أدب رقمي: دراسات نظرية

شارل ساندرس بيرس. تمهيد عام للأعمال الكاملة / ترجمة: وديع بكيطة

إضاءة المترجم:

تعد هذه الورقة الثانية ترجمة “للتمهيد” الخاص بالأعمال الكاملة The Collected Papers of Charles Sanders Peirce، التي ألفها الفيلسوف الأمريكي شارل ساندرس بيرس (1839 -م1914) ما بين سنة 1866 و1914، والتي تتضمن عشر مجلدات، وتحتوي على واحد وثلاثين كتابا، وقد بقيت أغلب هذه الأعمال كمخطوطات لم تعرف النشر، حتى قامت جامعة هارفارد قسم الفلسفة بالأخص بنشرها، طبقا لصيغة أحدث وأكثر دقة مما كانت عليه.
وقد قمت سلفا بترجمة “التقديم” العام (الورقة الأولى) لهذه الأعمال الكاملة، من النص الإنجليزي، وأعود الآن لأستكمل هذا العمل بهذه الترجمة، التي تعضد سابقتها. تأتي هذه الترجمة في وقت لم يشهد فيه القارئ العربي أي ترجمة مباشرة لأي نص من نصوص “بيرس” من النص الأصلي الإنجليزي إلى اللغة العربية، إذ إن النزر اليسير الذي ترجم كان عبر وسيط اللغة الفرنسية، لهذا بقي “بيرس” مغمورا في الثقافة العربية، بالرغم من الحاجة الملحة إليه، سواء على مستوى المنهج أو فلسفة العلوم.
تمدنا هذه الورقة مثل سابقتها برؤية أفقية شاملة عن هذه الأعمال، وهي مدخل ضروري لفهم فلسفة شارل ساندرس بيرس، وتحدد بعض ما قد يتناهى إليه الغموض أو اللبس ضمن النسق العام. وقد راعيت في هذه الترجمة دقة المفاهيم وسلاسة التعبير، والذي تطلب العودة إلى النص الأصلي ومراجعة ما سبق وترجمت به بعض المفاهيم الخاصة بفلسفة بيرس ونسقه.
يمتد هذا “التمهيد” من الصفحة ثلاثة عشر (13) إلى الصفحة ستة عشر (16) من النص الأصلي.

تمهيد :

1. يجب أن أتوخى الدقة في العمل وأن أضع أسسا عميقة وضخمة، من أجل بناء نسق فلسفي يتجاوز الزمن. بنى أرسطو بعد دراسة دقيقة على بعض المفاهيم مثل المادة والشكل، الفعل والسلطة ـ وهي مفاهيم واسعة جدا ذات تصميمات غير واضحة واستقرائية، لكنها صلبة، ولا تتجاوز، ولا تقوض، وقد أصبحت الفلسفة الأرسطية سائدة في كل مكان، كما أن “الحس الإنجليزي العام”، مثلا، هو أيضا أرسطي، وأن الرجال العاديين يعيشون داخل منزل “ستكريت” لدرجة أن كل ما يرونه من النوافذ يبدو لهم غير مفهوم وميتافيزيقي. كان من الواضح منذ مدة طويلة أن الأرسطية، التي رافقت التاريخ الفلسفي بفخر، لم تعد تلبي الاحتياجات الحديثة، وقد بدأ هذا التجاوز على مدى القرون الثلاثة الماضية مع ديكارت وهوبز وكانط وآخرين، الذين قاموا بإصلاحات، وتعديلات والتفكيك الجزئي لهذا الإرث المتجذر. أصبح لفكر شلينج وهيجل تأثير على الذوق الألماني، كما أن لهذا النسق الواحد مرجع خاص به، ويتضمن أخطاء غير مقصودة، بالرغم من جدته، إلا أنه من الواضح غير صالح للاعتماد. يتعهد هذا المجلد بصنع فلسفة مثل فلسفة أرسطو، ووضع الخطوط العريضة لنظرية شاملة في الإدراك، تتجاوز الزمن، عن عمل العقل البشري، في فلسفة كل مدرسة وكل مذهب، في الرياضيات، في علم النفس، في العلوم الفيزيائية، في التاريخ، في علم الاجتماع، وأي قسم آخر قد يكون موجودا، يتطلب معرفة تفاصيله. تقوم الخطوة الأولى على إيجاد مفاهيم بسيطة تنطبق على كل موضوع.
2. لكن قبل كل شيء، دعوني أتعرف على قارئي، الذي أعرف شخصيته جيدا، وأعبر له عن خالص تقدري وعن سعادتي العميقة لمخاطبة شخص حكيم وصبور للغاية. يضمن هذا الكتاب فرادة موضوعه ودقة أسلوبه من بين ملايين الكتب. وسيدرك القارئ أن هذا الكتاب لم يكتب ليؤكد أراءه المسبقة، ولن يتحمل عناء قراءته إذا كان كذلك. ويكون مستعدا لمقابلة القضايا التي يميل في البداية إلى الاعتراض عليها؛ وهو يتوقع بعد كل شيء أن يقتنع بأن بعضها صحيح. سيفكر مليا أيضا في أن التفكير والكتابة في هذا الكتاب، قد استغرقت وقتا، لا داع لذكره، وبالتأكيد أكثر من ربع ساعة، وبالتالي يجب على الاعتراضات الأساسية ذات الطبيعة الواضحة جدا أن تصدم الجميع بمجرد القراءة، كما حدثت للمؤلف، على الرغم من أن الردود عليها قد لا تكون من هذا النوع الذي يمكن فهم قوته الكاملة فورا.
3. يحق للقارئ معرفة كيفية تكوين أراء الكاتب، وليس من المتوقع أن يقبل أي استنتاجات دون حجة. يكون الحكم الجيد في مثل هذه المناقشات عاملا حاسما، والتصديق التام ليس كل شيء، فمن الحكمة أخذ كل عنصر بعين الاعتبار. كنت مشغولا باستمرار بدراسة طرق الاستقصاء، سواء تلك التي تم اتباعها والتي يجب اتباعها، وهذا منذ أربعين عاما، بداية باللحظة التي استطعت فيها التفكير، حتى الآن بعشر سنوات قبل بداية هذه الدراسة، كنت أتدرب في المختبر الكيميائي، ولم أحصل فقط على معرفة تامة بالفيزياء والكيمياء، بل وبالمنهج المتبع الذي نجح به من طوروا المعرفة. أوليت الاهتمام لمناهج العلوم الأكثر دقة، وتواصلت مع أعظم العقول في عصرنا في العلوم الفيزيائية، وقدمت مساهمات إيجابية ـ ربما لم تكن ذات أهمية كبيرة جدا ـ في الرياضيات، والجاذبية، والبصريات، والكيمياء، وعلم الفلك، إلخ. تشبعت بروح العلوم الفيزيائية، وكنت طالبا مجتهدا للمنطق، وقرأت كل ما له أهمية عن الموضوع، وكرست وقتا كثيرا لفكر العصور الوسطى، دون أن أهمل فكر الإغريق، والإنجليز والألمان والفرنسيين…الخ. وأقمت نسقا خاصا بي في كل من المنطق الاستنتاجي والاستقرائي. كان عملي أقل منهجية في الميتافيزيقا، ومع ذلك، قرأت بعمق أهم الأنسقة الفكرية، ولم أشعر بالرضا أبدا حتى تمكنت من التفكير فيها كما يعتقد أنصارها.
4. قرأت أولا الكتب الفلسفية الخاصة بالمدارس الألمانية الكلاسيكية، وتبنيت الكثير من طرق تفكيرهم لدرجة أنني لم أتمكن من التخلص منها. كان موقفي دائما موقف الساكن في المختبر رغم ذلك حرصت فقط على تعلم ما لم أكن أعرفه بعد، وليس موقف الفلاسفة الذين تربوا في المعاهد اللاهوتية، والذين يقتصر دورهم على تعليم ما يعتقدون أنه صحيح ولا يدخله شك. كرست ساعتين في اليوم لدراسة “كانط” ونقده للعقل الخالص، لأكثر من ثلاث سنوات، حتى كدت أحفظ الكتاب بأكمله عن ظهر قلب، وقمت بنقد كل قسم منه. أجريت لمدة عامين تقريبا مناقشات طويلة وشبه يومية مع “تشونسي رايت”، أحد المتعصبين لفكر “جون ستيوارت ميل”.
5. نتيجة هذه القراءات، اعتبرت الفلسفة الألمانية الكلاسيكية، في جانبها الجدلي، قليلة الأهمية؛ بالرغم من تثميني لها، فربما أكون مناصرا لها، لأنها كنيزة من الاقتراحات الفلسفية. إن الفلسفة الإنجليزية، الهزيلة والجافة، في مفاهيمها، تسير بمناهج أكثر دقة ومنطق أكثر ضبطا. إن نظرية ترابط الأفكار (العلائقية)، في رأيي، هي أفضل عمل فلسفي في عصور ما قبل العلم. ومع ذلك، لا يسعني إلا أن أقول إن إحساس الإنجليز فاقد تماما لأي أساس صلب. لقد تعلمت القليل من فلاسفة التطور. على الرغم من أنني أعترف بأن نظريتهم قد تم تجميعها بسرعة، وتم تجاهل وترك مبادئ سبنسر الأولى ونظرياته العامة، التي وضعت أساس الفكرة الصحيحة، التي طُورت بمناهج سلمية وعلمية في سماتها الأساسية.
6. تأثرت بشدة بأعمال “دونس سكوت”. إذ كان المنطق والميتافيزيقا بالنسبة له، لا ينتميان إلا فترة العبودية في القرون الوسطى، بل منفصلين عنها، ويتلاءمان مع الثقافة الحديثة. أنا مقتنع بأن مذهبه سيتلاءم بشكل أفضل مع العلوم الفيزيائية، في ظل العودة المهمة والمستمرة للنقد الاسمي. كما يجب استخلاص المفاهيم الأخرى من تاريخ العلم والرياضيات.
7. لهذا فباختصار يمكن اعتبار فلسفتي فرضية من فزيائي لتأسيس نظام عام، كما تسمح به أساليب العلم، بناء على ما قام به كل الفلاسفة السابقين. وسأدعم هذه الاقتراحات بحجج بقدر ما أستطيع. البراهين لن يكون مفكرا فيها. إن براهين الميتافيزيقيين كلها لغو. أحسن ما يمكن تقديمه فرضية لا تخلو من كل الاحتمالات، تكون ضمن النسق العام لتطور الأفكار العلمية، وقابلة للتحقق منها ودحضها من قبل المحققين في المستقبل.
8. إن المثالية الدينية العالقة في العصر الحالي، تظهر نفسها على أنها عَملية وخالية من الخطأ. حينما اعترفت بأنها خاضعة للتطور، سوف لن يبق أي أثر لتلك المثالية التي تعود للقرن العاشر، باستثناء العلماء المثالثيين، والذين يندرجون في أنواع الشخصيات التي تلقي التعاليم والمواعظ العلمية، في الكنائس عن العقيدة (الكرازة)، والذين هم بالفعل “مواليد مبشرين”، وكل هؤلاء النبلاء والمثقفين اكتسبوا مفاهيمهم عن العلم من القراءة، وليس من البحث، لديهم فكرة أن “العلم” يعني المعرفة، في حين أن الحقيقة هي تسمية خاطئة، تلاحق أو تلتصق بمن لهم الرغبة في اكتشاف الأشياء….
9. تبدو لي المثالية في الأمور العلمية مثيرة للسخرية، ورغم ذلك يجب أن أقدر الذين يطالبون بها، لأنهم يشكلون الجزء الأكبر ممن لهم اهتمام كبير بالموضوع، كما يشتغلون عليه بشكل تلقائي تماما وبدون وعي منهم، فلا يخرجون عن ذلك القول المأثور “الإنسان خطاء”. في علوم القياس الأقل تعرضا للخطأ، علم القياس (ميترولوجي)، الجيوديسيا، وعلم الفلك المتري، لا أحد ممن يتوخى الدقة العلمية، يمكن أن يعلن نتيجة دون أن يكون هناك “احتمال للخطأ”. وإذا لم يتم اتباع هذه الممارسة في العلوم الأخرى، فذلك لأن هذه الاحتمالات واسعة جدا بحيث لا يمكن تقديرها.
10. لم يجد النقاد شيئا ليقولوه عني، لأن المناسبة لم تحن لهم لنقدي، فقد حافظوا على أدبهم. كما تلقيت القليل من الثناء منهم، وكان الرضى الوحيد الذي استمدت منهم، هو أني من خلال كتاباتهم الجيدة، التي تعتبر كشرائح الخبز والزبدة في الصباح، منها استمدت قوتي واتخذت طريقي. أتذكر أني جربت خلال حياتي مرة واحدة متعة الثناء، في حدا ذاته وليس لما قد يجلبه، كانت تلك المتعة رائعة، والثناء الذي منح هو اللوم: قال لي أحد النقاد أنني “لم أكن متأكدا تماما من استنتاجاتي”. فإذا كان بإمكانه المساعدة، فلما ركزت عينه على ما أكتبه الآن، لأن له لذة خاصة عندي؛ وقد كان عداءه نحوي واضحا، وعرف ذلك، أخشى أن نيران الجحيم ستغذي بوقود جديد في صدره.
11. لن يكون كتابي تعليمات إلى أي شخص. مثل دراسة الرياضيات، سأقترح بعض الأفكار وبعض الأسباب ولتكن صحيحة؛ ومن ثم إذا قبلتها، فلأنك قبلت أسبابي، والمسؤولية تقع عليك. الإنسان هو في الأساس حيوان اجتماعي: لكن أن تكون اجتماعيا شيء، وأن تكون مناصرا للمجتمع شيء آخر: أرفض أن أكون رائدا. كتابي مخصص، يهتم بالذين يريدون معرفة ذلك، والذين يريدون الفلسفة يمكنهم الذهاب إلى مكان آخر. توجد متاجر شوربة فلسفية في كل زاوية، والحمد لله!.
12. تطورت أفكاري بشكل بطيء للغاية، وهي نتيجة لعمل لمدة ثلاثين سنة، لم أعرف طريقا لنشرها، وقد حان وقت حصادها أخيرا، الذي يبدو جامحا، لكن ليس أنا من يجب أن يحكم على هذا العمل، ولا أنت كقارئ مستقل؛ إنها التجربة والتاريخ.
13. اعتدت على جمع أفكاري تحت اسم اللامثالية fallibilism))، طيلة هذه السنوات الثلاثين، ويجب أن أعترف أن الخطوة الأولى نحو المعرفة، هو الاعتراف بأنك لا تعرف شيئا بالفعل، فلا يمكن لأي آفة أن توقف التطور الفكري مثل آفة الايمان باليقينيات، وبسبب هذا الايمان تسعة وتسعون في المائة من الباحثين يظلون عاجزين عن تطوير أفكارهم، ولا يدركونها.
14. بدت لي فلسفتي وكأنها تتطور دائما، نتيجة لفشل اللامثالية، والايمان القوي بالمعرفة، والرغبة الشديدة في اكتشاف الأشياء….

شارل ساندرس بيرس. تمهيد عام للأعمال الكاملة / ترجمة: وديع بكيطة
كلية الآداب والعلوم الإنسانية فاس – سايس

السابق
محمد أسليم: الرقمية ومستقبل الثقافة العربية
التالي
أمازون تبدأ تغليف كوكب الأرض بالإنترنت لجلب الإنترنت إلى المناطق الريفية