أدب رقمي

فيليب بوتـز Philippe Bootz:  الأدب الرقمي: تَحوُّلٌ للأدب

نشأ الأدب الرقمي من استخدام الحاسوب حوالي عام 1959 من خلال المحاولات الأولى لتيو شوتز في ألمانيا، ثم ما لبث أن عرف نموا يعكسُ تطور تصورات مجتمعاتنا وانتقالها نحو مجتمع المعلومات، وذلك ليس لأن هذا الأدب يستنسخ الأنماط السائدة، بل لأنه يقدم نفسه باعتباره تأملا في هذا التطور.

تَطورٌ عبرَ ثلاث مراحل

يمكن القول بأن هذا التأمل قد تم على ثلاث مراحل:

الأولى امتدت من 1959 إلى 1980، وتشكل مقاربة شبه تجريبية على غرار ما يتم في كل حقل ثقافي جديد. وترتكز نصوص تلك الفترة أساسا على التوليف والتنويع. ويُلاحَظ أن النص المطبوع الناتج عن عمل الآلة هو ما كان يُعتبر آنذاك «نصا» أو موضوع الشيء الأدبي.

أما المرحلة الثانية، فبدأت مع المولدات الأوتوماتيكية الأولى التي برمَجها جان بيير بالب في عام 1980 وانتهت بتأسيس مجموعة L.A.I.R.E سنة 1988، وفيها تمَّ إرساء أشكال الأدب المعلوماتي الأساسية، إذ ظهرت أساليب ذات خصائص محدَّدة الهوية ومصنفة بشكل جيد، ويمكن تقسيمها إلى ثلاث فئات:

– المولدات الأوتوماتيكية (هي أول ما ظهرَ، وتشكل استمرارا للمرحلة السابقة)؛

– النصوص المتحركة (ظهرت في فرنسا حوالي عام 1985 مع المؤلفين الذين سيؤسسون جماعة L.A.I.R.E ومع كلود فور)؛

– ثم النصوص التشعبية الأدبية («شمس الظهيرة» لمايكل جويس، ويعود إلى عام 1987). وفيما ترتبط الفئتان الأولى والثانية بالشعر وتطورتا في تلك المرحلة بفرنسا أساسا، تندرج الفئة الثالثة في خط الرواية وتطورت في الولايات المتحدة الأمريكية بالخصوص.

وقد هيمَنت في هذه المرحلة الثانية بفرنسا أعمال جماعة ALAMO، وبالخصوص اقتراحات جان بيير بالب وأعماله داخلها. كما ستعرف سلسلة أسئلة وتحولات لم تتضح إلا في وقت لاحق. فعلى سبيل المثال، إذا كانت جماعة ALAMO تُكثر من العرض الورقي «للنصوص المولدة»، فالنصوص المتحركة لم تكن تُقدَّم ّإلا في الحاسوب، ّولا تنشر حتى في الفيديو. ولكن التحولات التي جرت آنذاك لم تصبح مرئية ومحددة كميا إلا في المرحلة الثالثة ونظيرتها الأخيرة التي أسَّست أدوات معلوماتية نوعية في الحياة الثقافية الأدبية، وهي المجلات الأدبية الإلكترونية.

زمن المجلات الإلكترونية

مجلة lire

أطلقتها جماعة LAIRE في يناير 1989، وتُصدرها اليوم [جماعة MOTS-VOIR]، ومنذ ظهورها وهي تصدر نصف سنويا تقريبا. تلعب فيها القراءة على الشاشة دورا أساسيا، ولا مجال فيها على الإطلاق لإصدار «منشورات» ورقية للنصوص المولَّدة بالحاسوب، بل إن الدورية تجهل شيئا اسمه الطابعة. وما ينبغي نشره في الورق يصدر من خلال النشرة المرفقة مع الأقراص المرنة. ونجد هنا ممارسة متعددة الوسائط تعود إلى أزمنة ما قبل تاريخ المعلوماتية الأدبية، لأن ذروة الوسائط المتعددة لن تنطلق إلا في عام 1993.

صارت القراءة هنا هي القضية المحورية، إذ يديرُ المؤلف نفسُه، وقدر المستطاع، فعلَ القراءة عبر الكتابة المعلوماتية لدرجة قد يصير معها هذا التدبيرُ هو جوهر القصيدة في ما وراء باقي مواضيعها. وفي هذا الصدَّد تشكّل الأعداد الستة الأولى للمجلة سلسلة متجانسة جدا، مما يجعلها شبه مؤلف جماعي تكمل شخصياته بعضها بعضا وتنور بعضها بعضا.

تحول الحاسوب من أداة للإبداع الأدبي، أو حاسبة آلية للمؤلف، إلى أداة للقراءة . وهذا التحول لا يخلو من تأثيرات على موقع المؤلف أو موقع القارئ من العمل الأدبي.

كذلك سوف يلعبُ اعتبارُ الأدب المعلوماتي نشاطا فنيا يندرجُ في خط الشعرين الملموس والبصري دورا في موقع هذه الممارسات الحالي داخل الحقل الثقافي. فمما لا يخلو من دلالة أنَّ مصطلحات قراءة وفن وكتابة تظهر في اسم LAIRE في حين يغيب مصطلح حاسوب وبالخصوص مفهوم «مدعوم بـ»»! كلاَّ! الأدبُ المعلوماتي هو أدبٌ. لم يعد أي مؤلف يتردد في تأكيد هذا، ويمكننا الإشارة إلى جان بيير عندما يقول لدى حديثه عن الأخطاء التي ترتكبها المولِّدات التلقائية للنصوص، مقدما وصفا جميلا للطبيعة الجوهرية لتلك المولدات:

«هي سيرورة لا تقلقني على الإطلاق، لأن ما يهمني في التوليد التلقائي ليس هو النص الذي يظهر على الشاشة، فهو نص يكونُ لحظة مثل أخرى […] على العكس، أن يُوجَد خطأ ما فهذا يسليني جدا لأنه يُظهر في نهاية المطاف أني لستُ من كتبه. ما يهمني هو هذه القدرة اللانهائية على الإنتاج وعلى توليد عالم لستُ قادرا على توليده. إذًا، إنه بديل آخر ينقل فكرا يتحدَّث. لعله استيهام الخلود. وأن يرتكب أخطاء، فهذه هي الحياة في العمق».

مجلة  KAOS

لم تكن Alire المجلة الوحيدة المختصَّة في الأدب التي لا تُقرأ إلا في الحاسوب. فهناك أيضا KAOS التي أخرجها جان بيار بالب بتصميم يُشبه بطاقة مُعايدة أنجزتُهُ جمعية تحمل اسم KAOS نفسه. وعلى هذا النحو، صدرت ثلاثة أقراص مرنة بين عامي 1991 و 1993. ويُوجد في هذه المجلة من مولدات النصوص أكثر مما يوجد في مجلة  alire، ما يجعلها تبدو مكملة للأخيرة في سنتي 1992 و1993. ومع ذلك، لم يسمح لها وجودها القصير بأن تلعب دور المختبر الذي لازالت alire تؤديه. ولا نقصد بالمختبر هنا مختبر خيمياء معلوماتية، وإنما مختبرا ثقافيا وطوباويا يندرج في خط اشتراكية على طريقة برودون – قد يقول المتشائمون أكثر – ولكن بمجموعة من الاقتراحات التي تنبثق عن مثل هذه التجربة.

 عناصر التحول

مفهوم النـص

كان الحدث اللافت أكثر هو تعديل مفهوم النص. رأينا للتو مع كلام جان بيير بالب أن النص لم يعد إطلاقا هو ما ينتجه برنامج التوليد. في الواقع، لكي نأخذ بعين الاعتبار جميع مظاهر «النص المعلوماتي» ونصفَ سائر العلاقات التي تترابطُ بها جميع جوانب «النص» لابد من اجتناب النماذج الوصفية المعتادة في الأدب والاقتراب، على سبيل المثال، من نموذج وظيفي من النوع الذي تم تطويره في المواد التقنية (الميكانيكا والإلكترونيكا بالخصوص). ففي مثل هذا الوصف، لا يعود النص يبدو «شيئا» أو «كائنا»، بل يصير نسقا كاملا في حالة اشتغال داخل تواصل بين ذاتين هما: المؤلف والقارئ. سأكتفي هنا بإجمال الظواهر الأكثر بُروزا في هذا النموذج، وخاصة منها وجود كائنين يمكن لكليهما أن يعادل جزئيا مفهوم النص الكلاسيكي، ولكنهما لا يوجدان في وقت واحد.

– الأولُ هو النص المكتوب، وهو لا يوجد إلا داخل العلاقة مؤلف / نص. يتعلق الأمر هنا بشيء أو كائن مجرد يُطابقُ بنية، أي اشتغالا، ويمكن وصفه بلغة واصفة ببرنامج أو بتقطيعه على غرار الرسومات المتحركة حيث يتضح كل مشهد على حدة. وفيه يُدرَكُ التركيبُ (أو بناء الجملة) بوصفه موادَّ أو معدات وليس بوصفه بنية لغوية في حالة اشتغال. وفي هذا النص المقروء يكون مفهوما المولِّد والنص التشعبي فعالين بشكل خاص لأنهما يتناسبان مع الإدراتين (أو التدبيرين) الأساسيين للاَّخطية ويمكن وصفهما معا بالبنية المنطقية الأساس نفسها، وهي: إذا… فإنَّه.

– أما الثاني فهو النص المقروء، أي هو الكائن الذي يظهر للقارئ على الشاشة من أجل القراءة، وخاصيته الأساسية أنه دينامي، وتشكل النصوص المتحركة المجال الخصب لهذه الدينامية، إذ يبيَّنُ التداخل الكبير بين الزمان والمكان الذي يحدث في كل نص مقروء (بما في ذلك في مُوَلِّد النصوص التلقائي)، ولو بمجرد ثنائية مساحة الصفحة التي يُشْبهُهَا النص المولَّد على الشاشة ومدة قراءته المحدودة في الوقت، وهي مدة تقترن بنظيرتها اللانهائية لاستنفاد التوليد. وقد أتاحت هذه الجدلية أحيانا اعتبار النص المقروء «مُجرَّدا» والحال أنَّ هذا المفهوم لم يسبق أبدا استخدامه فيما يخص النص المتحرك. لكن أين يكونُ النصُّ عندما لا تكف الجملة عن التحوُّل؟ كم من الوقت يحتاج القارئ لكي يُدمج كل هذه النصوص الاحتمالية في هذا التحول، حتى وإن استخدم حاملا «أمينا» مثل شريط فيديو؟ لا نخطئ، فالسمة الأساسية للنص المقروء، إزاء فعل القراءة الذي هو صرف وقت داخل المكتوب، تكون نفسها في النص المقروء المولَّد وفي النص المقروء الذي لا يعرض أي واحدة من سمات التوليد اللغوية أو التفاعلية.

 الحاسوب : أداة قراءة منحرفة

ليس النص المقروء مجرد «إعادة تركيب» شيء موجود سلفا، فالبرنامج لا يستطيع أن يتعامل مع جميع إعدادات الآلة أثناء القراءة، وذلك بكل بساطة للاختلاف الواسع للأجهزة وتطورها، ومن ثمة يمكن لقراءة النص الواحد على جهاز بطيء أو سريع أن تُنتج تأثيرات مختلفة جدا تبقى كلها مفيدة ومثيرة للاهتمام.

وسأكتفي بذكر مثال واحد عن ذلك، وهو اشتغال النسخة الأصلية لنص جان ماري دوتي «آكل النص» الذي أنشأه في عام 1986 في حاسوب مكتبي  CGA (أخبرَنا التاجر الذي باعَنا الحاسوب بوجود أجهزة كمبيوتر تعرض الأشرطة والألوان بطريقة خرافية، ولكنه لم يكن يتوفر عليها) وتمَّ إعادة قراءته على حواسيب من أجيال متعاقبة (286، 386، 486، DX33) هو نص يلعبُ على شكل من الانتقال من المقروء إلى المرئي، ولكنه تحوَّل تدريجيا إلى عمل يبدو كأنه شريط فيديو، دون أن ينتاب القارئ انطباع بأنه قد «فشل» في قراءة النص أو أنَّ حاسوبه غير ملائم للنص (باستثناء الأجهزة الحديثة). لم يتوقع المؤلف أن تتطور الأجهزة بتلك السرعة، وعلى أي حال وجد نفسه في وضعية يستحيل عليه أن يُمكِّنَ القارئ من مشاهدة آثار تلك التطورات.

وكذلك الأمر مع النص الذي يُصمَّمُ بجهاز أحادي النافذة والمُهمَّة مثل الـ DOS، ثم يُقرأُ في جهاز متعدد النوافذ والمهام، إذ تصير القراءة هنا مُجرَّد حركة تجري، ليست هي الوحيدة الممكنة، ومن ثمة يتغير وضع القراءة بشكل عميق.

تلك بعض آثار التغيرات التي يمكن أن يُدخلها الحاسوب باعتباره أداة للقراءة. من الوهم في هذه الحالة أن يبحث القارئ في النص عن المشروع «الحقيقي» للمؤلف، كما لا فائدة في أن يُفضل المؤلف نقل رسالة «أساسية» عبر محتوى النص، وذلك ليس لأن النص لا يتضمن مثل هذه الرسالة، بل لأنه يجب اعتبارها مما يندرج في «عالم المؤلف الخصوصي» داخل النص، وهي في النهاية تفيد المؤلف – أكثر من القارئ – في مواصلة تجاربه الإبداعية.

وبذلك، يحتفظُ الرقمي، باعتباره نظاما مركَّبا، داخل اشتغاله الميكانيكي نفسه وفي استقلال عن أي تأويل وحرية للقراءة، يَحتفظُ باستقلال القراءة نسبيا عن الكتابة التي تظل «المجال الخاص» لكل ذات، والذي لا يستطع الآخر أن ينفذ إليه، مما يضعُ في المتحف أنماط اشتغال الكتاب التي قد يُعتَقدُ خطأ أنها ثابتة وغير قابلة للتحول. وهذا هو الجانب الذي يمكن أن يتسبب في ضجَّة إلى أيامنا هذه، لكونه يقرِّبُ الأدب الرَّقمي من الأدب الشفهي، بل وحتى من فنون الأداء. وبصرف النظر عن طبيعة النص المقروء المقترَح على القارئ، فما من نص يكون في الحاسوب إلا ويصبح ذا خصائص قريبة من النص الشفوي تنتج عن نمط القراءة الذي يُشغله هذا النص معتمدا على لعب الذاكرة والتنويع واللارجوع.

لا اكتمال النص وكيفية تدبيره في مجلة alire

كان من الطبيعي أن يَتدبَّرَ ناشر المجلة تأثير أداة القراءة متمثلة في الآلة، وتغيير مفهوم المؤلف، ثم التحول الذي طرأ على نشاطه. ذلك أنَّ مجلة alire مجلة أدبية غير عادية، ليس لكونها تنشر وتوزَّع على أقراص فحسب، ولكن أيضا لأنها تُدمِجُ في اشتغالها عدم اكتمال النصوص الأدبية الرقمية.

تفرضُ هذا اللاكتمال طبيعة النصوص التي لا تكتمل إلا بالقراءة. وسواء اعتبرنا الجهاز كاتبا «بالوكالة»، كما يرى جان بيير بالب (وهنا لا تكتمل الكتابة إلا خلال زمن القراءة)، أو نظرنا إلى النص باعتباره نظاما يشتغل داخل عملية تواصُل (وهنا لا تصير الآلة أكثر من مجرد أداة للقراءة)، فالنتيجة واحدة، وهي أن النظام العامّ لا يكتمل، في أحسن الأحوال، إلا خلال مرحلة تجسيد النص المقروء وبالقدر الذي نقبل به اعتبار أن هذه النتيجة هي النص الذي يجب قراءته وليست مجرد نص ضمن نصوص أخرى ممكنة. ولكن المؤلفين والقراء يتدبرون هذا اللاكتمال الذي لا يُدركه القارئ إلا بسبب رفضه نشر النصوص المولَّدة على الورق (أو على شريط فيديو).

وراء عدم اكتمال النص سببٌ أكثر واقعية يتمثل في اختلاف مشاريع المؤلفين عن النتائج التي يحصل عليها القراء، وهي تفاوتات لاحظتُها في مناسبات عديدة، في الصالونات، وخلال عروض خاصة أو في منزلي عندما أغيِّر الحاسوب. تقترح بعض برامج التحريك على القارئ أن يتدبر هذه الاختلافات شخصيا عن طريق تمكينه من بتغيير سرعة النصوص المتحركة الشاملة، لأن نمط عرض هذه النصوص على الشاشة وسرعة عرضها هما المصدران الرئيسيان لتغيُّرها. ولكن يُلاحَظُ أن القارئ عندما يقوم بذلك التغيير فهو «يختار» لكن دون أن يحترم بالضرورة مشروع المؤلف، إذ قد يُبطئ المقاطع التي يعتبرها سريعة جدا كما قد يُسرِّعُ المقاطع التي يراها بطيئة جدا، ومن ثمة فهو يعدل ازدواجية المقروء / المرئي الحاضرة دائما في النص المتحرك.

وإذا كانت البرامج توفر هذه الإمكانية، فالنصوص التي يبرمجها المؤلفون أنفسهم لا تتيحها على الإطلاق. وبسبب هذا الغياب، صارت الأعداد الأولى لمجلة alire تدريجيا غير مقروءة، بحيثُ أصبح الوضعُ حرجا في عام 1994، إذ كيف يمكن للنص المكتوب في حاسوب 286 بذاكرة 10 ميغاهرتز أن يشتغل بشكل صحيح في حاسوب 486 DX/66؟ هناك حلاَّن:

 الأولُ أن يتم اعتبار الأعداد الصادرة في عام 1989 أعدادا نافذة، ومن ثمة فالمجلة ليست معنية بمراجعة الأعداد السابقة؛

أما الحل الثاني، فيمتثل في اعتبار برامج تلك النصوص، شأنها شأن كل برنامج معلوماتي، تتطلب تحديثات وأنَّ مسؤولية هذا التحديث تقع على عاتق الناشر. وعلى هذا الحل وقع الاختيار، فتمَّ ضمانُ قراءة دائمة للنصوص، مع المجازفة بخيانة توقعات المؤلف الأصلية. ولم يكن السبب العميق وراء هذا الاختيار محض إكرام للقارئ، كما لم يكن تجاريا (كانت التحديثات تُسَلَّم مجانا)، وإنما كان قبولا لحقيقة أنَّ النص المقروء لا يُختزَلُ في وصفه البرمَجي. وهذا التصوّر الذي يقلل كثيرا من أهمية النص المطبوع، مقارنة بالكتاب، يعترف ضمنيا بأولوية العمل الشامل للمؤلف على كل نص من نصوصه المنفردة. وفي أقصى الحدود، لا وجود للنص الأدبي على الإطلاق، على عكس العمل الأدبي.

وبما أنَّ الغرض من ذلك التحديث كان هو تزويد القارئ بنصوص مقروءة، ولو أنَّ قراءتها تختلف عن المشروع الأولي للمؤلف، فقد أجريتُه باتباع معيار بسيط يقبله المؤلفون هو: يجب أن يشتغل النص، قدر الإمكان، بشكل متطابق في حاسوبيَّ: الأوَّل 286 بذاكرة 10 ميغاهيرتز (أو جهاز 386 فيما يخص النصوص الأحدث قليلا) والثاني DX2/66 486، ومن ثمة فالتحديث لا يُعيد بالضرورة إنتاج تنفيذ النص في آلة تأليفه الأصلية طالما أنها تختلف عن جهاز التحديث، وهو حاسوب من نوع 286.

يعبر لا اكتمال النص هذا عن نفسه أيضا بشكل آخر. لا تتطابق قراءة القارئ في بيته لنص مشروع المجلة الأولي مع تلقيه له وسط بيئة نصية تشعبية مثل صالون القراءة الإلكترونية. وتحفِّزُ سهولة تحديث كل عدد من أعداد المجلة، مع ذلك، اعتبارَ العددين معا (القديم والجديد الناتج عن الترقية) وجهين للمجلة نفسها:

الأول هو نوع من محطة دياكرونية لمجلة alire، والثاني محطة أو واجهة تزامنية. ولذلك كان من الضروري تصميم المجلة ليس باعتبار جانبها المادي، حيثُ تُنشر في أقراص مرنة، بل باعتبار كل عدد كيانا من النصوص المقترحة مجتمعة للقراءة في بيئة معينة (أحادية المهمة، متعددة النوافذ، فيما يخص النصوص المصممة للحواسيب المكتبية) حاملا لتوقيع خاص (هو الشعار إجمالا) وقابلا للإدراج في سياق آخر. بعبارة أخرى، لا يُنظر إلى كل عدد بوصفه كيانا مغلقا، وإنما بوصفه مادة ذات خصائص معينة وقابلة لأن توضَعَ في سياقات مختلفة. على هذا النحو يستجيبُ لعدم اكتمال النصوص شكلُ المجلة المجرَّد، أو بالأحرى المتعدد ماديا (البرمجيات والأقراص: الأقراص المُدمَجة ولم لا الشبكة؟) الذي أتاحته تقنيات الاستنساخ الحالية. وبالتالي، يصير النشر المعلوماتي أصغر من النشر الورقي ومحدودا جدا، إذ قد تأخذ كل نسخة من العدد شكلا مختلفا، لأنها تتجسَّدُ وقتَ حصول القارئ عليها، ومن ثمة فمفهوم السَّحب المنحدر من النشر الورقي لا يتلاءم إطلاقا مع مثل هذا النشر المعلوماتي، مما يُغيِّرُ أيضا مفهوم إعادة الإصدار أو الطبعات الجديدة.

 ظُهور تحوُّل عميق في الحقل الثقافي

يُظهر جانبان آخران من زمن المجلات الذي عرضناه أعلاهُ تغييرا عميقا في الحقل الثقافي. يمكن القول إن القرن العشرين قد اكتمل الآن بالفعل، أو على الأقل إن انقسامات الثورة الثقافية لبداية القرن نفسه لم تعد مناسبة.

الجانب الأول هو تصالح، في النهاية، بشأن مفاهيم واحدة بين المؤلفين المنحدرين من الأدب التقليدي، ولاسيما مؤلفو الأوليبو، والمؤلفون المنحدرون من الشعر السمعي، والشعر الملموس، وسائر الحركات الدّادّائية، رغم أنَّ اختلافات في الأسلوب لازالت قائمة.

أما الجانب الثاني، فهو الاعتراف بعجز الأدوات النقدية التقليدية عن مقاربة هذه الممارسات الأدبية، باعتراف متخصصين في الأدب المقارن خلال ندوة الشمال «الشعر والحاسوب» المنعقدة بمدينة ليل الفرنسية في عام 1993. في هذا الصدد، أرى أنَّ مُلاحظة مختلف النصوص (النص المرئي، النص المكتوب) لا تكفي لوصف الاشتغال الكامل للنص وأنه يجب أيضا إجراء مُعاينة لفعل القراءة نفسه.

في الواقع، يبدو الأدب الرقمي اليوم، في العديد من جوانبه، مُكونا أصيلا للفنون الإلكترونية وقائما بشكل كامل. ففي إطار المشروع الضخم  «InterCommunication Center»، عرضت NTT في اليابان العديد من الكتاب الفرنسيين في قرص مُدمَج تضمَّنَ 300 فنانا عبر العالم، ونشرته بشكل تجريبي في عام 1994. كما أتاحت النقاشات المفيدة بين جماعة «المواعيد الفوضوية (أو العمائية)» التي تشكلت حول أنيك بيرو إظهار التشابهات بين التصورات التي تمَّ تطويرها في الفنون الإلكترونية، وفنون الاتصال، والشعر الرقمي الذي ينفرد عن الأولين بخاصية كونه يصدر في مجلات ويضع القارئ في علاقة «خاصة» مع العمل وليس في وضعية عمومية. وكل رهان صالون القراءة الإلكترونية، هذا النص التشعبي الذي يعرض مجموع أعداد مجلة ( alire نص تشعبي مفتوح سوف ينمو مع الأعداد المقبلة) هو إعادة خلق هذا الفضاء للقراءة الخاصة في مكان عمومي يُشبهُ مكتبة. الإصدار الأول لهذا النص التشعبي هو معروضٌ الآن بكيفية دائمة في مركز مدينة ليل الثقافي الجديد (espace croisé) المخصص للفنون الإلكترونية والسمعية البصرية، وسيتم نشره بِطرَفيات مخصصة للأدب الرقمي في مكتبات محافظات الشمال.

لا شك أن تحولات الأدب باستخدام الحاسوب لم تنته بعدُ، وأنه إذا كان من غير المرجح أن تتطور المجلات الإلكترونية غدا على غرار نظيرتها الموجودة اليوم، فهذه الأخيرة ساعدت على تسليط الضوء على هذا التحول وستظل مكانا متميزا ومفتوحا للتأمّل بالأدب في مفاهيمه الخاصة به وفي ممارساته.

ترجمة: محمد أسليـم

 فيليب بوتــز Philippe Bootz

أستاذ بشعبة الوسائط التشعبية

جامعة سان دُني (باريس 8)

رئيس جمعية الأدب الرقمي الأوروبية

عضو في مجموعات ومجلات ومواقع إلكترونية عديدة متخصصة في الأدب الرقمي

التالي
محمد أسليم: النهاية / رواية (01)

اترك تعليقاً