ميدوزا؟

،ميدوزا طموح للمساهمة في المشهد الثقافي العربي في الأنترنيت بفضاء صغير وصغير جدا (بالمقارنة مع شساعة القارة الرقمية) مفتوح في وجه كل الإبداعات والدراسات والنقاشات الجادة لكن أيضا (وبغير قصد منه) في وجه البشاعة – بشاعتنا – التي عبدت لها الرقمية كل أسباب الظهور والتجلي، والتي يمضي البعض إلى اعتبارها حاملة لتهديد حقيقي لحضارتنا... إن تأمل سيل ما ينشر في الشبكة يجعل هذه الحقيقة المفزعة واقعا لا يقوى أحد على تغييره: إذا كان القدماء يسمون الرجز حمار الشعراء، فإنه صار بالإمكان القول اليوم إن الشعر صار حمار ..«المبدعين»

بين النشر الرقمي والنشر الورقي فروق كبيرة وكبيرة جدا، لدرجة أن الكثيرين لا يترددون الآن في الجهر بالموت المرتقب للكتاب على نحو ما ألفناه به منذ آلاف السنين بل ووسم القرون ..الخمس السالفة بعصر جتنبرغ الآيل هو الآخر إلى الأفول

...لكن إذا كان موت الكتاب التقليدي أمرا محققا فلا أحد يقوى اليوم على المجازفة بالتبؤ بالشكل «النهائي» الذي سيأخذه الكتاب الرقمي الذي لا تكف أجياله عن التعاقب بسرعة مذهلة

.مراعاة لوضع الخضرمة الذي نعيشه، تسعى ميدوزا لأخذ وضع اعتباري يقف بين الرقمية الخالصة والكتاب الورقي الذي يصعب على أغلبتنا العظمى التخلص منه

لميدوزا من الرقمية سهولة وضع المادة على الخط، والانفتاح الدائم على مواد جديدة، بل وتغيير مواد العدد بإلحاق تعديلات على النصوص والمقالات المنشورة، استجابة لرغبة أصحابها، أو استبدال مادة بمادة أخرى نزولا عند الرغبة ذاتها... ومعنى ذلك أن العدد لا يوضع على الخط مكتملا، لا يكتمل إلا بدخوله إلى الأرشيف فاسحا المجال للعدد الموالي، وهذا الدخول للأرشيف لا ...يبرره إلا عنصر الزمن الذي لم تراعه ميدوزا إلا للخيط الذي ارتأت إبقاءه مع النشر الورقي

كما لها أيضا من الرقمية التحرر من قيد الكم الذي يعانيه كل من يصدر منشورا ورقيا؛ فبقدر ما لا تفرض ميدوزا على كتابها عدم تجاوز سقف محدد من الكلمات في كل مادة مرشحة للنشر لا يواجه كل عدد من أعداد ميدوزا أي إكراه بخصوص كم المواد المنشورة فيه. وبذلك يمكن أن يعادل العدد الواحد مجلدا ورقيا ضخما يقتضي طبعه ورقيا اعتمادات مالية ربما لا ترصدها حتى ...المؤسسات الحكومية لنشر مجلاتها الثقافية الورقية... هذه إحدى هبات الرقمية العظمى بالتأكيد، لكن المحفوفة بالمزالق

عند اكتمال كل عدد، سيتم وضع مجموع مواده رهن إشارة القراء والمتصفحين على شكل ملفت بهيأة pdf قابله ليس للتحميل، بل وكذلك للطباعة، مما يتيح لهؤلاء القراء استعادة الشكل الورقي للمجلة ويتيح للباحثين الإحالة على ما يودون الإحالة عليه وفق المواضعات المعهودة في المجلات الورقية (تاريخ العدد، عنوان المقال أو النص، التاريخ، الصفحات، الخ.). ومن نافلة القول إن المجلة هنا تصير معادلا للكتاب الورقي، أي جسدا ثابتا غير قابل للتغيير ولا للنحل... بل وحتى ولو اختفى الموقع أو توقفت المجلة عن الصدور، فإن الأعداد الصادرة ستكون متوفرة ..لدى مجموع القراء الذين حملوها، بل ويمكنهم تداولها ونشرها بين من لم يتمكن من تصفحها أثناء تواجدها على النت

أخيرا، ميدوزا مبادرة شخصية لا تقف وراءها أية جهة أو مؤسسة، كما لا تعبر عن أي خط فكري أو سياسي، فالأفكار المنشورة لا تعبر إلا عن أصحابها. وبديهي أن هذا الاختيار إنما يقف ...وراءه الرغبة في الحرية، وإتاحة الفرصة لأكبر عدد من الأقلام العربية من التجلي خارج الإكراهات التي تواجهها

 

محمد أسليــم