمجمة يُنتج جهاز رسم المخ حاليا خطوطا بالحبر لها صلة بالظواهر الكهربية التي تتم في المخ نفسه. صحيح أن السجل غير مفهوم، فيما عدا أنه يشير إلى قصور هائل معين في عمل آلية المخ؛ ولكن من يستطيع الآن أن يضع قيودا على ما يمكن أن يؤدى إليه مثل هذا الأمر؟

وفي العالم الخارجي، فإن جميع أشكال الذكاء، سواء المتعلقة بالصوت أو النظر، أمكن تحويلها إلى هيئة تيارات متغيرة في دائرة كهربية بحيث يمكن نقلها. وفي داخل الإطار البشري يحدث النوع نفسه من العلميات. هل لابد لنا دائما من أن نحول الحركات الميكانيكية لكي ننتقل من ظاهرة كهربية إلى أخرى؟ وهذه فكرة موحية، ولكنها لا تكاد تتيح التنبؤ بدون فقدان التماس مع الواقع والمباشرة.

من المفترض أن روح الإنسان يجب أن تسمو إذا ما أراد أن يرى بصورة أفضل ماضيه المظلم ويحلل مشكلاته الحالية تحليلا أكثر كمالا وأكثر موضوعية. لقد بنى حضارة على درجة من التعقيد بحيث إنه بحاجة إلى ميكنة السجل الخاص به بصورة أكبر إذا ما أراد أن يدفع تجربته إلى نهايتها المنطقية ولا يصبح مجرد قابع في منتصف الطريق عن طريق استنزاف ذاكرته المحدودة. ويمكنه لرحلته أن تصبح أكثر إمتاعا إذا ما استطاع استعاده ميزة نسيان الأشياء المتعددة الجوانب التي ليس بحاجة إليها لكي تكون في متناول يده فورا، مع بعض التأكد من أنه يمكنه أن يجدها ثانية إذا ثبتت أنها مهمة.

لقد بنت تطبيقات العلم للإنسان منزلا جيد التجهيز، وتعلمه كيف يحيا متمتعا بالصحة في هذا المنزل. ولقد مكنته من أن يضع كتلا من البشر في مواجهة كتل أخرى بأسلحة مدمرة. وهي قد تسمح له حقا باحتواء السجل الضخم وبالنمو في حكمة تجربة الجنس البشري. وقد يلقى حتفه في الصراع قبل أن يتعلم التعامل مع ذلك السجل من أجل صالحه الحقيقي. غير أنه، من خلال تطبيق العلم على احتياجات الإنسان ورغباته، فإنها ستبدو مرحلة غير سعيدة بشكل متفرد ينبغي عندها إنهاء العملية، أو فقدان الأمل فيما يتعلق بالنتائج.

ترجمة البروفيسور أحمد شفيق الخطيب

فانيفار بوش

ترجمة: أحمد شفيق الخطيب

المصدر: منتديات واتا (الجمعية الدولية للمترجمين واللغويين العرب):

http://www.wata.cc/forums/archive/index.php/t-3853.html

السابق
جان بيير بالب: بيان من أجل أدب معلوماتي… / ترجمة: لبنى حَسَّاك
التالي
ألان فيلمان Alain Vuillemin: الأدب الرقمي: من الشعر الإلكتروني إلى الروايات التفاعلية / ترجمة: محمد أسليـم

اترك تعليقاً