قضية الكتاب

يوسف توفيق: سيرة التكوين لسعيد بنكراد .. من الهوية العينية إلى الهوية السردية

يوسف توفيق
ما الغاية من السرد؟ هل هو لمجرد التسلية؟ أم هو فعالية نستعيد بها حياة غيبها الزمن، ولم تعد سوى ظلال شاحبة في دهاليز ذاكرة مترعة بالآمال والخيبات؟ هل تستطيع الحكاية أن تردم الهوة بين الزمن الطبيعي والزمن الموضوعي وترد إلينا تلك اللحظات التي سُرقت منا ولا سبيل الى استعادتها الا من خلال الحبكة والكلمات؟ أليست الحكاية حارسة الزمن بتعبير بول ريكور؟ هل يعود الينا ذلك الزمن الضائع المفعم بالأحلام والظنون والأسئلة؟ أسئلة كثيرة طرحتها قبل أن أشرع في قراءة هذه سيرة التكوين لسعيد بنكراد الموسومة ب”وتحملني حيرتي وظنوني”، والصادرة حديثا عن المركز الثقافي للكتاب.
وبداية، وجب التنبيه على أنها ليست سيرة بالمعنى المعروف، بل سيرة ذهنية تحمل من الأفكار أكثر مما تجمع من الأحداث والوقائع، وهي محصلة عمر كامل من الإنجاز البحثي والتأمل المعرفي في الأنفس والآفاق، بل هي بكل اختصار سيرة إنسان أدى في الحياة ما خلق من أجله، وكل ميسّر لما خلق من أجله.
النقص:
ينص دستور السرد البروبي (فلاديمير بروب) على أن الحكاية يجب أن تبتدئ بنقص، والنقص ضرورة، بل واجب عيني لا ينهض السرد إلا به، وإلا فما الغاية من الحكي؟ ولماذا سنحكي الحكاية أصلا إذا كان كل شيء في تمامه، ومرتّب في مكانه، ويتسم بالكمال والتوازن؟ إننا نحكي في الغالب عن أبطال ابتدأوا يتامى وفقراء ومعدمين، ولا نحكي عن الأمراء المتحصنين في القصور إلا لماما. فقصص السعادة تتشابه كما يقول تولستوي، أمّا التُّعساء فكُلّ واحدٍ منهم تعيسٌ بطريقته الخَاصّة. نشأ سعيد يتيما فقد توفي والده، دون أن يتملى في صورته، لأن الأمل الوحيد في تحقيق تلك الأمنية تبخر عندما اجتمعت الأسرة، وقررت بأن تجهز على صورته الوحيدة المتبقية، بعد أن رأت عمة سعيد رؤيا فهم الجميع أن تعبيرها هو تمزيق الصورة المتبقية إربا إربا. مات الأب، وفقدت الأسرة معيلها، ودعامتها الكبرى.. وكان هذا النقص سببا في إحداث اختلال كبير في الأسرة، سيتم تداركه عندما ينبري الأخ الاكبر لتحمل مسؤولية الأب.
الانطلاقة:
كانت الانطلاقة من الكُتاب، وهناك حفظ سعيد الصبي بعض سور القرآن الكريم، قبل أن يكمل المشوار في المدرسة التي أتاها من باب المصادفة. تذكّر قصته بما أورده فيلسوف الزمن الوجودي عبد الرحمن بدوي في بداية سيرته الذاتية عندما قال إنه جاء إلى الحياة بالصدفة، يقول بدوي: “هكذا يمكن أن تبدأ المغامرة، البداية تبدأ بخطأ ما، بتعثر في الظاهر، من مصادفة غريبة من شأنها أن تبدي للعيان عالما غير معروف، وتزج بالإنسان ليتيه في لعبة قوى، ليس في الأصل أهلا لها من حيث الاستعداد”. انتهى كلام بدوي. يقول بنكراد:
“لم يكن واردا في ذهن أمي والعائلة كلها أن أذهب إلى المدرسة بعد أن توفي والدي. وحدث أنني كنت ألعب على جنبات الطريق التي تمر بمحاذاة منزلنا فمر بي مجموعة من الاطفال صحبة آبائهم وسألت أحدهم عن وجهتهم، فأخبرني أنهم ذاهبون إلى المدرسة. فانضممت إليهم ووقفت وحدي في الطابور الى ان وصل دوري، فسألني المكلف بالتسجيل عن والدي وأخبرته بموته، وسألني عن اسمي واسم والدتي ودون اسمي في السجل. وهكذا أصبحت تلميذا بالمصادفة وحدها”. انتهى كلام سعيد بنكراد .
وسواء كان ذلك يدخل في باب المصادفة أم جاء وفق ترتيب قدري محكم ودقيق. فإن النتيجة هي ما نرى أمامنا، فالحادثة الأولى أعطت عبد الرحمن بدوي، والثانية صنعت سعيد بنكراد، وكلاهما ملأ الدنيا وشغل الناس.
الرحلة:
ابتدأت رحلة العلم والمعرفة في الطريق الفلاحية التي تقود إلى المدرسة، حيث تنتشر على جنباتها ضيعات تضوع منها رائحة البرتقال، وفي طريق البرتقال خطا الصبي خطواته الأولى في درب المعرفة، وهناك أيضا كان الاصطدام الأول بالمفهوم الفينومينولوجي بالعالم والطبيعة الفسيحة، وكانت النشأة في بيئة محافظة تسودها أجواء اعتقادية تذكر بما قاله الأنثروبولوجي الفرنسي ليفي برول عن المشاركة الغيبية التي تتعايش بمقتضاها مع البشر كائنات وهمية غريبة تتربص بهم حينا، وتمدّ لهم يد المساعدة حينا آخر. عوالم عاشها الصغير بكل اندهاش وقلق، خصوصا عندما كان يتجرأ في بعض الأحيان على الإدلاء بدلوه في قضايا لا تنبغي له وفق ما درج عليه الناس في فهمهم البسيط. وكانت الضريبة تصل في بعض المرات إلى علقة ساخنة كتلك التي أخذها من والدته عندما مد نظره إلى السماء قبيل الغروب متأملا الشفق الأحمر وصاح قائلا: إن القمر في جهنم.
كان تكوين الطفل خليطا من هذه المعتقدات، بالإضافة لما يتلقاه في المدرسة من أشياء قديمة، وأخرى حديثة. وكانت المناهج بسيطة، وأحيانا تسير الأمور كما اتفق، حتى إن أشياء مهمة يغفلها المدرسون في دروسهم، كمراعاة نفسية التلاميذ وشعورهم. وهو ما تؤكده تلك الحادثة التي انطبعت في ذهن الصغير بتفاصيلها الدقيقة رغم بون المسافة ونأي السنين. وهي الحادثة التي أخذت عنوان الفصل الأول من السيرة؛ لماذا يبكي سعيد؟:
“وحدث مرة أخرى أن كان درس المحادثة هو اليتيم. لم أكن حينها أعير اهتماما لهذه الكلمة، ولم يكن لها أي وقع على نفسي، فوجود أمي وحنانها كانا كافيين لأستمر في الحياة وأتمتع بطفولتي وانطلاقها. وقدم المعلم تعريفا كما هي العادة: اليتيم هو من مات أبوه أو أمه. وبدأ التلاميذ يرددون التعريف في حماسة شديدة، واندفعت بدوري أردد التعريف بنفس حماستهم. وفجأة انتبه المعلم إلي، ويبدو أنني كنت اليتيم الوحيد في القسم. فتوجه إلي التلاميذ قائلا: سعيد يتيم لأنه فقد أباه. وانطلق التلاميذ من جديد يرددون اللازمة، واستمر الصراخ، فانفجرت باكيا. وما كان من المعلم ألا أن توجه إلى التلاميذ من جديد ليسألهم: لماذا يبكي سعيد؟ ثم يجيب عن سؤاله: سعيد يبكي لأنه يتيم. وانطلق التلاميذ من جديد يرددون فيما يشبه النشيد السؤال وجوابه، ولم يتوقفوا إلا مع نهاية الدرس وكانت عيناي قد احمرتا من شدة البكاء. ورأيت الزهو في عيني المعلم، فالدرس كان ناجحا من الناحيتين النظرية والتطبيقية. ويومها فقط أدركت معنى اليتم”[1].
وهنا، يفتح سعيد بنكراد قوسا ليؤكد أهمية اللغة في بناء التمثيل الرمزي لحقائق الوجود.. فداخل اللغة تُصنع كل الأفكار وتُبنى جميع المفاهيم، ولا شيء يفلت من قبضتها. فهي بيت الكينونة كما يعلمنا هيدجر، وكل وجود خارجها يكون باهتا وبدون أي معنى.
فما معنى أن يكون سعيد يتيما؟ لقد عاش الصغير اليتم قبل الحادثة بسنوات لكنه لم يعرف حقيقته إلا بعد أن بني مفهوميا داخل اللغة، يقول موضحا:
“ويومها فقط أدركت اليتم لقد عشته حقيقة موضوعية منذ سنوات عمري الأولى، وتعودت على العيش مع والدتي، كما كان يفعل إخوتي. ولم أنتبه الى اليتم كما تسميه هذه الكلمة أبدا في حقيقة معيشي اليومي. ولكن عندما أصبحت يتيما في اللغة تغير كل شيء”.[2]
من الهوية العينية الى الهوية السردية:
تعد الهوية السردية نتيجة الجدل بين الهوية العينية والهوية الذاتية، فالهوية العينية كما يعلمنا بول ريكور هي الصفات الثابتة التي تصاحب المرء من ميلاده إلى قبره، وهي الصفات الشكلية والطبيعية التي تسم الشخصية ولا تتغير بالأفكار والقناعات والمسارات المختلفة، إنها الثابت، بينما الهوية الذاتية هي هوية الاستمرار والتدافع والتحول مع الزمن والأحداث. فداخل تلك الأجواء القروية ستتشكل عند الصبي البذور الأولى لهويته العينية التي سيحملها معه طيلة مراحل حياته، والحديث هنا عن أخلاق الفلاحين البسطاء المتمثلة في الشجاعة والشهامة والعفة والبساطة وكثير من الميزات التي تختصر في مفهوم (الرجلة)، التي ستصحبه في جميع مراحل حياته، بل ستكون خصلته المميزة في سائر ما يصدر عنه من السلوكات والأفعال في جميع المحطات. بينما ستعرف هويته الذاتية تغييرا مطردا وهي تتفاعل مع الأحداث والأفكار.
وإذا كان من شيء قد أثر في حياة الصبي علاوة على الكتب، فهي الحكايات التي كان يسمعها من جدته، وهي كانت مدخله إلى عالم بلا حدود من الخيال والمتعة، وكانت السبب في تعلقه بالسرد أكثر من الشعر. كما كانت أيضا سبيله إلى إعجابه الكبير بالحكايات والأساطير، وإيمانه بقدرتها العجيبة على التعبير عن بنية التفكير عند الناس، واختزال تصوراتهم ورؤيتهم للعالم. وربما يكون قد تأثر بما ألمح اليه كلود ليفي ستروس عندما قال إنه لا شيء يشبه السياسة المعاصرة مثل الأساطير.
وفي المرحلة الثانوية سيرسخ سعيد أكثر في القراءة، وسيتعرف على نجيب محفوظ، وستستهويه عوالمه القاهرية الساحرة. لقد أقبل يلتهم أعماله بنهم منقطع النظير، حتى تماهى مع شخصياته، وخصوصا كمال عبد الجواد، بطل الثلاثية، الذي صدم عندما رأى تحققه البصري السينمائي. وهنا أيضا، سيتوقف بنكراد لينتصر مجددا للغة، ولقدرتها الاستثنائية على بناء العوالم، وفتح المساحات التي تمكن القارئ من تسريب لحظات من وجدانه وخياله على ما يوصف أمامه من مشاهد وأحداث وشخصيات داخل الرواية. وهو الأمر الذي ظل بنكراد يؤمن به ويدافع عنه خلال ما يكتبه في السيميائات والهرموسية “فالطاقة الانفعالية في التمثيل اللساني ستظل أقوى من معادلاتها في الأنساق الأخرى”[3].
لقد آمن سعيد مبكرا بسحر الكتب، وبقدرتها على تغيير ما بالأنفس، وتعبيد الطريق الملكية نحو المعرفة والحياة. وتوطدت صلته بها أكثر عندما حل بمدينة فاس، التي تعد مدينةَ العلم، والأصالة، والثقافة الضاربة بجذورها في التاريخ. وصارت الكتب كالماء والهواء، كما جاء في عبارة طه حسين عن حاجة الإنسان للمعرفة والثقافة،”كنا نتنفس بالكتب ونتجادل بالكتب ونحب ونغري ونعشق بالكتب أيضا”.
وفي فاس سيعرف سعيد حياة جديدة عنوانها النضال والمعرفة والتكوين العميق سياسيا وفكريا، وسينضم رسميا إلى حركة 23 مارس. هذه الحركة اليسارية التي اعنتق مبادءها وأفكارها لكنه لم يتردد في توجيه نقده الذاتي لكثير من مواقفها التي بدا له بعد مرور السنين أنها لم تكن صائبة، أو أنها جانبت الاعتدال (حادثة عبد الكريم غلاب ومعركة الفصيل مع الطلبة الاستقلاليين). ولأنه اختار الالتزام السياسي في الساحة الطلابية فهو لم يَحِدْ عن هذا الأمر في اختياراته الأدبية، لأن الأدب في تصوره في تلك الفترة هو لسان المقموعين والمسحوقين، فهو إما أن يهتم للعمال والفلاحين والكادحين في الأرض أو لا يكون. وفي الجامعة التي كانت في تلك الفترة تغلي بالتيارات والأفكار عاش سعيد سعيدا مثل صبي في رحم أمه، فهناك الأكل والشرب والحب والأحلام الوردية في إقامة مجتمع بدون طبقات، لا ظلم فيه ولا جور ولا حكرة، ولم يكن بحثه لنيل الاجازة إلا تتويجا لهذا المسار، وهو بحث عن الشاعر أحمد فؤاد نجم، أنجزه في السجن بإشراف حسن المنيعي رحمه الله، فقد دخل سعيد السجن نتيجة أفكاره ومبادئه وخياره الثوري وحبه لفلسطين التي صارت عنوانا للتغيير والثورة والحرية لكل الشعوب التواقة.
الخروج وتلقين الأسرار:
يخرج سعيد هاربا من المغرب متوجها إلى فرنسا عبر الجزائر، وكان ذلك سنة 1981 وسيدخل باريس خائفا يترقب بجواز مزور كما دخل موسى مصر، لكن باريس احتضنته ومنحته السكينة المطلوبة، وكأن لسان حالها يقول: “واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا”. وقد كانت المرحلة الباريسية في اعتقادنا هي مرحلة التلقين، وفضاء باريس هو فضاء عبور بامتياز، لأثره البالغ في حياة بنكراد العلمية والفكرية، وحتى الشخصية.
كريماص والبحث عن المعنى :
لقد حلت في هذه الرحلة المعرفة ُمحلَّ الايديولوجيا، والنصُّ مَحَلَّ أشياءَ أخرى بعيدة عنه، تحت الشعار الخالد: لا خلاص لنا خارج النص، في استعادة واضحة لشعار الكنيسة الذي لا يرى فكاك الإنسان خارج أسوارها..وهناك سيتعرف بنكراد على نجوم علمية كثيرة تزين باريس وفضاءاتها الثقافية مثل كريماص وفيليب هامون ومحمد اركون وجمال الدين بن الشيخ وجيرار جنيت وكلود بريمون وجوزيف كورتيس وجوليا كريستيفا. لكن كريماص سيستحوذ على الأثر الأكبر في تشكيل وعي سعيد بنكراد النقدي، في زمن عرفت فيه البنيوية في فرنسا زمنها السعيد، باعتبارها إبدالا معرفيا ابتدأ باللسانيات واكتسح سريعا الإنسانيات جمعاء، رغم الانتقادات التي كانت تعدّها معرفة مزيفة جردت اللغة من مرجعها، وأخرجت الواقع من دائرة الوعي. إنها العودة للنص، ولقوانينه الداخلية، وللنماذج التي تستوعب المعنى، وتحتضنه، قبل أن يبتعد النص عما يزخر به من أشكال وعلاقات. فالنص كما يوضح بنكراد “ليس بيانا سياسيا أو أداة للتحريض ضد الظلمة والطغاة كما لا يمكن أن يكون مجرد خدعة ماكرة يحاول من خلالها المؤلف تضليل الناس وصرفهم عن الوعي الحقيقي” . [4]
والقصد من هذا، نحوٌ نصي، يكون فيه النص جملةً كبيرة ينسحب عليها ما ينسحب على الجملة الاعتيادية من تقطيع وتركيب وقوانين، فالعالم ليس كذلك إلا في حدود إحالته إلى معنى[5]. فوحدها الخطاطات التحليلية قادرة على تعقّب المعنى، قدرَتها على أن تعود إلى النص وتكشف عن حجمه، وطريقته في الانتشار في فضاءات بلا امتداد خارجي. ومن السيميائيات السردية التي أرسى نماذجها ووضع خطاطاتها كريماص، إلى سيميائيات بورس التي بعث فيها الحياة أومبرتو ايكو، وهناك سيدرك أن المعنى سيرورة وليس معطى جاهزا، وستصبح السيمائيات عند سعيد بنكراد أفقا للتأويل والتفكير والإمساك بالمعنى الذي هو غاية الغايات وأشرف المقاصد، وهو ذروة التحليل وسنامه وسدرة منتهاه.
العودة والإنجاز:
عندما عاد بنكراد من باريس، انتمى لسلك التدريس في الجامعة المغربية. وبغض النظر عن الإشكالات المرتبطة بشروط البحث في الجامعة المغربية، فإن بنكراد شق طريقه بكل همة وعزم في أرض جديدة عذراء، وعليها أرسى بنيان مشروعه العلمي البنكرادي في تعقب المعنى:
“لقد تغيرت أسئلتي وتنوعت قراءاتي، قرأت بورس، وقرأت سوسير من جديد، وقرأت أومبرتو إيكو، وبارث، وبول ريكور، وازداد اطلاعي على الفينومينولوجيا، وبدأت أهتم بمقترحات الهرموسية في ميدان التأويل، ما قاله شلايرماخر، وما اقترحه غادامير، وقليل من هايدجر.[6]
وكما تأثر بكريماص تأثر أيضا ببارت الذي حكى عنه بلوعة شديدة لأن الموت اختاره قبل أن يقول كل شيء، وقد أشار إلى حادثة إعفائه من التدريس في الجامعة المغربية لعدم توفره على الدكتوراه، وهي حادثة اختلطت فيها التراجيديا بالكوميديا. بارت الذي ثور الدراسات السردية والأدبية، وصنع مجد السيميولوجيا، منتقلا من النسق اللغوي – كما بشر دي سوسير- إلى أنساق أخرى كالموضة والاشهار والصورة. بداهات أخرى نفضَ عنها ظلال الاستيهام كما يقول. فعبر البداهات يوضح بنكراد يتسرب الثقافي إلى تفاصيل حياتنا ليغطي على المعطى الطبيعي فيها[7].
السيميائيات التأويلية:
لم يتوقف بنكراد عند السيميائيات السرديات بل تجاوزها للسيميائيات التأويلية التي لم تنحصر في مكونات جاهزة كما كان موقف جرار جنيت. لقد وجهت أنظار القارئ إلى ممكنات التأويل، وهي ممكنات يقتضيها بناء نص يولد في الذاكرة الثقافية، وداخل موسوعتها يتناسل. ولأن البحث عن المعنى كان هاجس بنكراد وغايته المثلى فسيقدم على تجربة أخرى قائمة على مساءلة الظواهر والنصوص والرموز وسائر الأشكال الرمزية من طقوس وفق قناعات جديدة ترتكز على ما يقود إلى الحقيقة في تعددها وتنوعها. كما فعل في كتابه “وهج المعاني” الذي تناول فيه ظواهر وأشكالا رمزية وسلوكات يومية. وقال في مقدمته: “إن عددا قليلا فقط من المنتجات المعروضة أمامنا في سوق العلامات هي التي تستجيب لحاجيات صريحة بينما يلبي الباقي فقط رغبات مكبوتة موطنها الدهاليز المظلمة للنفس”[8]. وهكذا قام بتحليل ظاهرة الحجاب، وعلاقته بثقافة الجسد، وموقعه في الثقافة العربية، ومفهوم العورة، وكيف يشكل الحجاب عودة نكوصية لزمنية أولى يشكل الاسلام سقفها الثقافي النهائي والكلي، في نوع من التذكير بنهاية التاريخ. كما تعرض لمفهوم التأويل في القرآن والذي عالجه في مواضع كثيرة سواء في كتابه الهرموسية، أو عبر مقالات مبثوثة هنا أو هناك. وهو جزء من مشروعه في تأويل النص الديني، وفق قراءة جديدة في ممكنات النص بعيدا عن واقعه التشخيصي، فالتأويل عنده أداة للتعرف على مناطق داخل ذواتنا، وفي العالم، لا يمكننا التواصل معها دون آلياته، لأن ما تقرره اللغة في مستواها السطحي والمباشر “ليس سوى حالات استثنائية تحيل على أكثر المناطق فقرا في الوجود الانساني”[9]. فاختزال النصوص في جانبها التشخيصي هو تحديد لانسيابها وامتدادها في اللغة والعالم. فالبؤس والسعادة والحنين والاندفاع وغيرها من المفاهيم ليست سوى سلوك عام تحقق من قبل في زمنية ولت، إنه بذلك يتضمن قصة فعلية، أو كانت ممكنة التحقق في الوعي الجماعي، ولكنها لم تجد طريقها إلى التحقق الفعلي. لذلك لا ندون ما عشناه فقط، بل نسقط أيضا ما كنا نحلم به ونتمنى تحقيقه. فالكينونة لا تبنى في ما تحقق في حياة الفرد، انها تشتمل أيضا على ما فكر فيه وما تمناه وهي أيضا مجموع استيهاماته ورغباته التي لم تتحقق.
لم يكتف بنكراد بارتياد آفاق اللغة اللفظية، بل اقتحم مجال الصورة أيضا، وجاء كتابه “بين اللفظ والصورة” ليسد فراغا مهولا، وفقرا مزمنا في ثقافة الصورة هو نتيجة تاريخ كامل من الجفاء بيننا وبينها. لقد جاء هذا الكتاب على شكل مقالات متفرقة تعالج الاشكالات المرتبطة بقراءة الصورة، فما تقوله الصورة وما تريد أن تفصح عنه “لا يشكل حقيقة في العين، بل هو رحى صامتة تنتج استيهامات يجب أن تغطي على تفاصيل الواقع. وهي التي ستعلن عن ميلاد حقيقة جديدة ستكون سبيلنا الأوحد نحو المتعة والسعادة”[10]. لقد اهتم سعيد بنكراد بالصورة ترجمة وتأملا وتدريسا لأسباب كثيرة علمية وبحثية وبيداغوجية، أحدها أنه كان يدرس في ماستر “سيميائيات اللفظ والصورة” ..لكن السبب الأبرز في نظري من طبيعة نفسية، فكأنه ينتقم لاشعوريا من تلك المؤامرة الغبية القديمة التي تم بموجبها الإجهاز على الصورة الوحيدة لوالده، والتي حرمته من التملي في وجهه للأبد.
وكما تنتصب البرتقالة في مدخل مدينة بركان لترحب بزوارها، باعتبارها علامة أو أيقونة تدل على المدينة، فإن طريق البرتقال كانت مدخل سعيد بنكراد نحو عالم العلامات. لقد كانت بداية مسيرة مسكونة بهاجس السؤال، متسمة بالجرأة في مساءلة الظواهر، ومطارحة الأفكار، وتجريب مختلف الإبدالات المعرفية. مسيرة عنوانها الاجتهاد والاصرار والبحث المستمر عن آفاق جديدة في المعرفة والتفكير، مع إصرار كبير على التجاوز والنقد الذاتي، ومراجعة الأفكار التي تحتاج إلى المراجعة، دون الميل عن المبادئ الاساسية التي تشكل صلب الهوية العينية الملتحمة مع الهوية الذاتية. فالسيرة وإن كانت تحكي في ظاهرها عن الحياة الفكرية التي تخص فردا بعينه، إلا أنها تخط مع ذلك معالم الهوية السردية لجيل بأكمله كان يؤرقه البحث عن المعرفة والتغيير والخلاص من الجهل والاستبداد.

[1] – سعيد بنكراد، وتحملني حيرتي وظنوني، سيرة التكوين، المركز الثقافي للكتاب، الدار البيضاء، ط1، 2021. ص30.
[2] – نفسه.
[3] – نفسه، ص46.
[4] – سعيد بنكراد، مراتب المعنى، مرجع سابق، ص71.
[5] – سعيد بنكراد، السيميائيات السردية، ص53.
[6] – سعيد بنكراد، وتحملني حيرتي وظنوني، ص187.
[7] – سعيد بنكراد، سيميائيات النص، مراتب المعنى، منشورات ضفاف، دار الأمان، الرباط، ط1، 2018. ص54.
[8] – سعيد بنكراد، وهج المعاني، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، ط1، 2013. ص5.
[9] – سعيد بنكراد، سيروارات التأويل من الهرموسية الى السيميائيات، منشورات ضفاف، دار الأمان، الرباط، ط1، 2012.
[10] – سعيد بنكراد، بين اللفظ والصورة، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، ط1، 2017. ص09.

السابق
أمازون تبدأ تغليف كوكب الأرض بالإنترنت لجلب الإنترنت إلى المناطق الريفية
التالي
سيرة التكوين لسعيد بنكراد ..من الهوية العينية إلى الهوية السردية